كيف يمكن حماية اللهجة الشعبية المدونة من التحريف أثناء التدوين؟ وما مخاطر وقوع المدونين في أخطاء تتعلق بالجانب اللساني الصوتي المتمثل في التشكيل وفنون الإمالة والادغام والترخيم التي تتميز بها اللهجات المحلية المعروفة في الامارات خاصة في حالة الشعر النبطي؟ يبدو أن المكتبات تزخر بعشرات الدواوين والدراسات التي اعتمدت على التدوين الخاطئ فانتشر الخطأ بانتشار نسخ هذه الكتب وعدد قرائها.
أكاديمية الشعر في هيئة أبوظبي للثقافة والتراث تنوي التصدي للتدوين الخاطئ على يد الهواة وغير المتخصيين من خلال تنظيم ورشات علمية، ومن خلال ما تقدمه من محاضرات لطلابها المنتسبين، ومن خلال إصداراتها التي تمثل الجانب التتفيذي لموقفها المنهجي من التدوين .
يقول الباحث سلطان العميمي مدير أكاديمية الشعر في هيئة أبوظبي للثقافة والتراث موضحا أصناف الأخطاء وجذورها: (هناك عدد غير قليل من الإصدارات المتعلقة بالشعر النبطي، منها ما هو مختص بالشعر فقط، ومنها ما تضمن نماذج شعرية نبطية، وأشرف على إصدار هذه المراجع مدونون أو شعراء أو أشخاص غير مختصين، وعانى عدد غير قليل من هذه الإصدارات من نوعين من الأخطاء، الاولى الأخطاء الإملائية والطباعية، ما يدل على عدم مراجعة ما تم إصداره في هذه الدواوين والمراجع، والثانية الأخطاء في طريقة كتابة المفردة العامية أو المحلية، وهي أخطاء شائعة وقديمة .
ولعل من أهم أسباب شيوع هذه الأخطاء اعتماد طريقة كتابة القصيدة النبطية ومفرداتها وفق الصورة التي كتبت بها في أقدم مخطوطات الشعر النبطي التي أمكن العثور عليها في الإمارات، والتي لا يزيد عمرها على مائة سنة، مثل كتابة حرف الألف في أول الكلمات ذات الحروف الساكنة في أولها، مثل كتابة (اوسار) للدلالة على (وسار) التي ينطق حرف الواو في أولها ساكناً . وكذلك تحويل الكسرة في آخر مفردات القوافي إلى ياء، وغيرها من الأخطاء، ونحن لا نلوم المدونين الذين دونوا هذه القصائد في تلك الفترة، قياساً بمستوى التعليم السائد آنذاك، وكون الأمر لا يعدو اجتهاداً فردياً لدى أغلب هؤلاء المدونين، على العكس، نحن نعترف لهم بالفضل في ما دونوه وحفظوا به جزءاً مهماً من الذاكرة المحلية وهويتها وأدبنا الشعبي الذي نفتخر به . إلا أنه من غير المعقول أن نبقى إلى اليوم محافظين على الأسلوب التقليدي نفسه، وعلى الأخطاء نفسها التي كانت تعلق بالقصيدة النبطية منذ أكثر من مائة سنة، على الرغم من انتشار التعليم وازدياد الوعي بين الشعراء والمدونين، وعلى الرغم أيضا من دفاعنا ودفاع شعراء النبط عن الشعر النبطي بأنه يحمل رقياً فنيا وفكراً لا يقلان عن نظيريهما في الشعر الفصيح .
ومما زاد الأمر سوءاً استخدام الشعراء فضاء النشر عبر الانترنت والمنتديات بصور كبيرة، وانتشار وشيوع أخطاء جديدة، مثل تحويل التنوين في الشعر النبطي إلى حرف (ن) .
ولا شك في أن مراجعة إصدارات الأدب الشعبي، وتحديداً الشعر النبطي، ليست بالأمر الهيّن، ولكنه ليس بالأمر المستحيل، ويحتاج إلى جهود كبيرة وتعاون بين مختلف المؤسسات الثقافية . كما يحتاج إلى توعية في مختلف المواقع المختصة أو غير المختصة التي تفتح مجال النشر فيها لشعراء النبط) .
