استطاعت أمل كوشك، مديرة خدمات المستثمرين في هيئة كهرباء ومياه دبي، أن تنقش اسمها بحروف من ذهب على صفحات كتاب حافل بنجاحات المرأة التي أرادت أن تزرع في تربة بلدها نبتة وتسقيها من روحها ووقتها لتكبر وتثمر لتحصد بعد ذلك نجاحا تلو نجاح. رأت في نفسها شخصية مرموقة منذ الصغر فسعت وراء هذا الحلم الذي حققته فعلا، وعملت من أجل مجتمعها وحملت رسالة ما زالت تحلم بتوصيلها للجميع. أحبت عملها ونقلته إلى منزلها أو نقلت نفسها إليه ليصبح منزلها الثاني. حول نشأتها ونجاحها ورسالتها وطموحاتها تحدثت معنا في هذا الحوار.
حدثينا عن نشأتك وتعليمك؟
- نشأت مع أسرتي في مدينة جدة بالمملكة العربية السعودية، وتعلمت في مدارسها حتى أنهيت الثانوية العامة، وأبدى والدي وهو مهندس مدني حرصاً شديداً على تعليمنا أنا واخوتي (ثلاثة ذكور وأربع إناث) شؤون الحياة ومبادئ الإسلام والأخلاق العالية منذ نعومة أظفارنا، ولأن التعليم في أسرتي بالغ الأهمية أولاه والداي اهتماماً كبيراً لدرجة أنهما حرصا على أن يتخصص القسم الأكبر من أبنائهما في مجالات الهندسة المختلفة، فسافرت إلى الولايات المتحدة الأمريكية لدراسة هندسة العمليات، وأذكر أنني كنت من الخليجيات القليلات اللواتي كنّ يدرسن في الخارج في ذاك الوقت، أي في ثمانينات القرن الماضي. وبحمد الله استطعت أن أثبت قدراتي وتخرجت في جامعة فلوريدا الوسطى بمدينة أورلاندو عام 1991.
كيف استطعت الوصول إلى منصبك هذا، ومن كان وراء نجاحك؟
- التحقت بوظيفة مساعد مهندس تخطيط بهيئة كهرباء ومياه دبي، بعد فترة من التدريب المهني، وهنا أذكر مسؤولي، نائب الرئيس للمشاريع والهندسة في الهيئة سابقا، خالد لوتاه وتأثيره الكبير فيّ، وتدرجت في عملي حتى أصبحت نائبة لمدير إدارة الأحمال، ومن ثمّ مديرة لخدمات المستثمرين قبل عام تقريبا.
نجاحك المستمر إلى ماذا ترجعينه؟
- إيماني بالرسالة التي أؤديها والالتزام بالعمل تحقيقاً لمصلحة المؤسسة التي أخدم بها ولخير دبي وبلدي الإمارات، كل ذلك كان، بعد الله عزّ وجلّ، الدافع وراء استمرار عجلة نجاحي في دورانها، فلم يكن هدفي الأول المنصب أو الراتب، بل خدمة المجتمع الذي أنتمي إليه، وأعتقد لو أن الشخص فكر في مصلحة المجتمع في المقام الأول لأفلح في عمله ولارتقى وحقق أعلى الدرجات.
هل وافق منصبك الحالي أحلامك ودراستك وطموحك؟
- لطالما رأيت نفسي موظفة مرموقة، ولذا أشعر بأن ما أنا عليه اليوم يتوافق مع أحلام طفولتي ودراستي، إلاّ أن طموحي بمزيد من الرقي المهني والوظيفي ينبع من رغبتي في العمل المستمر من أجل بلدي.
ما أبرز المعوقات التي واجهتها في مشوارك؟
- إذا ما صرفتُ النظر عن مشكلات العمل اليومية التي يجري تخطيها وحلها بسهولة في غالب الأحيان، فإن المعوق الأبرز في العمل يكمن في إيصال رسالة الترشيد إلى مستهلكي المياه والكهرباء، فالتعامل مع شرائح المجتمع المختلفة يتطلب تنويعاً في طرق الخطاب وأساليبه؛ فطلبة المدارس على سبيل المثال نأتيهم بأساليب محببة إلى قلوبهم كالرسوم الكرتونية والألعاب وغيرها، أما المستثمرون فنبيّن لهم مقادير الوفر المادي التي يمكن لهم تحقيقها، إلى جانب اللعب على وتر المسؤولية الاجتماعية للمؤسسات وما تمليه عليهم تلك المسؤولية من ضرورة الاهتمام بالجانب البيئي والترشيد في استهلاك الموارد الشحيحة أصلاً في بيئتنا. كما أننا بالتعاون مع الدوائر الحكومية المعنية في دبي نتوجه إلى المساجد لمخاطبة الناس في خطبة صلاة الجمعة من باب النصح الديني باعتبار الإسراف منهياً عنه.
