لا يمكن النظر إلى الاستفتاء الأخير في سويسرا على حظر المآذن على أنه مجرد توجه يميني في بلد أوروبي اشتهر بتعدديته الثقافية، لا سيما أن ردود الفعل التي تلت النتائج تشير إلى مخاوف من انتشار ما بات يسمى “الإسلاموفوبيا” في أوروبا .
من هذا المنطلق يمكن قراءة التنديدات الأوروبية والغربية لقرار السويسريين بحظر النتائج . تنديد نابع من الخوف الأوروبي من توسع هذه الظاهرة وتأثيرها بشكل واسع على الحياة الاجتماعية في هذه البلاد، التي تضم عدداً كبيراً من المسلمين، سواء المهاجرين القدماء أو الجدد، أو المتحولين إلى الإسلام من أهل البلاد الأصليين .
بوادر توسّع هذه الظاهرة بدأت في الظهور رويداً رويداً، فرغم الإجماع الرسمي في أوروبا على رفض القرار الشعبي السويسري، إلا أن الأصوات اليمينية في بعض الدول بدأت بالحث على السير على خطى سويسرا . أول هذه الأصوات اليمينية خرج من هولندا، حيث أعلن زعيم حزب الحرية اليميني غيرت فيلدرز أنه سيطالب الحكومة بإجراء استفتاء على حظر بناء مآذن للمساجد، ودعا إلى حظر القرآن الكريم أيضاً . واعتبر أن أوروبا تواجه خطر ما أسماه “الأسلمة”، ووصف الثقافة الإسلامية بأنها “متخلفة” .
قد لا يطول الوقت قبل أن تصدر المزيد من هذه الدعوات في باقي الدول الأوروبية التي تعيش فورة يمينية على حساب تراجع وتقوقع اليسار . فورة يمينية كانت لها مؤشراتها المعادية للإسلام، ابتداء من تصوير النقاب على أنه خطر في فرنسا، وصولاً إلى قتل المصرية مروة الشربيني في ألمانيا . مؤشرات كانت محصورة بإجراءات محلية أو فردية، لكن ما حصل في سويسرا ينبئ بتشريع مثل هذه الإجراءات وتعميمها على الصعيد الوطني .
مثل هذا التطور يبدو ماثلاً في أذهان المسؤولين الأوروبيين، الذين استقبلوا نتائج الاستفتاء بالإعراب عن “الصدمة” . صدمة قد لا تكون نابعة من مجرد النتائج، لكن من تأثيراتها وتداعياتها على باقي الدول الأوروبية، التي قد تشهد تصاعداً في موجة معاداة المسلمين، التي قال عنها أحد الباحثين السويسريين إنها باتت “تتفوق على معاداة السامية” .
“الإسلاموفوبيا” هو الظاهرة اليوم، مصطلح سيتوسع استخدامه يوماً بعد يوم، ليحتل الحيّز الأول في الاهتمام الأوروبي، في حال لم يتم تداركه بإجراءات تثقيفية وترويجية لفكرة “العيش المشترك” بين الأديان، الذي امتازت به أوروبا خلال السنوات الماضية . إجراءات يجب أن تكون سريعة قبل أن يصبح التطرف وحده سيد الموقف .
hussamkanafani@hotmail .com