أنطوان كرباج يعد واحدة من علامات التمثيل الفارقة على الشاشتين والخشبة، وصوت عرفته الأعمال الرحبانية منذ 1968 ليتحول إلى رديف لصوتي الكبيرين فيروز والراحل نصري شمس الدين، ولكنه كممثل قادر على تجديد الشخصيات التي يجسدها، وغرسها في الأذهان. كرباج، الممثل والنقيب، وإحدى علامات الزمن الجميل من عمر المسرح اللبناني يشعر في قرارة نفسه بأنه لم يقدم في النصف قرن المنقضي من عمره المهني أي دور يندم عليه، ويقول في مستهل حوار معه: تحملت الكثير وواجهت أحياناً ظروفاً صعبة، لكنني لم أحن رأسي مرة لأقدم ما لا يقنعني وهذه إحدى ميزات حياتي الفنية.
ألم تيأس يوما رغم كل ما مر بلبنان من تقاطعات خطيرة؟
لم أدع اليأس يتسرب إلى نفسي، كنت أصبر دائماً ثم أفوز بما يرضيني.
بدأت مع منير أبو دبس، ثم انتقلت إلى مدرسة العامية في المسرح ما السبب؟
عندما انطلقنا مع الموجة الجديدة في المسرح اللبناني أوائل الستينات من القرن الماضي كان هاجسنا بكل بساطة أن نقدم مسرحاً مغايراً يعكس صورة بيروت ملتقى الحضارات، فقدمنا عدداً من النصوص المترجمة بالفصحى. وشعرنا سريعاً كأننا في وادٍ والناس في آخر، وعرضنا على ابو دبس أن نقدم مسرحيات بالعامية فكانت وجهة نظره استحالة ذلك، فكان هذا سبباً في تركه والذهاب إلى ميدان آخر نقدم فيه أعمالاً باللهجة اللبنانية.
هل كان ذلك أشبه بانقلاب؟
تستطيع أن تصفه كذلك.
ولم يمض وقت طويل حتى طلب الفنان الكبير عاصي الرحباني أن يتعرف إليك بعدما شاهدك في مسرحية “الملك يموت”، ماذا قال لك؟
دعاني إلى منزله القديم في انطلياس، وهناك تحدثنا عن الفن، والمسرح، وكانت لنا وجهات نظر متعددة ومختلفة، لكن في السياق العام كنا متفقين تماماً.
ثم شاركت في معظم أعمالهما.
كانت مسيرة طويلة ومحترمة معهما.
كم يعنيك القول إن صوتك كان ثالث الأصوات التي ميزت العمل الرحباني؟
لا أتدخل عادة فيما كتب وقيل عني، هذا كلام كبير ومهم، لا أملك التعليق عليه إلاّ شاكراً على المحبة والتقدير.
ما الذي تعلمته من الرحابنة؟
كانا رحمهما الله مدرسة في كل شيء، سواء في مجال الفن أو الحياة الشخصية. لذا تجد أن من استمر معهما بات يشبه مسرحهما وحياتهما.
لو عاد بك الزمن، هل كنت لتبدل شيئاً في صورة مشاريعك؟
أبداً، قدري كان رائعاً، كنت مع فنانين كبيرين علما الكثير ومازالا، فكيف أُغير قدري وهو ممتاز.
عرفنا أنك كنت تتحاور زجلياً مع عاصي؟
الله يرحمه كان دمه خفيفاً جداً، وكان صاحب بديهة مدهشة وفي بعض السهرات التي تجمعنا هنا أو في الخارج كنا نتحاور بمحبة زجلياً، وكان الزملاء يصغون باهتمام بالغ إلى ما نقوله.
تعمل مع الجيل الثاني من الرحابنة: مروان، غدي، وأُسامة. كم تجد فيهم من الأستاذين الكبيرين الراحلين الحاضرين؟
أجد فيهم الكثير منهما، مع إضافة لمستهم الخاصة على الأعمال، في وقت عليك ألا تنسى أنهم تربوا معهما، ثم عايشوهما ثم عملوا معهما فعرفوا كل شيء، وهذه ضمانة مطلقة لاستمرارية هذه المدرسة على الدوام.
“عودة الفينيق” كيف تقوّمها حين مقارنتها بما سبق من أعمال؟
أهمية الرحابنة أن روح الأعمال واحدة، لكنك تجد في كل مسرحية جديداً يميزها عن ضمن المظلة الرحبانية الأولى.
كنت ممثلاً كبيراً هنا، لكن كم يعطيك كممثل المسرح الغنائي الذي يعتمد أكثر على الغناء؟
لم أغن، ومع ذلك نجحت وكان لي أثر مع مسرح الأخوين رحباني، هذا دليل على أنك عندما توضع في مكانك المناسب فلن يهزمك أحد، وستكون ناجحاً.
أسلوبك بالأداء المسرحي كم للرحبانيين دور فيه؟
ما تعاونت مع أحد في المسرح إلا وأخذت منه، لكن الأخوين رحباني أخذا مني أفضل ما عندي، وأعطياني أقصى ما عندهما، هما رائعان وكبيران رحمهما الله.
