منذ أكثر من 40 عاماً لم يتوقف د . سيف بن عبود البدواوي عن القراءة والمطالعة والمذاكرة، ورغم نشأته في أحضان قرية زراعية بسيطة، استطاع أن يصل إلى أرقى وأكبر جامعات العالم في الغرب الأمريكي وبريطانيا، ليحصل على أعلى الشهادات والمناصب، طوال هذه الرحلة العلمية الطويلة لم يستسلم يوماً للصعوبات والتحديات، بل سخرها لخدمة أهدافه وجعلها وسيلة لتحقيق أحلامه، ففي الغربة لا مجال للفشل، وعند البعد عن الأهل والوطن فالرفيق الوحيد هو العمل الناجح .
د . سيف بن عبود البدواوي، يأخذنا في رحلة بين طيات مذكرات إماراتي تحول من طالب صغير إلى مؤرخ كبير .
يعود البدواوي بذاكرته إلى الفترة ما بين 1968و1971 قائلاً: لم تضع الجهود التي بذلها المغفور له الشيخ زايد بن سلطان آل نهيان وإخوانه أصحاب السمو حكام الإمارات هباءً، عندما أعلنوا قيام الاتحاد، كنت في تلك الأيام أتابع الأحداث، ولكني غير مدرك لها لكوني مازلت في المرحلة الابتدائية، غير أنني أتذكر وقوف الشيخ زايد في صفي خلال زيارته لمدرستي بالمرقاب بإمارة الشارقة عام ،1969 فقد أثر هذا الموقف كثيراً في نفسي حتى اليوم، فقد كانت نظرته لنا تؤكد أن من يتعلم ويجتهد يهتم به الشيخ زايد ويحبه، ومنذ تلك اللحظة لم أتوقف عن الدراسة والقراءة والتحضير .
وعن بداية رحلته التعليمية، قال: جاء المغفور له الشيخ راشد بن حميد النعيمي حاكم عجمان، إلى مصفوت عام ،1947 عندما كانت تتعرض لهجمات من قطاع الطرق لكونها بلدة زراعية بها العديد من المحاصيل، وكانت من أهم جهوده مطالبته مجلس حكام الإمارات تطوير مصفوت، فقد طلب حفر الآبار، وإنشاء عيادة، وتأسيس مدرسة لأبناء القرية والقرى المجاورة، وفي عام 1964 افتتحت المدرسة، كانت عبارة عن غرفتين، واحدة للمعلم، وأخرى كبيرة للطلبة والطالبات، وكان المدرس من عجمان ويحضر للمدرسة في الشتاء ويتركها في الصيف، أما الدراسة فكانت صباحا ومساء، مع استراحة الظهيرة التي كنا نقضيها في مسجد القرية .
وعن المواد التي كانت تدرس في المدرسة قال: درسنا على يد المعلم الشيخ علي بن حمد بن غانم الشامسي، التوحيد، والقرآن، والقراءة، والإملاء، والحساب ورغم أن أعمارنا كانت متفاوتة بين الخمس سنوات والخمس عشرة، إلا أن هيبة المدرس والخوف منه جعلت من المدرسة مكاناً هادئاً .
بابتسامة خفيفة قال البدواوي: اعتدت أن أنهي واجباتي المدرسية بعد المغرب، وفي إحدى الليالي تأخرت في حلها إلى بعد العشاء، فما كان من والدتي رحمة الله عليها، إلا أن أطفأت الفنر (السراج) وقالت لي بسك قراءة نام الحين فوضعت رأسي على الحصير وصرت أبكي، حتى أشفقت عليَ وأشعلته مرة أخرى، ثم قالت لي (بنشوف أيش بتفيدك هذه القراطيس)أضاف: هناك العديد من المواقف لا أنساها، فقد كنت من أوائل من حفظوا القرآن، وكان للمعلم عادة عند نقل الطالب من جزء إلى آخر، وهو أن نقوم بعمل عزومة له ونذبح ديكاً، وعند الوصول إلى نصف المصحف على الأهل ذبح خروف، وعند ختمه أيضاً، إلا أنني عند الاقتراب من ختم المصحف قالت لي والدتي لم يعد عندي ذبائح، لأنها قامت بذبح كل ما لدينا احتفالاً بحفظي للأجزاء السابقة، فذهبت إلى المدرسة مكسور الخاطر وأخبرت المطوع بهذا الكلام، فما كان منه إلا أن قال لي إذاً لن تتخرج من سورة البقرة، ففتحت المصحف ووجدتني ليس بحاجة له لأنني أجدت قراءتها، فعدت إلى أمي وأنا في غاية السعادة وأخبرتها، وهكذا سلمنا من الذبيحة والعشاء .
