قبل حوالي شهر من الآن، اعتقل عشرة قساوسة أمريكيين في هايتي، واتهموا باستغلال الفوضى في ذلك البلد بأن حاولوا تهريب 33 طفلاً هايتياً عبر الحدود من دون أخذ إذن رسمي . وثمة مؤشرات على أن القساوسة الأمريكيين كانوا ينوون، إما إدخال الأطفال في عالم المسيحية بالكامل، أو تهريبهم لحلقة من حلقات استغلال الأطفال .
يبدو أن صحافيين في أجهزة الإعلام الغربية، تضايقوا من واقعة اعتقال القساوسة، وها هي كاثرين جين لوبيز محررة مجلة “ناشيونال ريفيو” تبدي استياءها العميق من مأزق أحد القساوسة المحتجزين ويدعى جيم ألين الذي أكدت المحررة (بناء على إدعاءات أسرته فقط) أنه بريء مما نسب له .
ولم تكتف لوبيز بذلك، بل طالبت وزارة الخارجية الأمريكية بالسعي لإطلاق سراح جيم ألين والإلحاح في مساعيها . والأمر الأكثر إدهاشاً من كل ذلك، هو شكواها من ظروف اعتقاله . وقد بلغت بها الجرأة درجة الاستشهاد بتوصيف هيئة حقوق الإنسان “هيومن رايتس ووتش” لأوضاع السجون في هايتي، التي وصفتها الهيئة بأنها “غير إنسانية” .
اشتكت لوبيز، وأبدت انزعاجها البالغ من المضايقات التي يتعرض لها القس ألين في سجون هايتي، فهي تقول إن ألين لم يسمح له بالحديث مع زوجته إلا مرة واحدة خلال الأيام العشرة الأولى من اعتقاله، وحرم من حق الاستشارة القانونية لعدة أيام “بالرغم من أنه يمثل حالياً بفريق من المحامين الأمريكيين في محاكم هايتي” .
هل تعلم لوبيز بالانتهاكات الأخرى التي تدينها هيئة حقوق الإنسان بشدة؟
ثمة لائحة طويلة تشمل غوانتانامو، والحرمان من المحاكمات المدنية، والاعتقال من دون تحديد مدة أو أجل معين، وأساليب التحقيق الأمريكية المهينة، وممارسات تعذيب أخرى كثيرة أسوأ بكثير ولا تقارن بظروف الاعتقال في هايتي التي تشتكي منها لوبيز، والمفارقة التي تثير الحنق هي أن مجلة “ناشيونال ريفيو” تؤيد صراحة الانتهاكات وأساليب التعذيب التي تمارسها السلطات الأمريكية، وفي الحقيقة كان عدد مجلة “ناشيونال ريفيو” الذي احتوى على مناشدة لوبيز من أجل ألين، مليئاً بالهجوم على إدارة أوباما لأنها تخلت قليلاً عن ممارسات التعذيب، ذلك أن مسؤولي إدارة بوش السابقين بيل بورك، ودانا بيرينو كتبوا عدة مقالات وأعمدة تطالب بالعودة لأساليب التحقيق الأمريكية التي سادت في غوانتانامو وأبوغريب . وفي ال “ناشيونال ريفيو” كتب أيضاً مارك ثيسين كاتب خطب بوش (أصبح حالياً كاتب مقالات في صحيفة واشنطن بوست) وفي كتاباته يدافع مارك ثيسين ويروج لكتابه الجديد “الدفاع عن التعذيب!” .
ولوبيز نفسها هللت مراراً وتكراراً لغوانتانامو ولسياسات شبيهة وذات علاقة بممارسات غوانتانامو، وأيدت بشدة دعوة مرشح الرئاسة، وحاكم ولاية ماساشوستس السابق ميت رومني الذي طالب بتجهيز “غوانتانامو جديد”، بمعني أن لا تكتفي أمريكا بغوانتانامو واحد، بل يجب وفقاً لرومني أن يكون لديها “غوانتانامو 2” .
