تنفست الأوساط العاملة في البناء والتشييد المحلي الصعداء مع تنامي حركة السيولة في القطاع بعد وفاء “نخيل” بوعودها والتزاماتها بسداد 40% (4 مليارات درهم) من إجمالي مطالبات الدائنين التجاريين من مقاولين وموردين والبالغ عددهم 1000 شركة، ما دفع أصحابها إلى التفاؤل ولكن الحذر بمستقبل المقاولات على المدى القصير .
وجاءت هذه الأموال لتكون بمثابة رياح الصيف الباردة على العاملين في المقاولات في موسم الإجازات بعد أكثر من عام ونصف العام من الترقب والتخوف عاشها القطاع منذ التأثر بتداعيات الأزمة المالية العالمية، حيث عززت معنى الثقة من جديد في شتى أعمال الإنشاءات الرئيسة والمساندة مع دخولها دورتها الاقتصادية بدءا من حسابات الشركات التي دعمت قدرتها على سداد الالتزامات المترتبة عليهم من مقاولي الباطن إلى دفع رواتب الموظفين المتراكمة لدى البعض .
كانت الأوساط العاملة في العمل الإنشائي قد بادرت بالترحيب منذ إعلان “نخيل” البدء بسداد المطالبات النقدية، مؤكدين أن من شأنه أن يعيد الثقة إلى القطاع، ويصب في توفر السيولة لمصلحة المنظومة الاقتصادية بأكملها . في الوقت الذي عبرت عن تفاؤلها بقرب حسم ملف ديون الدائنين التجاريين بأكمله بعد التوضيحات التي أعلنتها الشركة المدينة بما يتعلق بسداد القيمة المتبقية والتي تمثل 60% من المطالبات على شكل صكوك قابلة للتداول بعائد سنوي يصل إلى 10% يتم سدادها لحملة الشهادات على أساس نصف سنوي . والمرتبطة بالمفاوضات التي وصلت إلى مراحل متقدمة مع 30 بنكاً من المتوقع أن تحسم قريباً .
وأكد الدكتور أحمد سيف بالحصا رئيس جمعية المقاولين أن هذه المبالغ ستخلق حركة في السيولة المالية تساعد على إعادة الروح للقطاعات المالية والاقتصادية، وستسهم في دفع الشركات الأخرى المترددة للتوقيع على اتفاقيات التسوية، الأمر الذي سيحسم سريعاً الجزء المتعلق بسداد نسبة 60% من المطالبات على شكل صكوك بعائد سنوي 10% .
من جانبه اعتبر رياض كمال، الرئيس التنفيذي ل”أرابتك”، أن سداد 40% نقدا للدائنين التجاريين جاء بمثابة دفعة قوية للمنظومة الاقتصادية عامة وقطاع الإنشاءات خاصة في ظل حاجة السوق لهذه السيولة لعودة عجلة الدوران من جديد وتذلل المصاعب التي واجهها العاملون في القطاع خلال الفترة المنصرمة الذي هو جزء من خطة الحكومة الرشيدة لتنشيط قطاعات الأعمال الاقتصادية التي تعطي السوق ردة فعل قوية وانعكاساً إيجابياً على كافة الصعد، مؤكداً أن عودة الأعمال الإنشائية إلى مواقع المشاريع من جديد بات مرتبطاً بعامل الوقت فقط .
وقال جمال موحد، نائب المدير العام في شركة “اتحاد الهندسة الإنشائية” (يونك): “إن الانتهاء من سداد الجزء المرتبط بالمطالبات النقدية من خطة إعادة الرسملة يمثل قاعدة أساسية للانتقال إلى الجزء الثاني من الخطة والمتعلق بسداد 60% من قيمة المطالبات على شكل صكوك قابلة للتداول وبفائدة سنوية تبلغ 10% تدفع بشكل نصف سنوي، ليبقى لنا أن تعلن “نخيل” خطتها لاستكمال الأعمال الإنشائية في المشاريع المعلقة في الوقت الراهن، لتعود الأمور إلى سابق عهدها المفعم بالنشاط والتفاؤل .
وعاشت المقاولات خلال الفترة المنصرمة منذ بداية ،2009 العام الأصعب، جملة من التحديات منذ بداية الأزمة المالية العالمية، من أبرزها تعليق العمل في المشاريع الحالية وشح الجديد منها وتأخير الدفعات المستحقة . في الوقت الذي اتفقت مصادر المقاولين على أن الأزمة أفرزت عدة نتائج إيجابية على مستوى عملياتها الداخلية وعلى مستوى خدمة المستثمرين الراغبين في تنفيذ مشاريع . لكنهم لم ينفوا في الوقت نفسه أنهم يواجهون بعض التحديات .