بابتسامة أخرى، عاد البدواوي إلى الوراء قليلاً وقال: في أحد الأيام دعاني المطوع إلى غرفته وأخبرني أن هناك مطعماً يريد محاسباً، وأنه رشحني للعمل هناك براتب 60 روبية في الشهر رغم صغر سني لأنني متفوق في الحساب، وعندما عدت للمنزل أخبرت والدتي وأخي الكبير، فقال لي الشغل أحسن لك من هذه المدرسة التي يشغلكم المعلم فيها كل يوم ويضربكم لكنني رفضت ورميته بحجر، لأنه أراد أن يخرجني من المدرسة .
وعن مراحل حياته التعليمية، قال: عام 1951 قامت بريطانيا بتأسيس قوة عسكرية لحماية مصالحها في المنطقة، سميت بقوة ساحل عمان ألحقت بها مدرسة لتخريج جنود قادرين على التعامل مع سلاحي الإشارة والمدفعية، بجانب المسائل التي تتطلب مبادئ الحساب والقراءة، انضممت للمدرسة وكان عمري وقتها لم يتجاوز 9 سنوات، لكنني كنت تحت رعاية أخي عبيد الذي كان يدرس في المكان نفسه، وهنا بدأت رحلة البعد عن أمي وعن قريتي الغالية مصفوت .
وأضاف: رغم أن المنهج الأردني المتبع في المدرسة كان صعباً، والمدرس كان يحمل العصا ليلاً ونهاراً، وكان من يتكرر رسوبه يحول إلى جندي أو مراسل في الواحات العسكرية، إلا أن ترتيبي كان دائماً الأول في جميع المراحل، وذلك يعود لفضل الله، ثم المواظبة والنظام، فقد كنت أضع جدولاً يومياً لكل أعمالي، إضافة إلى حوافز المتفوقين التي كانت توزع سنوياً في نهاية العام الدراسي، ويسلمها أحد الحكام للطلبة في حفل كبير، مع إعطاء فرصة للمتفوقين للدراسة في الثانوية الصناعية أو التجارية، وفي نهاية المرحلة الابتدائية تم إلحاقي وعدد من الطلبة في مدرسة الصناعة والتجارة بدبي والشارقة، وفيها تفوقت أيضاً وحصلت على المرتبة الأولى .
وعن دراسته الجامعية قال: د . سيف بن عبود البدواوي حصلت على بعثة من وزارة التربية والتعليم، بعد موافقة وزارة الدفاع على الدراسة في جامعة بيروت العربية بكلية التجارة، وكان بها وقتها عدد كبير من طلبة الإمارات، وبعد بدء الدراسة بدأت المشاكل والحرب الأهلية تطل على لبنان بوجهها القبيح، وقتل لنا بعض الزملاء وجرح آخرون، وأتذكر أننا أحياناً كنا نجلس في دورات المياه خوفاً من الرصاص الطائش ومدافع الهاون، وخاصة أن دورات المياه هناك كانت وسط المنازل .
وأكمل: بعدها قررت وزارة التربية نقلنا إلى فرع الجامعة في الإسكندرية، وكانت تجربة رائعة، وفرصة لزيارة أماكن مختلفة في مصر كالأهرامات، والقلعة، والأزهر، وحي الحسين، أما الدراسة فكانت أصعب مما توقعت، لكثرة الطلبة في الفصول، وبالتالي استحالة لقاء الاستاذ، إلا أنني نجحت واجتزت هذه المرحلة الدراسية .
الدراسة في أمريكا
كانت المحطة التالية في حياة د . سيف بن عبود البدواوي، وعنها قال: قررت الوزارة سحب طلبة الإمارات في بيروت من الإسكندرية، وأعطونا خيارين الأول أن ننتظر حتى تهدأ الأوضاع في لبنان، والثاني أن نسافر للولايات المتحدة الأمريكية لإكمال الدراسة هناك، فقررت أنا ومجموعة من أصدقائي السفر لأمريكا، وفي عام 1977 سافرنا إلى كاليفورنيا لدراسة اللغة الإنجليزية، وكان التواجد في هذه الولاية بمثابة صدمة حضارية لي كشاب من قرية زراعية بسيطة انتقل إلى الغرب الأمريكي، فقد كان كل شيء مختلفاً بالنسبة لي، سواء في الطعام، والسكن، والتعامل مع الناس، والصلاة فلم أسمع الأذان ولو مرة واحدة، أو أذق أكلة عربية لمدة طويلة .
