الاشتباكات الأخيرة في بيروت بين عناصر من حزب الله وآخرين من جمعية المشاريع الإسلامية، فتحت الباب أمام تأويلات كثيرة . تأويلات كاشفة للفكر السياسي اللبناني الذي يرى امتدادات إقليمية واسعة لأي حدث سياسي أو أمني، بغض النظر عن حجمه ومسبباته الحقيقية، والاشتباكات الأخيرة لا تخرج من هذا النطاق .
الاشتباك في بعض أحياء بيروت كان فردياً وجماعيّاً في آن، ولا سيما أنه اندلع بين طرفين من المفترض أنهما حليفان في “محور واحد”، وإن كانا مختلفين مذهبياً . كان من المفترض أن ما حدث لا يخرج عن إطار الإشكال الفردي، الذي لا يصعب تطويقه، غير أن سرعة سقوط الضحايا أطلق حالة من الغضب جعلت الأمر صعباً، ليستغرق القتال ساعات طويلة قبل أن يتم احتواؤه سياسياً وأمنيّاً .
اشتباك الحلفاء يشير إلى مدى خطورة فوضى السلاح المنتشرة في بيروت، وسهولة استخدام الأعيرة النارية من دون أي رادع قانوني، حتى في غياب الغطاء السياسي، الذي يؤمن للأفراد المشتبكين الحماية من الملاحقة . الإجراءات الحكومية انطلقت لتأطير هذه الفوضى، لكنها من المؤكّد لن تكون ناجعة في ظل حال الاحتقان المستمرة والخوف الدائم من الآخر الشريك في الوطن .
وبغض النظر عن الفوضى الأمنية، هناك فوضى تأويلات سياسية بدأت تخرج إلى العلن لتربط الاشتباك بامتدادات وخلافات إقليمية، وتحميله رسائل سياسية دولية لا ناقة له فيها ولا جمل . من التأويلات على سبيل المثال ما خرج على لسان بعض السياسيين من الاشتباك إشارة إلى خلاف بين إيران (الراعية لحزب الله) وسوريا (الراعية لجمعية المشاريع) . تأويل قد يكون مثيراً للضحك، ولا سيما أن مثل هذا الخلاف، إذا كان موجوداً، فلا يمكن أن يتبلور بهذا الشكل وبين هذين الطرفين بالتحديد، فهناك أطراف أخرى، وخصوصاً في الجهة المحسوبة على سوريا، قادرة على إيصال “الرسالة” المتخيّلة بشكل أكثر وضوحاً .
التأويلات تجنّبت تفاصيل الإشكال، لتغوص في تحليلات تخدم الأغراض السياسية لهذا الطرف أو ذاك . تأويلات مستمدة بشكل أساس من الاختلاف في الرأي القائم بين سوريا وإيران في الملف العراقي، ومحاولة إسقاطه على الوضع في لبنان، رغم الفارق الكبير بين الواقع والظروف وطبيعة الاختلاف حول طريقة حكم العراق .
الاختلاف من المؤكد أنه لا يمكن إسقاطه، والتأويلات كلها لا تصبّ في خانة المناكفات السياسيّة . وإذا كان هناك من تأويل من الممكن استنتاجه حقيقة مما حدث في بيروت، فسيكون حجم الاحتقان المذهبي، الذي لا يوجد في ظله أي مكان للتحالف السياسي .