قضايا
تركيا وسيط نزيه أم مفاوض شرس؟ آخر تحديث:الثلاثاء ,09/02/2010
بسام بلان

1/1

مغزى الرسائل العلنية المتبادلة بين  سوريا و”إسرائيل” يكاد يكون غير مفهوم، حيث تراوحت هذه الرسائل بين سياسية غير ملتبسة، وأخرى عسكرية غير مباشرة، ولكنها غير ملتبسة أيضاً .


ففي حين أعلن مكتب رئيس الوزراء “الإسرائيلي” بنيامين نتنياهو أنه مستعد للذهاب إلى أي مكان لإجراء محادثات سلام مع سوريا من دون شروط مسبقة، بحسب تعبيره، يأتي الرد السوري بأن “إسرائيل” غير مستعدة لمثل هذا الاستحقاق .


أما الرد على الرسائل العسكرية ““الإسرائيلية””،غير المباشرة، فجاء على لسان وزير الخارجية السوري وليد المعلم، حين طالب حكومة نتنياهو المتطرفة، بحضور وزير الخارجية الإسباني، بالكف عن لعب دور “الزعران” في المنطقة والدفع بها إلى هاوية الحرب، وأكثر من ذلك تضمن رد رئيس الدبلوماسية السورية تهديداً واضحاً وصريحاً ل”إسرائيل”، بأن أي عدوان ستقوم به، سواء على لبنان أو على سوريا أو غزة، سيؤدي هذه المرة إلى “حرب شاملة لن تسلم من نارها المدن “الإسرائيلية” .


الرد الأعنف على كلام المعلم جاء على لسان وزير الخارجية “الإسرائيلي” أفيغدور ليبرمان، عندما هدد الرئيس السوري بفقدان السلطة إن هو “تحركش” ب “إسرائيل” عسكرياً .


أما “واجهة” الحكومة “الإسرائيلية”، رغم سجله الإجرامي، وزير الدفاع إيهود باراك، فيرى أن من مصلحة “إسرائيل” عقد اتفاقية سلام مع سوريا، لأن الخيار الثاني هو الأسوأ، بحسب تعبيره .


الجانب التركي، ورغم عدم ورود اسمه مباشرة في الرسائل المتبادلة بين الجانبين حاضر بقوة، وكذا الجانب الأوروبي . وهنا بيت القصيد برأيي!


كيف؟ عندما طالب الرئيس السوري بشار الأسد تركيا بتحسين علاقتها مع “إسرائيل” لتقوم بدور الوسيط  في المفاوضات بين بلاده وبين “إسرائيل”، لاقى هذا الطلب انتقادات شديدة من بعض الأطراف انتقادات دفعت البعض إلى الطلب من الرئيس الأسد عدم تفويت فرصة صب الزيت فوق نار الخلاف “الإسرائيلي”- التركي، كما لاقت تصريحات الأسد ذاتها استهجاناً من آخرين، وتساءلوا: كيف يطلب الأسد من تركيا ذلك، وما مصلحته (؟!) .


أغلب الظن، أن الإدارة السورية التي تمرست اللعب على حافة الهاوية، كسياسة أرسى قواعدها الرئيس الراحل حافظ الأسد، هي الآن تمارس “اللعبة” عينها . .ولا أدل على ذلك من الفترة الممتدة التي أعقبت احتلال العراق، وما لحقها من ضغط على دمشق وصل حد التحرش العسكري، سواء من واشنطن أو تل أبيب، ومع ذلك ظلّت تمارس لعبتها على حافة الهاوية تصارع السقوط، وتحاول العودة إلى بر الأمان، إلى ان نجحت في اختراق الجانب الأوروبي عبر البوابة الإسبانية ثم الفرنسية، وأخيراً الولايات المتحدة قبل الاتفاق مع المملكة العربية السعودية على إعادة التنسيق في الملفات التي اعتادت دمشق والرياض التنسيق فيهما طول عقود، وصولاً إلى إعلان واشنطن عن ترشيح سفير لها في دمشق وهو بصدد العودة قريباً لاستئناف العلاقات رسمياً بين الجانبين، وسيكون من صلب عمله إحياء المفاوضات بين سوريا و”إسرائيل” .


الجانب التركي كان حاضراً على الدوام في كل المعادلات السابقة، وما كانت الأمور ستصل إلى ما هي عليه الآن لولا الحضور التركي المؤثر، العلني وغير العلني على خط العلاقات السورية مع أوروبا والولايات المتحدة، وفي هذا السياق يمكن تفسير طلب الأسد لأنقرة بتحسين علاقتها مع تل أبيب .


