النثر المقصود هنا، هو الكتابة بمعناها الحرّ المفتوح، أي النثر بوصفه جنساً أدبياً مستقلاً، وبمعنى آخر، فالنثر الذي نتناوله في هذا العدد هو ليس السرد في الرواية، ولا الكتابة في المسرح، وبالطبع هو ليس قصيدة النثر، ولا كتابة الخاطرة أو الكتابة التأملية، وإنما نحاول هنا “تجميع” معنى اصطلاحي إن أمكن ذلك لهذا الفن الذي لم يعد موجوداً أو أنه انقرض أو هو في طريقه إلى الانقراض النهائي، ونضع وفق رؤية اجتهادية، إن أمكن أيضاً، عبارة النثر بمعنى الكتابة الصافية المستقلة عن أي نثر محدد في جنس أدبي مسبق، وكما قلنا، النثر ليس السرد ولا قصيدة النثر .
قصيدة النثر وبعد ترسّخها في المشهد الشعري العربي، منذ حوالي نصف قرن بالمعنى الفني الذي هي عليه اليوم تختلف كلياً عن النثر الفني أو النثر الأدبي بوصفه كتابة حرّة مفتوحة، إذ إن قصيدة النثر تصب في النهاية في نهر الشعر: الشعر إن كان موزوناً أو مقفّى أو متحرراً من الوزن والقافية، أما النثر الصافي أو نثر الكتابة أو كتابة النثر فهي نهر آخر ينبع من ذاته ويصب في ذاته، إنه شكل أدبي متحرر من ضوابط الشعر ومتحرر أيضاً من قواعد السرد، وفي ضوء ذلك لا يوجد ناثرون عرب اليوم، وإن وُجدوا فهم أقل من أصابع اليد الواحدة، فإنك لا تنتهي من تلك العناوين الموقّعة في رفّ مكتبة عربية، بأسماء شعراء وروائيين، ولكنك من النادر جداً أن تعثر على عنوان واحد موقّع باسم ناثر .
قبل أن نتساءل . . لماذا اختفى النثر؟، أو إذا كنّا متفائلين نوعاً ما نتساءل . . لماذا تراجع فن النثر؟ أو إذا كنّا متشائمين نتساءل . . لماذا انقرض النثر؟ . . قبل كل ذلك، دعنا نذهب إلى تعريف النثر في حدّ ذاته، ومن حيث التعريف المعجمي اللغوي، إذ يشير المعجم إلى النثر لغة بمعنى “الرمي” أو “البعثرة”، فأنت ترمي حفنة من القمح أو الشعير على وجه الأرض، فتتبعثر وتتفرّق .
في ضوء ذلك، أقول مثلاً، نثرتُ الأرز في الهواء فتساقط على ضفائر النساء، وهي بلا شك صورة شعرية، أي إن النثر في بنائه العام ينطوي على شعر، ولكن ينأى الناثر عن الوقوع في شرك الشاعر وإغواءاته الغنائية الجمالية، فيظل، أي الناثر، دائماً، مقيماً في الضواحي البعيدة عن ينابيع الشعر وجداوله التي تستقطب الكتابة دائماً إلى شكل من الغنائية المسترسلة، وهي صفة من صفات الشعر .
النثر، إذاً، هو “البعثرة”، ولكن في الكتابة، هي بعثرة محكومة إلى قوانين الكتابة الجمالية ذاتها، وإذا أردنا الاقتراب أكثر من هذا المعنى وهنا اجتهاد شخصي أيضاً فإن مفهوم “الكتابة” هو الأقرب إلى توصيف “النثر” .
عندما تكتب بلا “قيود” الشعر وخارج متطلبات السرد، فأنت تنثر .
إنك، مرة أخرى تنثر الأرز، أو كمن ينثر حفنة من القمح والشعير، أو كمن ينثر التراب، أو كمن ينثر الرماد .
والكاتب ينثر الكلمات .
السياق العام لمثل هذا النثر هو سياق مفتوح، ولا أدري لماذا تستهوي الكاتب الناثر في هذه الحال أن يشبّه نفسه بالفلاح الذي ينثر القمح في حقله المفتوح؟
ثم أليست الكتابة في وجه من أوجهها هي نوع من الفلاحة؟
أليست الكتابة، في إحدى مقارباتها مع ظواهر الحياة الحرّة والجميلة هي “الحراثة”؟
المحراث، في حالة الفلاح الذي ينثر القمح هو أداة الفلاحة، و”القلم” في حالة الكاتب الناثر هو أداة “الكتابة الحراثة” .
