رأي ودراسات

البحـــث

    
هذه الدعوة لبدء “المفاوضات المباشرة” آخر تحديث:الجمعة ,27/08/2010

عوني فرسخ

دعت الخارجية الأمريكية والرباعية الدولية، في بيانين متمايزين، لبدء “المفاوضات المباشرة بين “إسرائيل” والسلطة الفلسطينية في الثاني من سبتمبر/أيلول المقبل في واشنطن، كما وجهت الدعوة للرئيس حسني مبارك والملك عبدالله الثاني كي يشهدا بدء “المفاوضات” . فيما أعلن جورج ميتشل، المبعوث الأمريكي للمنطقة، أنه لن يكون لحركة “حماس” دور في المباحثات، وأنه يجري مناقشة توقيت ومكان الاجتماعات المقبلة . وأول ما يتبادر إلى الذهن الظرف الاقليمي والتوقيت الذي صدرت فيه الدعوة . ولما كانت الإدارة الأمريكية صاحبة القول الفصل في قرار الرباعية الدولية فالمرجح أن إدارة أوباما وجدت في دعمها الكيان الصهيوني في مواجهة تداعيات مأزقه الوجودي وافتقاده قوة ردعه وتعاظم عزلته الدولية، فرصتها في تحسين مركزها الانتخابي وهي على عتبة انتخابات الكونجرس النصفية في نوفمبر/تشرين الثاني المقبل . وذلك باستغلال واقع النظام الرسمي العربي وقوة تأثيرها في صناع قرار غالبية أنظمته، وبخاصة السلطة الفلسطينية .


ومع أن بياني الدعوة صدرا في يوم واحد، واتفقا في تحديدهما موعد ومكان البدء بمباحثات الطرفين “الإسرائيلي” والسلطوي الفلسطيني، والقول إن الغاية المستهدفة حل قضايا الوضع النهائي خلال عام واحد، إلا أنهما تمايزا بشكل جلي في ما نصا عليه . إذ لم يجاوز البيان الأمريكي ذكر موعد ومكان بدء “المفاوضات”، بينما تضمن بيان الرباعية القول: “إن المفاوضات المباشرة والثنائية حول قضايا الوضع النهائي يجب أن تؤدي إلى اتفاق متفاوض عليه بين الأطراف يضع حداً للاحتلال الذي بدأ عام ،1967 وتسفر عن قيام دولة فلسطينية مستقلة وديمقراطية وقابلة للحياة” . كما تضمن القول: “والبحث في سلام إقليمي عادل ودائم وكامل كما جاء في أطر مدريد وقرارات مجلس الأمن ومبادرة السلام العربية” . وكان لهذا التمايز انعكاسه على موقفي حكومة نتنياهو وسلطة محمود عباس تجاه البيانين، إذ رحبت كل منهما بالبيان الذي بدا أكثر ملاءمة لها .


فبموجب بيان صادر عن مكتب نتنياهو رحب بالدعوة الأمريكية، وأبدى سعادته بأنها، حسب التوضيح الأمريكي، دعت للبدء في “المفاوضات المباشرة” من دون شروط مسبقة . كما حدد رغبة “إسرائيل” في التوصل إلى “سلام” يحمي ما أسماه “مصالح الأمن القومي “الإسرائيلي” وعلى رأسها الأمن” . وفي تصريح لشبكة “سي إن إن” قال الناطق بلسان نتنياهو: “إن أول شيء تريده “إسرائيل” هو أن تعرف أنها ستكون مقبولة كجزء شرعي في المنطقة” . وبهذا تكون حكومة نتنياهو قد حددت شروطها المسبقة بحصر موضوع “المفاوضات المباشرة” في توفير ضمانات “أمن” الكيان العنصري، والاعتراف العربي بمشروعية وجوده كدولة يهودية على التراب العربي في فلسطين المحتلة من النهر إلى البحر والمفرغة من غالبية مواطنيها العرب .


