من القانون الدولي إلى "القانون الكياني"

02:38 صباحا
قراءة 4 دقائق
يمكن تعريف القانون الدولي العام بأنه مجموعة القواعد التي تنظم العلاقات بين الدول وتحدد حقوق كلٍ منها وواجباتها . الدولة هي الأساس في منظومة القانون الدولي . إذا كان الإنسان الفرد هو الأساس في الجماعة البشرية، فإن الدولة هي الأساس في مجتمع الدول .
الاتصال والتواصل والتعاون بين الدول حاجات ضرورية لحياتها وحياة مواطنيها . وهي تتطلب وتستتبع قيام علاقات منتظمة ومستقرة فيما بينها . من هنا تتضح مهمة القانون الدولي من حيث هي تنظيم العلاقات بين الدول وتوثيقها لتيسير سبل الحياة لمواطنيها، ذلك أن مواطني جميع الدول أعضاء في المجتمع الإنساني العالمي .
للقانون الدولي مصادر أصلية وأخرى ثانوية . المصادر الأصلية ثلاثة: العرف والمعاهدات ومبادئ القانون العامة . العرف هو أكبر مصادر القانون الدولي، ويتكوّن بتكرار الأعمال المماثلة بين دول مختلفة في أمر من الأمور . غير أن العرف لا يصبح ثابتاً ما لم يقترن التكرار بالتزام السير وفقاً لما جرت عليه العادة، أي الالتزام بأن التكرار والعادة واجب قانوناً، وأن هذا الالتزام أضحى متبادلاً .
المعاهدات هي اتفاقات تبرمها دولة مع دولة أخرى أو أكثر، في شأن من الشؤون ذات الطابع العام أو المشترك بين الدول، وهي لا تُلزم إلاّ الاطراف المتعاقدة .
المبادئ القانونية العامة هي المبادئ الأساسية التي تستند إليها النُظم القانونية في مختلف الدول . مثال ذلك إلزام الشخض المضرّ بالغير بإصلاح هذا الضرر، كما إلزام المتعاقد بما تعاقد عليه .
المصادر الثانوية منبتها المادة 38 من النظام الأساسي لمحكمة العدل الدولية التي تجيز الرجوع إلى "أحكام المحاكم ومذاهب كبار فقهاء القانون العام في مختلف الأمم كوسائل ثانوية لتحديد القاعدة القانونية" . تضاف إلى الأحكام ومذاهب الفقهاء أيضاً القوانين الوطنية فيما نصت عليه من قواعد دولية عامة .
يتضح مما تقدّم بيانه أن الدولة هي حجر الأساس في القانون الدولي، ومرتكز قواعده وأحكامه، ومسوِّغ تنظيم العلاقات بينها وبين الدول الأخرى . وقد تطورت العلاقات الدولية والقواعد المنظمة لها مع تطور القانون الدولي على أساس التعاون والمشاركة بين الدول بدلاً من السيطرة والإكراه والإخضاع . غير أنها تعرضت، على مر التاريخ، إلى صدامات وإشكالات ناجمة عن ثورات وحروب وتطورات علمية وتكنولوجية ذات مفاعيل كونية هائلة، الأمر الذي أدى إلى إحداث اختلالات في تطبيق القانون الدولي، بل إلى تغيير بعض قواعده، وشلِّ بعضها الآخر . فاكتشاف الطاقة النووية، وصنع أسلحتها الفتاكة، واستخدامها في الحرب (على اليابان سنة 1945) وريادة الفضاء الكوني والوصول إلى كواكب بعيدة آلاف السنين الضوئية، واستغلال قيعان البحار والمحيطات، واندلاع ثورة الاتصالات (الإنترنت) والمعلوماتية التي جعلت المسافة حالة ذهنية .
كل هذه الثورات والتطورات والأحداث الهائلة انعكست على الدول المعاصرة ومجتمعاتها في مختلف أنحاء العالم، وأدت إلى إحداث اضطرابات واختلالات اجتماعية واقتصادية وسياسية فيها . ولا غلوّ في القول إن أكثرها تأثراً وانفعالاً بها وتضرراً منها بلدانُ ما يسمى العالم الثالث أو عالم الجنوب، وفي مقدمها الأقطار العربية والبلدان الإسلامية في إفريقيا وآسيا . ولعل أبلغ مثال على هذه الظاهرة المتنامية ما نجم عن المخاض العميق والشامل المسمى "الربيع العربي" من اضطرابات واختلالات وانقسامات، أصابت المجتمعات العربية، وأدت إلى تفكيك بنى دولها ومؤسساتها السياسية والإدارية والاقتصادية والاجتماعية .