يتناول الدكتورغسان الحسن بحرص شديد موضوع التدوين ويرى أن الشعر النبطي يمثل مخزونا للتراث المعنوي المحلي ويقترح أكثر من صيغة لتفادي أخطاء التدوين، لكنه على الرغم من ذلك يبدو غير متفائل في ظل رفض تعليم الشعر النطبي في المدارس والجامعات المحلية . ويقول: (هذا الموضوع كبير وله تأثير بعيد المدى على الشعر النبطي، وهو تأثير يتجاوز الراهن إلى أجيال قادمة . فقد انشغلنا منذ عقود بتدوين الشعر النبطي والأحداث الاجتماعية والتعرف الى اللهجات التي ورثتها الأجيال الجديدة من الأجداد الذين يعتبر شعرهم هو الأساس الذي نبني عليه قناعاتنا ومواقفنا من شتى الجوانب اللغوية والفنية في الشعر النبطي . ولذلك فإن ضياع قصيدة واحدة هو ضياع شاهد أساسي على جزء من الشخصية الاماراتية بأبعادها التاريخية والتراثية .
وما توفر لنا من حصيلة جمع الشعر فيه من شوائب كثيرة، بحيث لا يمكن تنقيتها بسهولة . وما يهمنا حاليا هو موضوع التدوين وأساليبه من أجل حفظ هوية اللهجة المحكية وطرق النطق بالكلمات . هنا المسألة تتعلق بكون الكتابة ذات صلة قوية بطريقة اللفظ، وبالتالي فإن القارئ هو اللافظ، والوزن الشعري يقوم على إيقاع الصوت، بحيث أن أي خطأ في عملية الإيقاع تتسبب في كسر في الوزن، ومن هنا يمكن القول إن من سمات التدوين حماية الوزن، لأن التدوين الخاطئ سيتسبب في كسر الوزن وهو بذلك يسيء إلى الشاعر . وأعتقد أن استسهال التدوين هو الذي يقف وراء الأخطاء المتكررة، ومن أبجديات التدوين المعرفة باللهجة المحلية والتشكيل الذي يحترم أساليب النطق، ولذلك فإن التدوين يحتاج إلى دراية يفتقدها الكثير ممن خاضوا فيه، ونتج عن ذلك صدور قصائد ودواوين كاملة لكبار شعراء الامارات القدامى وردت فيها كسور في الوزن ولوحظ فيها وجود حروف زائدة وحروف ناقصة تربك القارئ وتقدم هذا التراث العريق بصورة خاطئة للأجيال الحالية والتي تليها، الأخطر أن التدوين الخاطئ يتسبب في غموض المعاني وعدم القدرة على الربط بين الأبيات . مع الإشارة إلى أن هؤلاء المدونين كان هدفهم نبيلا ينبع من حرصهم على حماية تراث الامارات، غير أن هذا الحرص كانت تنقصه الدراية والخبرة) .
يشرح الحسن مدى جناية التدوين الخاطئ على الباحثين قائلا: (من المشاكل المربكة التي يحدثها التدوين الخاطئ توريط الباحثين في الشعر النبطي في استنتاجات ومواقف نقدية غير سليمة، لأن الباحثين لم يجمعوا المادة الشعرية ولم يدونوها لذلك فهم يعتمدون على النصوص المدونة ويعتبرونها مصادر لهم ومراجع . وأذكر مثالا صارخا في هذا المجال أن أحد المدونين ذكر في كتاب له أن أحد الشعراء كان كفيفا، ولم يكن الشاعر كفيفا في حقيقة الأمر .
وذات يوم قامت باحثة تونسية كانت تقيم في الامارات بدراسة معمقة لقصائد هذا الشاعر انطلاقا من كونه كفيفا، وراحت تدرس أساليب وصفه للأمكنة والألوان والشخصيات انطلاقا من سيكولوجية الكفيف وانعدام بصره، وهي مندهشة من مقدرته المذهلة على فعل ذلك . وبهذا ضاع جهد الباحثة وأهدرت وقتا طويلا لم تجن منه شيئا والسبب هو التدوين الخاطئ .