وشهد العام 2009 والفترة المنصرمة من العام 2010 تغيراً دراماتيكياً في سيناريو عمل المقاولات، حيث انقلبت الموازين من تسارع وتيرة العمل وتضخم الأسعار وشح مواد البناء ما قبل الأزمة، لتتحول إلى شح المشاريع الجديدة وتعليق التي قطعت شوطاً من حيث عمليات الإنجاز وتأجيل تنفيذ البعض منها إلى أجل غير مسمى أو ما يمكن تفسيره بأنها خرجت من دائرة التطوير إلى غير رجعة، إضافة إلى تراجع أسعار التكلفة المرتبطة بالأيدي العاملة ومواد البناء التي وصلت إلى مستويات تفوق حاجة السوق المحلي .
ويتوقع العاملون في قطاع المقاولات أن تشهد الفترة المقبلة انتعاشاً نسبياً مقارنة بالعام 2009 خاصة مع اتساع دائرة الوعي وفهم الظروف المحيطة وتلاشي التخوف في ظل العوامل التي تؤكد قوة ومتانة اقتصاد الإمارات وقدرته على تجاوز أصعب التحديات في ظل الدعم الذي تقدمه الحكومة الرشيدة .
ثالوث العقبات
ولم يلق مقترح التحالفات والاندماجات ترحيباً عملياً من الأطراف العاملة في سوق الإنشاءات خاصة الصغيرة والمتوسطة منها، والتي واجهت عقبة انعدام الثقة واختلاف السياسات الإدارية والفنية، إلا أن خطط إعادة الهيكلة كانت الأوفر حظاً لدى رؤساء الشركات والتي تمثلت بخفض الكلف التشغيلية من حيث تقليل الأيدي العاملة وإغلاق بعض خطوط التشغيل وغيرها وإعادة دراسة المشاريع بتأنٍ ودقة طبقاً للمستجدات الجديدة التي يفرضها واقع القطاع من حيث إعادة التسعير والجدول الزمني للتنفيذ، إضافة إلى آلية دراسة النظر بالمناقصات الجديدة، مع الأخذ بعين الاعتبار الجهة المطورة وملاءتها المالية ومستوى الثقة فيها في السوق والذي يرتبط بمدى الالتزام بتنفيذ المشاريع واستكمالها وجدول سداد الدفعات المترتبة .
وحث خبراء القطاع الشركات على وقف ضخ طاقات بشرية جديدة، إضافة إلى تقوية الكوادر البشرية الموجودة لديها، والتحرك نحو تحسين القدرات الفنية للاستحواذ على مشاريع نوعية بعيداً عن مشاريع التطوير العقاري والتي منها على سبيل المثال الدخول إلى تنفيذ مشاريع سياحية أو صناعية أو مرافق خدمية وغيرها من المشاريع .
وتركزت جهود شركات المقاولات في جزء كبير منها خلال الفترة الماضية على تحصيل مستحقاتها بجانب جهودها في الاستحواذ على مشاريع جديدة حتى ولو بهامش ربح منخفض للوفاء بالتزاماتها .
وقال بعض المقاولين إن العديد من أطراف العملية التطويرية استغلت أو حاولت استغلال الأزمة المالية العالمية بالضغط عليهم إما لمحاولة تخفيض أسعار التنفيذ أو لتأخير الدفعات، ووصلت عمليات الاستغلال إلى التهديد بإيقاف المشروع .
وحصر المراقبون العقبات التي تواجه القطاع على المستوى الخليجي في ثالوث يتمثل في التمويل والقوانين المنظمة للقطاع، إضافة إلى أوضاع العمالة، مشيرين إلى ضرورة العمل على تطبيق معايير دولية أثبتت فعاليتها في تنظيم الأعمال في القطاع منها على سبيل المثال، قرار عقد “الفيدك” بشكل رسمي في دول الخليج عامة .
وتتباين توقعات الشركات المحلية تجاه رؤيتها لتعافي قطاع المقاولات على مستوى المشاريع وعلى مستوى تسديد أو نظام الدفعات وينقسم البعض بين متفائل ومتشائم كل حسب أوضاع أعماله من حيث حجم المشاريع أو قلتها من ناحية، ومن ناحية أخرى درجة التعثر المالي .
ويشير البعض إلى أن القطاع قد وصل إلى نقطة المقاومة ليبدأ بالارتداد باتجاه استعادة النشاط على عدة صعد بناء على رؤيتهم لعودة المشاريع للانطلاق من جديد، داعمين وجهة نظرهم بزيادة الطلب على أعمالهم وكذلك بقاء الجهات الحكومية على نفس معدلات طرح مشاريعها خاصة مشاريع البنية التحتية، إضافة إلى أهمية خروج المتطفلين من القطاع .
ويرى البعض الآخر أن الفترة المقبلة ستشهد مزيداً من التراجع في نسبة المشاريع المطروحة للتطوير بسبب ضعف الثقة والجدوى الاستثمارية من طرح المشاريع خاصة الإسكانية التجارية .