حتى قبل مخاض "الربيع العربي"، عانى بعض الأقطار العربية ثورات واضطرابات وانقلابات أدت إلى إضعاف بنى الدولة وتفكيكها، وبالتالي نشوء كيانات داخلها لها بعض صفات ومقوّمات الدولة، وتمكّنت تالياً من الحلول محل الدولة في منطقة أو مناطق من إقليمها والنهوض ببعض المهام والمسؤوليات المنوطة بها عرفاً وتقليداً وقانوناً ودستوراً .
الانتفاضات الشعبية الفلسطينية المتتالية أدت إلى نشوء منظمة التحرير الفلسطينية . وقد أدى كفاحها، إضافة إلى المفاعيل السياسية الناتجة عن اتفاقات أوسلو للعام ،1993 إلى جعلها كياناً سياسياً يحاكي في بعض وجوهه منظومة الدولة المعاصرة . الظاهرة نفسها تكررت في قطاع غزة حيث أدت سيطرة حركة "حماس" وتنظيمات المقاومة الفلسطينية المتحالفة معها إلى نشوء كيان فلسطيني توأم لكيان رام الله يحاكي في مواصفاته ومؤسساته وممارسته منظومة الدولة المعاصرة .
ظاهرة "الكيانية" تتبدى بشكل واضح في لبنان، إذ أدى انهيار الدولة عشية حرب "إسرائيل" عليها العام 1982 وعدم نهوضها بعد جلاء القوات "الإسرائيلية" عن معظم أراضيها وتحكّم العدو في شريط على امتداد الحدود مع فلسطين المحتلة إلى نشوء كيان في جنوب لبنان ناب عن الدولة في مقاومة الاحتلال "الإسرائيلي" لغاية إكراهه على الجلاء العام 2000 .
لحركة "طالبان" كيان عسكري وسياسي يتحكم بمناطق عدة في أفغانستان ويقاتل بلا هوادة قوات دولة كبرى . كذلك الأمر في الصومال حيث لتنظيم إسلامي شبابي كيان عسكري وسياسي يقاتل "الدولة" القائمة والمدعومة من دول كبرى ومتوسطة أمريكية وأوروبية وإسلامية .
هذه الكيانات التي تحاكي في بعض مواصفاتها ومؤسساتها الدولة المعاصرة باتت تشكّل ظاهرة راسخة في حاضر العلاقات الدولية، وتترك آثارها في قواعد القانون الدولي وأحكامه . فدول العالم، كما المنظمات والمؤسسات الدولية، السياسية والعسكرية والإنسانية، تجد نفسها مضطرة إلى التعامل مع هذه الكيانات وتقيم معها علاقات وتعقد اتفاقات . إن اتفاق التهدئة بين حركة "حماس" وحليفاتها في قطاع غزة من جهة و"إسرائيل" من جهة أخرى الذي تمّ بعد عملية "عمود السحاب" العام ،2012 ومؤخراً بعد العدوان "الإسرائيلي" على حركة الجهاد الإسلامي، مثال ساطع على اضطرار مجتمع الدول إلى عقد اتفاقات مع بعض هذه الكيانات في ظروف استثنائية . ويمكن إيراد أمثلة أخرى عن اتفاقات مماثلة تمّت بين كيانات فاعلة في لبنان وأفغانستان والصومال من جهة والدول القائمة في تلك البلدان من جهة أخرى .
ظاهرة الكيانات المتنامية في العالم المعاصر ستترك آثارها في القانون الدولي وتؤدي إلى تطوير بعض قواعده وأحكامه . من يدري، فقد يتسع مسار التطوير والتعديل لدرجة قد يتفرّع عن القانون الدولي العام مصطلح القانون الكياني العام .

د . عصام نعمان

عن الكاتب

مُجاز في الحقوق ودكتور في القانون العام ومحام منذ السبعينات .. أستاذ محاضر في القانون الدستوري في الجامعة اللبنانية زهاء عشر سنوات .. نائب ووزير سابق .. له مؤلفات عدة وعديد من الأبحاث والدراسات

لاستلام اشعارات وعروض من صحيفة "الخليج"