ولب المشكلة هنا أن الكتاب الاماراتي الذي يتناول الشعر النبطي لا يحتاج انتشاره توزيعه في البلدان العربية، إذ يكفي أن ينتشر في الامارات ليجد عشرات الباحثين العرب المقيمين والزائرين ليقتنوه ويطلعوا على مادته ويجعلوه مصدرا أو مرجعا، وبذلك يصبح البعد الجغرافي غير حائل دون الانتشار . وأدعو بهذه المناسبة إلى تشديد المراجعة والمراقبة على أي مخطوط بحثي أو مخطوط ديوان قبل طبعه، لأنه حتى في حالة إعادة طباعة الكتاب بعد تنقيحه وتصحيحه من يضمن لنا عدم وقوع الطبعة الأولى التي وردت فيها الأخطاء بين أيدي الباحثين والمهتمين . وتزداد خطورة التدوين الخاطئ حين نعلم أن الشعر النبطي في الامارات والخليج العربي هو خزان عظيم للتاريخ الاجتماعي والسياسي وتوثيق للتفاعل الوجداني مع معطياة الحياة) .
وعن الجهود التي يمكن أن تقوم بها أكاديمية الشعر في هيئة أبوظبي للثقافة والتراث يقول: (أعتقد أن أكاديمية الشعر على الرغم من نشاطاتها وإصداراتها فإن دورها سيكون مقصورا على المساهمة العلمية بالتنسيق مع الجهات المعنية بالتدوين في الامارات والمحيط الاقليمي، وهي غير مخولة بفرض أفكارها، لكنها تدعو وتحاور وتقترح وتصدر مؤلفات تمثل الصيغة التنفيذية لأفكارها . ومن ناحية أخرى إن الدروس التي يتلقاها الطلبة في الأكاديمية تبشر بتخريج جيل من الشباب يعي خطورة التدوين وأثره الإيجابي أو السلبي على التراث الشعبي وبالأخص الشعري منه .
كما أن الأكاديمية جاهزة لاستقبال مخطوطات الدواوين والمؤلفات البحثية من أجل مراجعتها وتصحيحها من دون أي مقابل مادي، لأن الأكاديمية جهة علمية ثقافية لا تهدف إلى الربح بل إلى حماية التراث الشعري وتدوينه وتصنيفه ودراسته، وأي مخطوط يصل إلينا سنهتم به باعتباره من مهام العمل) .
ويعبر الدكتور الحسن عن عدم تفاؤله بانتشار التدوين السليم للشعر النبطي من أجل حماية اللهجة وحماية معاني الشعر من الغموض والإبهام يقول: (ما نطمح إليه هو ان يتم اعتماد تدريس الشعر النبطي في وزارة التربية، ففي هذا الشعر نلمس العادات والتقاليد العريقة للمجتمع المحلي، ونلمس التاريخ الاجتماعي وأسماء الأماكن والشخصيات وجميع مكونات البيئة القديمة، التي تشكل رافدا قويا من روافد الهوية الاماراتية . لماذا هذا الشعر محرم عليه أن يكون مادة للتدريس؟ هل لكونه باللهجة العامية؟ وهل يوجد طالب إماراتي لا يتكلم بلهجته بمجرد خروجه من أسوار المدرسة؟ ثم إن هذه اللهجة ليست لهجة السوق، بل هي لهجة أدبية راقية إلى جانب كونها تمثل مخزونا مدهشا للغة العربية الفصحى . ونحن في الأكاديمية بصدد تأليف معجم للهجة المحلية على يد الباحث سلطان العميمي، وقد لاحظنا معا درجة إغراق مفردات الشعر النبطي المحلي في الفصاحة العربية العريقة . وإن ذلك يبعث على الفخر ويدعو الأجيال الجديدة إلى النهل من معين لهجة الأجداد الثرية وشديدة التوغل في بيان وجماليات اللغة العربية .