وماذا عن الإخراج؟
عندي ثلاث مسرحيات، آخرها أخرجت ومثلت مع جهاد الأندري، وهذا الشاب من الموهوبين، وأحب من وقت لآخر أن تكون لي محطات من هذا النوع، فالممثل يحب دائماً أن يقول إنه موجود وعنده وجهة نظر يريد التعبير عنها.
كيف تتحدث عن حضورك التلفزيوني، والجمهور يتذكرك في “بربر آغا”؟
كان هذا العمل نقلة نوعية جداً لي من الخشبة إلى التلفزيون، أغنية خاصة، نص جميل، دور مركب قوي، كل ما فيه كان رائعاً، لذا جاء نجاحه في محله والناس جيلاً بعد جيل لا ينسونه، وهذا ما يجعل الفنان يعيش أكثر في ذاكرة الجمهور.
لماذا لم نعد نسمع أو نرى أعمالاً ضخمة؟
لكل حقبة من الزمن صورتها وقيمتها وما يناسبها، وعندما يحين الوقت تجد الإبداع، لأن النجاح يحتاج إلى عناصر عدة عندما تتضافر تكون النتيجة المهمة.
هل تجد سبباً لإسناد أدوار (الشرير) لك؟
هذا يسعدني كثيراً، فهذا النموذج يعطيني فرصة لأعبر عما أستطيعه فنياً، فأنت تدرك أنني أحب الشخصية الثرية في التمثيل. الدور العادي لا يعنيني كثيراً ولا أقبله مادام لا يحرك ولا يضيف.
“سيلينا” هو آخر وأحدث فيلم لك، ماذا عنه؟
كان التصوير متعة حقيقية، نادر أتاسي رعى انتاج فيلم عن مسرحية “هالة والملك” للأخوين رحباني، والنص وضعه المرحوم منصور الرحباني ونجله غدي، وتولى إخراجه حاتم علي.
الفريق أمام الكاميرا كبير جداً؟
نعم، دريد لحام، إيلي شويري، وميريام فارس، وجورج خباز. فريق كبير.
كم تجد نفسك في السينما؟
هذا فن أُحبه، لكننا ابتعدنا عنه كفنانين لأن الصناعة لم تكن موجودة عندنا، فتجاوزناها.
لكنك إبان حرب لبنان الأهلية ظهرت في أفلام عدة، مع زيناردي حبيس وسمير الغضيني؟
لم يكن ممكناً أن أقول لا لمخرج لبناني يحاول تقديم فيلم إبان الحرب لذلك شاركت في محاولة لتقديم سينما لبنانية، طبعاً كانت مساهمة وكانت الميزانيات للإنتاج متواضعة.
هل أنت نادم؟
أبداً، وأرى أنه علينا أن نتوجه بكل طاقتنا إلى السينما فهذا فن له ثقله عالمياً، وهو قادر على حمل قضايانا وصورتنا الحقيقية إلى العالم.
لماذا تبدو متفائلاً بذلك؟
ما قدم في الأعوام القليلة الماضية كان مشّرفاً، لذلك إذا ما استمررنا هكذا فستكون لنا صناعة.
أنت نقيب ممثلي السينما والتلفزيون والمسرح والإذاعة في لبنان، وهناك نقابة ولدت قبل سنوات للفنانين المحترفين انشقت عن النقابة الأم، لماذا لا تتوحد النقابتان؟
كلنا نعمل من أجل إعادة اللحمة إلى الفنانين وأن تعود نقابة واحدة تجمع الكل.
هل من إجراءات ميدانية؟
نعمل حالياً على القواسم والقناعات المشتركة لخير الفنانين.
هل إقرار القانون المهني عجل بهذا المشروع؟
طبعاً لأنه أعطى دفعة جديدة للعمل النقابي الفني، حالياً هناك لقاءات أكثر انفتاحاً على مشروع التوحيد.
فترة رئاستك للنقابة تنتهي في يوليو/تموز المقبل، هل ستجدد؟
لا، لسببين: أولاً أُريد إتاحة الفرصة لشباب النقابة لينهضوا بها، من خلال طموحاتهم والرؤى التي يضعونها نصب أعينهم، فكما تعرف هناك شباب كل همهم أن ينفسوا عما في صدورهم وعقولهم، وهذا جيد، ويجعل النقابة ابنة عصرها، أنا مع إيجاد دم جديد يدفع بالنقابة لأن تكون في الصدارة.
والسبب الثاني أن النقابة مسؤولية، وأشكر الله أن القانون المهني تحقق خلال فترة رئاستي لها، وبالتالي أُريد أن أتفرغ لبعض المشاريع الفنية التي كنت أَجلتها أو لم أعط رأياً فيها.
هل ستنتهي علاقتك بالنقابة؟
سأظل حاضراً للخدمة والمساعدة، أما المسؤولية فأفضل أن يتحملها الزملاء، خصوصاً أنني نفضت الغبار عن النقابة وبات كل شيء عندنا ممكناً.