وبالمقابل رحب أركان السلطة الفلسطينية ببيان الرباعية، وعبروا عن اعتقادهم بأن من الممكن التوصل إلى اتفاق “سلام” خلال أقل من عام . فيما نسب إلى د . صائب عريقات قوله إنه يرى أن بيان الرباعية يحتوي على العناصر اللازمة للتوصل إلى اتفاق “سلام” . ونلاحظ أن كبير مفاوضي السلطة لم يأخذ في حسبانه الحقائق الاستيطانية الصهيونية على الأرض العربية المحتلة، وافتقار بيان الرباعية لذكر آلية تنفيذ مبدأ “الأرض مقابل السلام”، الذي عقد مؤتمر مدريد على أساس الالتزام به، وتنفيذ قرارات مجلس الأمن بالانسحاب لحدود الرابع من يونيو/حزيران ،1967 وعدم مشروعية ضم القدس الشرقية وتغيير معالمها العربية، والمساس بمقدساتها الإسلامية والمسيحية، وعدم مشروعية الاستعمار الاستيطاني في عموم الضفة والقطاع المحتلين . كما لم يأخذ كبير المفاوضين في الحسبان أن مبادرة القمة العربية لما تزل مطروحة على الطاولة منذ ثماني سنوات . بل تجاهل أن بيان الرباعية الذي أشاد به لم يأت على ذكر قرار المحكمة الدولية بعدم مشروعية جدار الفصل العنصري، كما أنه رهن الانسحاب من الأراضي العربية المحتلة لنتائج التفاوض بين الأطراف في مخالفة صريحة لقراري مجلس الأمن 242 و338 . ما يعني أن أركان السلطة وكبير مفاوضيها ألقوا بأمانيهم الرغائبية على بيان قاصر لا يملك آلية تنفيذ ما نص عليه . فضلاً عن أن قول بعضهم بإمكانية التوصل لاتفاق خلال أقل من عام يدل على الاستسلام لإملاءات أوباما والاستعداد المسبق لقبول شروط نتنياهو .


ولما كانت حماس، وبالتالي قطاع غزة، مستبعدين من المباحثات كما أعلن ميتشل، فإن “المفاوضات” موضوع الدعوة سوف تكون قاصرة على ممثلي السلطة في الضفة المحتلة، التي لا يجاوز مواطنوها 12% من الشعب العربي الفلسطيني . ولو افترضنا جدلاً أن السلطة تمثلهم جميعاً خلافاً للواقع الميداني، فإنها في أحسن الحالات إنما تمثل قطاعاً محدوداً للغاية من شعب فلسطين، ولا تعتبر بحال من الأحوال ممثلة للشعب العربي الفلسطيني في وطنه المحتل والشتات العربي والدولي . ما يطعن في الصميم كل ادعاء بأن شعب فلسطين مشارك في “المفاوضات المباشرة” التي دعت لها الخارجية الأمريكية والرباعية الدولية . وبالتالي فما سوف تتمخض عنه من اتفاقات مطعون بشرعيتها، ولن تلقى قبولاً شعبياً على الصعيدين الوطني الفلسطيني والقومي العربي، وفي حكم المؤكد أنها لن تؤدي إلى تصفية القضية وحسم


الصراع، الذي سوف تتكفل العنصرية الصهيونية بمده بالتحديات المستفزة لاستجابات وطنية وقومية متجددة وأكثر جذرية .

طباعــــة

إرســال

أضـف تعليــق

أضــف تعليـــق

عنوان التعليق
الاسم
البريد
تعليق
 

  تعليـــق

  آخر مقالات للكاتب

03/02/2012
فارس عربي ترجل

27/01/2012
التيار القومي العربي، الواقع والتحديات

21/01/2012
رؤية بريجنسكي للمستقبل العربي

13/01/2012
التحدي الأكبر للإسلاميين في الحكم

06/01/2012
عام الإنجازات التاريخية

 
 

  النشرة الدوريــة

   دليــل المدينة

  حالة الطقس

  مؤسسة تريم عمران للأعمال الثقافية والإنسانية

البريد
 

جائزة تريم عمران للصحافة

•مركز تريم عمران للتدريب والتطوير الإعلامي

جميع الحقوق محفوظة لمؤسسة دار الخليج للصحافة والطباعة والنشر © 2008