على الأرجح أن هذا الطلب، هو الآخر “رقص سياسي على حافة الهاوية” . فالرئيس الأسد بعد أن اطمأن إلى عمق علاقاته مع أنقرة، وإدراك الجانبين حاجة الواحد منهما للآخر، كان لابد من رمي هذا الحجر في المياه الراكدة، ولعله أيضاً أراد إحراج “الإسرائيليين” أكثر بطلبه هذا، وكأنه يريد القول ل”إسرائيل”، إن المفتاح في يد أنقرة من دون غيرها . وإذا كان لابد من إدارة عجلة السلام معها، فإكسيرها بيد اللاعب التركي، الذي لا يمكن لأحد أن يشكك بقوته، وفي المجالات .


ولكن لماذا تركيا، ولماذا رفضت دمشق دخول الفرنسيين على هذا الخط، وصدت الباب بلا مواربة في وجه  صديقها الرئيس الفرنسي نيكولا ساركوزي؟


الإجابة عن ذلك يجب أن تبدأ، برأيي، أولاً بالتذكير بكل الأقوال والنظريات السابقة، واللاحقة حول “حتمية الصراع التركي - “الإسرائيلي”” لفهم ما يجري على هذا المسار .


من أسف أن يذهب البعض إلى اعتبار المواقف التركية الأخيرة تجاه المنطقة العربية بأنها “صحوة ضمير”، أو من باب أن رئيس الوزراء التركي رجب طيب أردوغان يتحرك مدفوعاً بحماسة إسلامية، تتوافق مع نبض الشارع التركي . قد يكون في ذلك جزء من الحقيقة، ولكن الحقيقة تكتمل عند النظر إلى كل الصورة وليس إلى زاوية واحدة منها .


الحقيقة إن ما أصاب تركيا هو “صحوة قومية” لا تخلو من نزعة “امبراطورية”، ولن ننسى في هذا السياق تذكير أرودغان ل”الإسرائيليين” بان الأتراك اليوم هم “أحفاد العثمانيين” أمس، وعلمه الكامل بان ذلك لن يترك أي ردة فعل سلبية عند العرب، خصوصاً أن قسماً منهم قد حنّ مؤخراً للإمبراطورية العثمانية بعد حال الوهن المريع الذي وصل إليه العالم العربي، من تشرذم وتناحر، وضياع للبوصلة .


فالصراع “الحتمي” بين تركيا و”إسرائيل” قد بدأت فصوله بالتوالي . وتركيا التي تحتاج إلى تصريف فائض قوتها وفائض ثروتها، وبعد انسداد الباب الأوروبي أمامها، جعلها تعود إلى أصلها المشرقي . وهذه العودة ستؤثر أول ما تؤثر في “إسرائيل”، لأنها ستسحب البساط من تحت أقدامها على طريق اكتمال مشروع الهيمنة على المنطقة، التي تواطأ العالم بأكمله معها من اجله .


والاتحاد الأوروبي يشجع تركيا على لعب هذا الدور بعدما آمن بقدرتها وقوتها، وبعدما فقد الأمل بأن تحقق “إسرئيل” مشروعه في المنطقة العربية، ولأسباب كثيرة تتراوح بين تاريخية وجغرافية وعقائدية .


جميع القوى تسعى اليوم لمصالح اقتصادية ولنفوذ لن يكتمل في ظل الصراع والتناحر العربي - “الإسرائيلي”، الذي فقد الجميع الأمل بأن تنجح مساعي تسويته؛ فهذا الصراع محكوم بامتدادات لاحصر لها، تاريخية، وثقافية وعقائدية . وتجربة سلام “إسرائيل” مع مصر والأردن  يعرفها الجميع  ويراقبها عن كثب .


إذن الصراع لم يعد في المنطقة، بل عاد كما كان دائماً على المنطقة، وتركيا هنا رأس حربة صلب .


وكي لايُفهم هذا الكلام على أنه تلميح إلى وجوب النظر ل”إسرائيل” وتركيا من زاوية واحدة وبمنظار واحد، لا بد من القول صراحة أن العرب قادرون


على الإندماج مع الأتراك بصورة لن تتحقق مع “إسرائيل” .


وإذا كان المشروع “الإسرائيلي” أُقيم للهيمنة المطلقة على الجغرافية والثروة والسيادة العربية بصورة شاملة، فإن العلاقة  بتركيا تبدو أكثر سلاسة، بخاصة أن للأتراك جغرافية ثابتة حددها دستور صريح وواضح . مع الإقرار بأن دول المشرق العربي ستدفع باهظاً ثمن هذا التحالف، على الأقل في المدى المنظور، بعدما يزيح الاقتصاد التركي بمفرداته كافة اقتصادات هذه الدول ويهيمن عليها بسبب تفوقه وقوته وفوائضه أيضاً، طبعاً ماعدا النفط والغاز .