وأضاف: بعد الانتهاء من دراسة اللغة ذهبت لدراسة إدارة الحكومات في جامعة فرانسيسكو، ورغم أنها ولاية مليئة بالفعاليات وتتميز بوجود جميع الجاليات والديانات، ويوجد بها مركز إسلامي في جنوب المدينة، إلا أنني كنت أصاب باكتئاب شديد في الاجازات مثل الكريسماس، وعيد الفصح، واحتفالات السنة الجديدة، لأن معظم الطلبة يعودون إلى بيوتهم أما أنا فكنت أبقى مع عدد قليل من كبار السن والمرضى، فكنت أخرج ليلاً أحدث نفسي والنجوم قائلاً: هذه النجوم مرت بمصفوت ورأت أمي وأهلي، ليتني أعود لهم سريعاً وأجلس وحيداً أبكي، لكنني كنت على يقين أن الفشل غير مقبول وسط القرية حيث الأهل والجيران، فالجميع ينظر لي على أنني مطوع متفوق ومتميز والفشل بعيد عني .
انتهت سنوات الدراسة في امريكا وعاد د . البدواوي إلى قريته وأهله مظفراً، وعن ذلك يقول:
رجعت إلى مصفوت ومعي الشهادة الجامعية لتذبح أمي خروفاً احتفالاً بالشهادة، وفي 1982 حصلت على منحة لدراسة الماجستير في جامعة كاليفورنيا، وبعدها عدت إلى دولتي وكلي أمل في الحصول على وظيفة في وزارة الخارجية لأن تخصصي مناسب لذلك، لكنني حصلت على وظيفة مدرس في مدرسة راشد الثانوية بحتا، لكنني قدمت استقالتي وسافرت إلى بريطانيا للحصول على الدكتوراه . التحقت بجامعة درهام ببريطانيا قسم دراسات الشرق الأوسط، وحصلت على درجة الدكتوراه دون أي تعديلات سواء في المنهج، أو المادة أو اللغة .
ويضيف: عدت إلى الإمارات عام ،1992 حتى أكمل مشواري التعليمي، لأنني أدركت أن التعليم والدراسة رحلة لا تتوقف، بل كانت كل الشهادات التي حصلت عليها بوابة دخلت منها لعالم التأليف، التدريس الأكاديمي، البحوث والمؤتمرات .
كعادته ابتسم مرة ثالثة ثم قال: أذكر أن أمي عند عودتي ذبحت أكثر من ذبيحة ودعت كل الجيران على عزومة كبيرة، وفي اليوم التالي طلبت مني رعي الغنم لأن الراعي سوف يذهب إلى دبي، فخرجت مع الغنم التي صارت تركض يميناً وشمالاً، وأنا أنظر لها على تلال مصفوت قائلاً: والله رعي الغنم أصعب من الدكتوراه .
بعد ذلك، التحق البدواوي بكلية الشيخ زايد الثاني العسكرية كمدرب ومحاضر لمادة الثقافة الدولية، ثم عمل في جامعة عجمان للعلوم والتكنولوجيا مدرساً لمادة الإمارات باللغة الإنجليزية، وفي عام 2005 انتقل للعمل في جامعة الشارقة لتدريس تاريخ الخليج العربي الحديث والمعاصر، ويقول الآن، أنا أكثر انشغالاً بالقراءة والتأليف، والنشر، والتحضير للمؤتمرات، وقد نشرت لي مجموعة من الكتب والمقالات، لكنني أعتز كثيراً بكتابي عن مجلس حكام الإمارات المتصالحة1952 ،1971 وأفضل ورقة قدمتها كانت عن تاريخ الطرق في الإمارات قبل قيام الاتحاد، والآن أعمل على ورقة عن ذكريات الشواب حول الإمارات في الخمسينات من القرن الماضي، أما أفضل المؤتمرات التي شاركت فيها كانت التي تطرقت من خلالها إلى قيام الاتحاد ودور الشيخ زايد في ذلك .