صورة القمح أو الأرز أو الذرة على وجه الأرض بعد نثر الفلاح، تشبه صورة الكلمات المنثورة على وجه الورق بعدما ينجز الكاتب “نصّه النثري”، ويتأكد تماماً أنه لا ينتمي إلى فصيل الشعراء، كما لا ينتمي إلى فصيل الروائيين الساردين، وإنما ينتمي إلى نفسه فقط، وإلى فضائه الحيوي المفتوح في هذه الكتابة المفتوحة التي تحاذر دائماً من جاذبية الشعر وجاذبية السرد .
هذه مقاربات اجتهادية مركزها كلمة “نثر” في مجال الكتابة ذاتها، وفي هذه الحال، فإن الكاتب الناثر أكثر حرية من السارد ومن الشاعر .
وفي بدايات النثر العربي الفني، كان النثر محكوماً إلى السجع والبديع والزخرفة اللغوية، كما هو الحال في فن التوقيعات والمقامات وسجع الكهّان، لكن تلك المرحلة من مراحل النثر كانت مأخوذة بسلطة النصّ الشعري، فالسجع أقرب في إيقاعه إلى القافية على سبيل المثال، ولذلك، لا نسمي ذلك النثر القديم نثراً بالمعنى الذي نبحث عنه اليوم، أي النثر الخالص المتحرر كلياً من أي التزامات أو إلزامات شكلية، وإنما النثر المقصود هنا، هو “النصّ” الثالث خارج السرد وخارج الشعر .
لقد تألق جبران خليل جبران في فضائه النثري، وشكّل وحده “نصّاً” نثرياً آسراً له طبعته الخاصة ومذاقه الخاص، كما تألق أيضاً أبو حيان التوحيدي في فضاء آخر من الكتابة تأخذ بالقلب والعقل معاً، كما شهد تاريخ الكتابة العربية أسماء راسخة في هذا النوع الأدبي . . الجاحظ، ابن المقفع، عبدالحميد الكاتب، المنفلوطي، ناصيف اليازجي، وآخرون، لكن لم يتطور النثر بوصفه “كتابة” أو “بوصفه نصاً ثالثاً”، إن جازت العبارة كي تتوقف عربة هذا النوع من الكتابة الرفيعة حقاً، وذات “الطعم” الذي كما لو أنه يستعير قليلاً من الملح، وقليلاً من السكر، وقليلاً من الماء، وقليلاً من التراب، كي يؤلف في النهاية عنصره الإبداعي الخاص .
ولكن، أين النثر؟
يمكن إرجاع انطفاء نار النثر إلى أسباب كثيرة، وقد يكون بينها الشعر والرواية .
لقد شهد القرن العشرون في الوطن العربي ظهور عدد كبير من الشعراء والشاعرات . . البعض يكتب العمودي والبعض يكتب التفعيلة والبعض يكتب قصيدة النثر .
نشبت معارك كبيرة بين مؤيدي الحداثة ومؤيدي الكلاسيكية الشعرية العربية، وأخذت هذه المعارك وقتاً طويلاً، ذهب الشعراء خلاله إلى الجدل والسجال، والانكباب أكثر على كتابة الشعر (بأشكاله الثلاثة) كي يثبت كل طرف من أطراف الصراع صلاحية وبقاء وقوة ذلك النوع الشعري الذي يدافع عنه، ومن الطبيعي، في هذه الحال أن “يذوب” النثر، ويتلاشى في غبار معارك الشعر .
السبب الثاني الذي من الممكن أنه كان عاملاً في تلاشي فن النثر كجنس أدبي مستقل هو إقبال الكثير من الكتّاب العرب على فن الرواية التي تلوّنت في السنوات الخمسين الماضية بأكثر من منهج ومدرسة فنية بدءاً من الواقعية، وحتى ما بعد “الواقعية” .
السبب الثالث، قد يبدو غريباً بعض الشيء، فقد تكون الأوضاع السياسية والاقتصادية والاجتماعية، وتغيّر مزاج البشر، وتغير صور حياته من زيّ إلى عمران إلى حداثة إلى ما بعد الحداثة، ثم التباسات الحروب وانهيارات المشاريع السياسية الكبرى، قد يكون كل ذلك سبباً مجتمعاً في تراجع النثر وتلاشيه، كما تراجعت وتلاشت أشياء أخرى كثيرة في هذا الزمن العربي المكسور .
هل يأتي يوم ينهض فيه الناثر العربي من موته، مثل طائر العنقاء الأسطوري؟ لا غرابة في ذلك، فالكتابة هي أيضاً وجه من وجوه الأسطورة .