وقالت لوبيز إنها تعارض آراء جون ماكين المناهضة للتعذيب، وقد قادت مجلة “ناشيونال ريفيو” نفسها حملة تشكيك ضخمة للطعن في مصداقية منظمة حقوق الإنسان التي سخرت منها لوبيز ونعتتها ب “نادي غوانتانامو”، وادعت “ناشيونال ريفيو” أن “هيومن رايتس ووتش”، معادية ل “إسرائيل” ومنحازة ضد الولايات المتحدة، وذلك لأن منظمات حقوق الإنسان تجرأت وأشارت لانتهاكات حقوق الإنسان التي ترتكبها هذه الدول .
هذا الانحياز السافر، والكيل الكريه بمكيالين، أصبحت الأوساط السياسية والإعلامية الأمريكية تمارسه جهاراً نهاراً، ومن دون أي ذرة حياء، فالقس ألين بريء براءة تامة لمجرد أنه لم يحاكم حتى الآن، ومن الممكن أن يكون ألين بريئاً، ويمكن كذلك أن يكون مذنباً بجرائم بشعة وهذا ينطبق على المعتقلين في غوانتانامو المحتجزين منذ سنوات من دون تهم أو محاكمة في حين أن القس ألين، وفرت له، سلطات هايتي التي دمرها الزلزال، الحقوق القانونية الأساسية، التي يحرم منها المعتقلون في غوانتانامو، كما أن مجلة “ناشيونال ريفيو”، التي تطالب بإنزال انتهاكات أقسى وأسوأ على المسلمين المتهمين بلا شيء، فإنها هي نفسها تدعو وتطالب بإلحاح بتبرئة متهم مدان بخطف أطفال، وربما تهريبهم أيضاً .
وإذا استخدمنا منطق الأوساط السياسية والإعلامية الأمريكية الشائه والذي أصبح رائجاً وشائعاً، والذي لا يفرق بين الاتهامات غير المؤكدة والإدانة، نستطيع أن نطرح سؤالاً: لماذا تسعى ال “ناشيونال ريفيو” للدفاع عن حقوق خاطفي ومهربي الأطفال؟
ذلك لأن “الناشيونال ريفيو” تعتبر ألين كونه نصرانياً مستحقاً لحقوق الإنسان الأساسية، بعكس المسلمين المحتجزين الذين ظلت “الناشيونال ريفيو” تطالب وتؤيد انتهاك حقوقهم، وبعبارات صارمة وواضحة، كذلك طالب قادة هيئة “ساذرن بابتيست” الإنجيلية، التي يتبع لها ملايين الأمريكيين وتضم أكثر من عشرين ألف كنيسة، طالبوا إدارة أوباما، ببذل جهد أكبر لتأمين الإفراج عن ألين ورفاقه المعتقلين .
ولا بد من الإشارة هنا إلى أن هذه الهيئات والمجالس المسيحية العملاقة مثل ساذرن بابتيست سبق وأن شجبت سياسات التعذيب التي كانت إدارة بوش تعمل بها، إلا أنها كانت تعرب عن شجبها وإدانتها بتلكؤ واضح .
في سبتمبر/ أيلول ،2006 أدانت محكمة إندونيسية ثلاثة إندونيسيين مسيحيين بتدبير وتنفيذ هجوم إرهابي وحشي، خلف 70 مسلماً قتيلاً، وقد حكم عليهم بالإعدام .
وبعد إصدار الحكم، تصدت ميشيل مالكين الإعلامية والمدونة الأمريكية المثيرة للجدل ومعها عدة محرضين ومهيجين من التيار اليميني، تصدوا جميعاً للدفاع عن الإرهابيين المسيحيين . والمعروف أن ميشيل مالكين وهؤلاء اليمينيين كانوا يهللون ويدعمون أي إجراء تقوم به إدارة بوش/ تشيني لحرمان المحتجزين المسلمين من حقوقهم القانونية، وكانوا من مؤيدي معاقبة المسلمين من دون محاكمة . وعندما صدر حكم إعدام المسيحيين الإندونيسيين الإرهابيين، شكك المحرضون في سلامة إجراءات المحكمة الإندونيسية، ولم يكتفوا بذلك، ولكنهم طالبوا بتدخل المحكمة الجنائية الدولية . نفس الناس الذين ظلوا لسنوات عدة يطالبون باعتقال المسلمين مدى الحياة، وتعذيبهم وقتلهم من دون محاكمات أو تهم من أي نوع، أصبحوا فجأة شديدي الحساسية تجاه الحرمان البسيط من الحقوق القانونية، أصبحوا فجأة يحرصون على سلامة جميع الإجراءات القانونية، وكذلك على الأوضاع الإنسانية وللمعتقلين، وحدث كل هذا التحول المذهل عندما تعلق الأمر بمسيحي، أما المسلم فهو يستحق كل أنواع المعاملة القاسية والتعذيب .