كيف تتعاملين مع ضغوط العمل والمسؤوليات التي تحملينها على عاتقك؟
- لا أعتبر ضغوط العمل أمراً سلبياً، فالضغوط موجودة في كل مكان وزمان، وأعلم تماما أن من هم أعلى مني في السلم الإداري في مؤسستي يدركون أهمية العمل الذي يوكلونه إليّ مثلما أدرك أنا أهميته، وإلاّ لما سعينا جميعاً إلى تحقيقه، ومن هنا فإنني أنظر إلى العمل مهما كان حجمه ونوعه نظرة إيجابية نابعة من الالتزام برؤية المؤسسة ورسالتها، وقبل كل شيء الإيمان بالعمل ركناً مهماً من أركان الحياة وعبادة يثيبنا الله عليها.
كونك زوجة وأماً، هل وجدت صعوبة في التوفيق بين عملك وحياتك الشخصية؟
- بعد التطور المهني والارتقاء في المناصب بدأت أواجه بعض الصعوبات في التوفيق بين البيت والعمل، لزيادة المسؤوليات، ما ترتب عليه حمل العمل إلى البيت أحياناً والتأخر في المكتب أحياناً أخرى، لكنني استطعت أن أتخطى ذلك كله، بفضل زوجي الذي وقف إلى جانبي مؤمناً بي وداعماً لرسالتي ومباركاً لنجاحي، كما أن اطمئنان نفسي إلى صواب نهجي ساعدني كثيراً في تجاوز العثرات، والتمكّن من الموازنة بين ما عليّ تجاه عملي وما علي تجاه أسرتي، وهنا جدير بي أن أذكر أن العلاقة بيني وبين عملي خاصة جدا وقد تطورت للغاية حتى بتّ أشعر بأن هيئة كهرباء ومياه دبي بيتي الثاني، وأن الزملاء والزميلات أفراد أسرتي التي تجمعني بهم أطيب العلاقات.
كونك خليجية، هل وجدت معارضة من هذا المجتمع الذي يحرص ويخاف كثيراً على المرأة في إكمال مشوارك ونجاحك؟
المجتمع الخليجي يحترم المرأة التي تحافظ على نفسها وتثبت ذاتها، ولطالما لعبت المرأة الخليجية، ولا سيما الإماراتية، عبر تاريخها دوراً حيوياً في كافة جوانب الحياة، ووقفت وقفة مشرفة إلى جانب الرجل، ومن ناحية شخصية، فقد وجدت كل الدعم بدءاً من والديّ وأسرتي ومروراً بأقاربي ومعارفي، وبالتأكيد من زوجي الذي لازمني بدعمه وتشجيعه لسنين عديدة.
هل ترين أن الخليجية قادرة على منافسة الرجل والتفوق عليه؟
- أعتقد أن القدرة على المنافسة لم تعد مشكلة في المرأة أو في الرجل، فأبواب النجاح باتت مفتوحة للجميع، وذلك بفضل الاهتمام الكبير الذي توليه القيادة الرشيدة لدولتنا في إتاحة النجاح للجميع من دون تفريق بين الجنسين، والتأكيد المتواصل لأولي الأمر على كلّ ما من شأنه إقرار المساواة بين الرجل والمرأة، سيما أننا بتنا نلمس إبداعات أنثوية في مجالات مختلفة بعضها كان حكراً على الرجال، كما أننا نرى المرأة الإماراتية تتولى أعلى المناصب لجِدّها وجهدها، وليس محاباة لها، والأمثلة أكثر من أن تُعد، لكن ما زالت هناك مشكلة لدى البعض تستدعي المرأةَ أحياناً أن تبذل جهداً أكبر مما يبذل الرجل لتلفت الأنظار إلى إبداعاتها وتوفقها، وهذه المشكلة أرى أنها إلى زوال بتطور المجتمع واتساع تبني النظرة إلى المرأة باعتبارها إنساناً منتجاً مبدعاً مثلها مثل الرجل.
ما سر تميزك؟
- أعتقد أن السر يكمن في أمرين: التعامل مع الجميع على أنهم متميزون، مهما علت مراتبهم الوظيفية والاجتماعية أو تدنّت، والتواضع وعدم الاكتفاء بالإنجاز، فلا أعتبر العمل كاملاً بانتهاء تنفيذه، وإنما أستمر في التطلع إلى المزيد مما يمكن أن يضاف إلى العمل أو يضيف إليه، وأحس دائماً بأنني أقدَرُ على العطاء، وبأنه ما زال باستطاعتي تقديم المزيد.
ما أبرز طموحاتك؟
- أكبر طموح يعتري نفسي هو أن تصل رسالتي المهنية التي أسعى لتحقيقها إلى الجميع، فرسالة الترشيد في استهلاك الكهرباء والماء رسالة سامية ذات معانٍ إنسانية وأخلاقية واسعة، فالترشيد أمر يمسّ حياة الفرد والمجتمع، ويعتبر الإيمان به وتطبيقه أمراً أساسياً، لذا فإن وصول رسالة الترشيد إلى الجميع وإيمانهم بها وعملهم بمضمونها هو حلم أعمل من أجل تحقيقه، وسأظل أسعى لهذه الغاية طالما أجد في نفسي القدرة على ذلك.