الحنق “الإسرائيلي” على سوريا بدأ يأخذ شكل الهاجس بعد يقينها بأن دمشق تلعب ببراعة على خط مصالح تركيا من جهة وخط مصالح الأوروبيين من ناحية ثانية . لعبة يمكنها أن تصل بمصالح هؤلاء من ناحية ومصالح الكيان “الإسرائيلي” إلى درجة الصراع المباشر، وربما قبلت دمشق المجازفة بأن يكون جزء من أراضيها ساحة لهذا الصراع .


التنسيق السوري - التركي اليوم في أعلى درجاته، تنسيق محكوم باتفاقات موثقة من الجانبين، تنسيق فتح أمام دمشق بوابة واسعة نحو فضاء سياسي واقتصادي رحب . ومن مصلحتها أن تكون تركيا حاضرة بقوة في أي محادثات بينها وبين “إسرائيل” وهو أمر فسّره الرئيس السوري عندما تحدث عن مواصفات الوسيط النزيه وأسبغ هذا الوصف على تركيا بعدما نسّق الطرفان بأن أي حديث عن سلام سوري -”إسرائيلي” لا منطلق له سوى مرجعيات قرارات الأمم المتحدة ومؤتمر مدريد للسلام، وتركيا تبدو أكثر من متفهمة لهذا الإصرار السوري، بخاصة أن مصالحها أيضاً تكمن في إرساء سلام عادل وشامل في المنطقة، لأن غير ذلك سيعيد الصراع في المنطقة إلى المربع الأول في أي لحظة . فقد أثبت التاريخ أن الشعوب تتفهم عقد تسويات ما في لحظة تاريخية معينة، ولكن ما لا تتفهمه أبداً هو أن تكون هذه التسويات مجحفة ومنقوصة، لذلك فإنها لن تقبل بها، وأكثر من ذلك ستعمل على إسقاطها بكافة الوسائل،وهذا الأمر منافٍ من ألفه إلى يائه مع تطلعات سوريا وتركيا، وكذلك الأوروبيين نحو المنطقة .


أكثر من ذلك، زاد الحنق “الإسرائيلي” أكثر عندما بدأ الرئيس السوري يكشف عن ملامح استراتيجيته الجديدة، والتي عُرفت  بنظرية “البحار الأربعة” والقائمة على الفضاء الجيو استراتيجي لبحار “ قزوين والبحر الأبيض المتوسط والبحر الأحمر والخليج العربي” . فضاء استراتيجي هو ممر للمياه والغاز والنفط والتجارة،وهو نوع من الكتلة الإقليمية تصون ثروات المنطقة ومصالحها وتتقاطع مع مصالح الآخرين بقدر ما تفيد المصالح الوطنية لكل دولة .


الدول المرشحة لهذا المشروع هي تركيا وإيران والعراق والأردن، ويردفها في العمق استراتيجياً دول الخليج العربي وأرمينيا واليونان، مشروع طموح عَكَسَ في لحظة من اللحظات، أكثر من البحث عن خيار، بل الذهاب نحو تأسيس واقع جديد للمنطقة، يصون السلام ويدعّم أسس العلاقات الاقتصادية كمانع اختراق سياسي استراتيجي، والأهم أنه يحجّم دور “إسرائيل”، إن حالياً أو في حال قيام سلام ضمن شروط غير متوافرة حالياً، بممانعة حكومية وبرلمانية اختارت حالة اللاحرب واللاسلم .


ورأينا الدور الذي لعبته سوريا والرئيس الأسد في المصالحة التاريخية بين تركيا وأرمينيا، لفك الألغام المزروعة تاريخياً في طريق انطلاق هذا المشروع .


“إسرائيل” إزاء هذا الواقع بدأت تتلقى إشارات أوروبية وأحياناً أمريكية لم تسمعها من قبل . فالأوروبيون الذين حملوا وزر “الهولوكوست” بحق أو من دون حق عودوا “إسرائيل” على الحديث معها ومع الآخرين من خلال مصالحهم ومصالحها من دون الالتفات لمصالح الآخرين وحقوقهم وتطلعاتهم، الأمر الذي أشعرها بالضيق والتبرم في الآونة الأخيرة، وزاد الطين بلّة وصول ائتلاف نتنياهو ليبرمان  المتطرف للحكم في “إسرائيل” .