وينطلق كل الذين يؤيدون سياسة الكيل بمكيالين وازدواجية المعايير الفاضحة، من منطلقات دينية بحتة وليس من منطلقات أو دوافع وطنية، وكل من يجادل بعكس ذلك عليه أن يراجع موقف “الناشيونال ريفيو” ورفاقها الذين أيدوا بشدة حرمان خوزيه باديلا من حقوقه القانونية بالرغم من أن باديلا مواطن أمريكي اكتسب الجنسية الأمريكية منذ مولده في الولايات المتحدة، ولكن جنسيته الأمريكية لم تشفع له، لأنه مسلم وبسبب ديانته تم تعذيبه لدرجة تجاوزت كل القواعد الإنسانية . والآن تحدث نفس الممارسات بحق مواطن أمريكي الجنسية، ومسلم وهو أنور العولقي، الذي تسعى الولايات المتحدة لاغتياله .
ولا يوجد أسوأ من الذين لا يبالون إطلاقاً بانتهاكات حقوق الإنسان عندما ترتكبها حكومتهم، إلا أولئك الذين يبدون اهتماماً بهذه الأمور فقط عندما تمليها عليهم اعتبارات دينية أو ديموغرافية . وهذه نفس العقلية التي تدفع أجهزة إعلامنا لإطلاق عناوين ومانشيتات ضخمة وزاعقة، عندما تحتجز حكومات أجنبية صحافيين أمريكيين بضعة أسابيع، بينما تتجاهل الميديا الأمريكية بصورة شبه تامة الصحافيين الأجانب المسلمين الذين تعتقلهم الحكومة الأمريكية منذ سنوات من دون أن توجه إليهم أي تهم . فعندما احتجزت السلطات الإيرانية الصحافية الأمريكية روكسانا صابري، ضج الإعلام الأمريكي، وأصبحت الصحف وقنوات التلفزة ومحطات الإذاعة تلوك أخبار قضية روكسانا ليلاً ونهاراً، ونتيجة لذلك غضب ملايين الأمريكيين وتعاطفوا معها، بالرغم من أن السلطات الإيرانية اعتقلتها في ظروف مشبوهة واتهمتها بالتجسس، في الوقت الذي تجاهل فيه الإعلام الأمريكي تماماً، اعتقال عدة صحافيين مسلمين، واحتجازهم بواسطة الحكومة الأمريكية لأعوام، ومنهم مصور وكالة رويترز إبراهيم جسام محمد، الذي أفرج عنه مؤخراً بعد أن احتجزه الجيش الأمريكي في العراق 17 شهراً من دون أن توجه له أي تهم، وقد ظل معتقلاً حتى بعد أن أمرت محكمة عراقية بإطلاق سراحه .
هذه نفس العقلية التي أباحت للولايات المتحدة أن تصدر بلا حياء تقارير تدين التعذيب والاحتجاز غير المحدد بقيد زمني، وأحكام الإعدام، والتنصت غير القانوني، عندما تقوم دول أخرى بهذه الممارسات، وفي تناقض صارخ تدعو الولايات المتحدة لتطبيق القانون على كل من يرتكب أي جرم حرب وتعذيب في دول أخرى، “بينما تحتفي برامجنا التلفزيونية بالأمريكيين الذين يرتكبون مثل هذه الجرائم، وتخصص الصحف الأمريكية مقالات وأعمدة لتمجيدهم وتلميع جرائم الحرب والتعذيب التي يرتكبونها” .
ترجمة: محمد إبراهيم فقيري
- محام أمريكي ناشط في مجال الدفاع عن حقوق الإنسان،
- وله عدة كتب سياسية حققت مبيعات قياسية
- على لائحة “نيويورك تايمز” لأفضل الكتب مبيعاً