هيئة رقابية
الشاعرعيضة بن مسعود من المعتمدين في مراجعة الدواوين الشعرية النبطية، ومن الساخطين على كثرة التحريف الذي أصاب الشعر النبطي نتيجة التدوين الخاطئ ، يقدم في ما يلي تجربته في هذا الشأن ويقول:
(أعتقد أن الاهتمام بأساليب كتابة الشعر النبطي وتشكيله في الامارات ظاهرة صحية، لأن المحكي الشعبي في حالة تدوينه يحتاج إلى القراءة السليمة، التي تحافظ على الجانب اللساني اللهجي للشعر . وقد لاحظت من خلال تجربتي في مراجعة الدواوين النبطية المحلية وجود أساليب مختلفة قد تربك القارئ الاماراتي والعربي . ومثال ذلك قولنا “لأجلك”، يكتبها البعض “لاجلك” بتخفيف الألف ويذهب البعض إلى إلغاء الألف فيكتبها “لجْلك”، وأنا شخصيا مع التخفيف وليس مع الإلغاء . وأرى أن عدم وجود هيئة رقابية تراجع الدواوين الشعبية هو سبب الاضطراب الكبير الذي تشهده الساحة، لذلك أقترح إنشاء مثل هذه الهيئة التي يمكن أن تتشكل من أعضاء خبراء ينتمون إلى جهات مهمتة بالشعر النبطي . كما أن أكاديمية الشعر في هيئة أبوظبي للثقافة والتراث مقبلة على طرح تصور تطبيقي على المعنيين في الفترة المقبلة بهدف مناقشته والخروج بموقف موحد في حقل كتابة الشعر النبطي وتشكيله . غير أني أرى أنه من الصعب توحيد الآراء، لكن المحاولة مطلوبة وذلك بإقناع عدد قليل من المراجعين للدواوين عسى أن ينتقل توحيد الكتابة والتشكيل من خلال الاصدارات المتوالية .
وحتى أكون واضحا أستطيع القول إن مراجعتي لعدد كبير من مخطوطات الدواوين النبطية التابعة لمؤسسات وأفراد ترد فيها أخطاء كثيرة تتعلق بالإملاء والتشكيل، بل تتعلق أيضا بالوزن وسبب حدوث الأخطاء العروضية يعود في الغالب إلى كون بعض الشعراء الشعبيين الكبار في السن يتعاملون مع الشعر بعفوية، ولذلك يقعون في هفوات قليلة، وإذا تم تنبيههم يتداركون الخطأ من دون صعوبة .
ومن ناحية أخرى إن الطلاب المنتسبين إلى أكاديمية الشعر يدرسون الأوزان الشعرية المتعلقة بالشعر النبطي، كما يدرسون أساليب الكتابة والتشكيل إلى جانب مساقات فنية ونقدية أخرى، وهذا جهد علمي من الأكاديمية يمكن أن يسهم في توسيع دائرة الكتابة والتشكيل السليمين مع تخريج الدفعات المتوالية التي سيكون لها دور مهم في النشاط الشعري النبطي في الإمارات) .
هوية
يقول د . غسان الحسن: أنا غير متفائل بمستقبل زاهر للتدوين السليم لأن المدارس مغلقة في وجه الشعر النبطي، وما يمكن أن تقوم به الأكاديمية ستقوم به من دون تأخير . وأنبه إلى أن المعرفة باللهجة المحلية غير كاف تماما للخوض في تدوين الشعر النبطي والبحث فيه، لأن الأمر يحتاج إلى ثقافة علمية . ونقول لمن يعتقد أن المعرفة باللهجة المحلية وحدها كافية لدخول عالم الشعر النبطي والتراث الشعبي بحثا وتحليلا “لا” ثلاث مرات . لأن هذا المجال هو حقل ثقافي له علاقة بهوية مجتمع ومستقبله ولا يمكن التلاعب بها من قبل الهواة الذين يمكنهم بحسن نية أن يضروها من دون أن يدروا) .