واقع جديد جعل “إسرائيل” تعيش حالة ارتباك غير معهودة، خاصة عندما بدأت ترى جلياً تضارب مصالحها مع مصالح الدول التي رعتها ووفرت لها كل أسباب الحياة والبقاء . ولذلك هي اليوم تبعث برسائلها في كل اتجاه، وتهدد غزة تارة، ولبنان تارة أخرى، وسوريا وإيران أيضاً .


الصراع التركي - “الإسرائيلي” بدأ فعلاً، وهو صراع هذه المرة ليس كما المرات السابقة؛ لن يكون أبداً زوبعة في فنجان، ولا غيمة صيف عابرة، هو صراع برؤى إستراتيجية واضحة، لذلك فإن أي تسويات سترعاها في المنطقة يجب أن تكون تسويات كاملة تضمن حقوق الجميع، ومَنْ يُرد دخول التاريخ الجديد للمنطقة عليه أن يدفع استحقاقات ذلك، و”إسرائيل” لاتزال مترددة في دفع هذا الثمن .


سوريا أدارت ظهرها لأي تسوية لا تعيد لها الجولان ولا تعيد حقوق الفلسطينيين  كاملة، وإلاّ فليمتد هذا الصراع لسنوات أو لعقود أخرى، سيكون الخاسر الوحيد فيه هو الدولة المعزولة عن الرؤية الجديدة للمنطقة وتركيا باعتقادي موافقة على ذلك وستبذل كل ما بوسعها لتأمين ممرات آمنة لطموحاتها، ولرزمة مصالحها الوطنية والقومية .


أما “إسرائيل”، فقد تلجأ في لحظة من اللحظات إلى إعادة خلط الأوراق عبر مغامرتها بحرب تتعمد فيها إدخال دمشق بصورة مباشرة . ولكن التاريخ علمنا أنه يمكن ببساطة إشعال النيران، ولكن كيفية السيطرة على هذه النيران هي العقدة التي لن تكسر المنشار وحسب، بل وستكسر الأيدي والأصابع التي أشعلت الشرر .


وأعتقد أن في “إسرائيل” اليوم من يستوعب ذلك، وإلاّ ما الذي دفع بحزب كاديما لانتقاد تصريحات ليبرمان العدوانية الأخيرة تجاه سوريا .


ولربما في “إسرائيل” اليوم من يدرك أن مواجهة سوريا لن تكون عسكرية بين دولة وأخرى، ولكن يدركون تماماً أنهم سيكونون، بأحسن تقدير، في مواجهة حلف كامل، إن لم يكن مشروعاً كاملاً يضم أقوياء ايضاً، لن يسمحوا بإجهاضه بهذه البساطة، في ظل عالم بدأ يتشكل في رحم الأزمة الاقتصادية العالمية، وآثارها المدمرة على الكثير من الاقتصادات والقوى الكبرى، قبل الصغرى .


كاتب وصحافي


b_ballan@hotmail .com

طباعــــة

إرســال

أضـف تعليــق

أخبار متعلقـــة

  
 

أضــف تعليـــق

عنوان التعليق
الاسم
البريد
تعليق
 

  تعليـــق

اجدت في رؤيتك النافذة يا سيدي

صديقك ابو اسماعيل

التاريخ : 09-02-10 | الساعـة 05:27 م

تحية استاذ بسام ...حقيقة ان تتبع خيوط و مكنون مقالك ،اخذ يغريني اكثر فاكثر لنهم الاستشفاف و المتابعة حتى ظننت اني فعلا في اطار استكناه المسه شاخصا كواقع متجسد يحكي و ينفذ دون ان يقتصر على تاثير و اقناع الكلمة فقط ،بكل الاحوال ليس بغريب عليك هذا العطاء و النوعية في اجداء و توجيه الكلمة الهادفة لتحط في مضمار الاتنطاق و الاستطناه الصادق المجدي .قلم غني بحبره النافذ و خيال و فكر رجل استزاد من الفكر و الثقافة لينضح من الاعماق و ليجسد صيغة الراي الموجه الصادق .
مزيد من العطاء يا سيدي

 

 بقية المواضيع

 
 

  النشرة الدوريــة

   دليــل المدينة

  حالة الطقس

  مؤسسة تريم عمران للأعمال الثقافية والإنسانية

البريد
 

جائزة تريم عمران للصحافة

•مركز تريم عمران للتدريب والتطوير الإعلامي

جميع الحقوق محفوظة لمؤسسة دار الخليج للصحافة والطباعة والنشر © 2008