التدريب العملي.. صقل للمعرفة وبناء للشخصية

أحد متطلبات التخرج لنيل الشهادة الجامعية
01:38 صباحا
قراءة 7 دقائق
تحقيق: رند حوشان

تغفل العديد من مؤسسات التعليم العالي، أهمية التدريب العملي أو الميداني بالنسبة لطلبة الجامعات خلال فترة دراستهم الأكاديمية في مختلف التخصصات العلمية على الرغم أنه أحد الشروط الأساسية للحصول على الشهادة الجامعية، حيث إنه يعود على الطلبة بالنفع في العديد من المجالات، ومنها؛ أنه يمكنهم من تطبيق المعرفة النظرية التي اكتسبوها خلال فترة الدراسة تطبيقاً عملياً، والتعرف إلى طبيعة سوق العمل واحتياجاتها، بالإضافة إلى أنه يعطي انطباعاً أولياً للطالب عن طبيعة الأشخاص الذين سيتعامل معهم بعد تخرجه في الجامعة، لأن مكان التدريب يمكن أن يكون هو نفسه مكان العمل مستقبلاً.
تتفاوت الفترة الزمنية للتدريب وفقاً للتخصصات التي يختارها الطلبة، فالتخصصات الأدبية لا تتجاوز مدة التدريب فيها الشهرين أو 3 أشهر، أما التخصصات الهندسية أو الطبية فتتطلب من هؤلاء الطلبة المزيد من التدريب، كونها من التخصصات الحساسة والتي تتعامل مع حياة البشر سواء من خلال المهندسين الذين يقومون بتخطيط المباني والعمارات، أو من خلال التعامل مع حياة المرضى التي تحتاج إلى تركيز وتدقيق كبيرين تجنباً للوقوع في الأخطاء التي تكون نتائجها كارثية.

عامل تحفيز

وأكد عدد من مديري الجامعات ومؤسسات التعليم العالي الذين التقتهم «الخليج» على أهمية التدريب العملي الميداني الذي تطلبه الجامعات للحصول على الشهادة الجامعية، وقال الدكتور عارف سلطان الحمادي مدير جامعة خليفة: يعتبر التدريب العملي لطلبة الجامعات أحد أهم مقومات بناء شخصية الطالب الجامعي، ومسيرته، وخبرته الأكاديمية والعملية، حيث تتاح الفرصة للطلبة أن يطبقوا ما تعلموه على أرض الواقع، ويطلعوا على قضايا القطاعات المختلفة والاستفادة من العلوم التي اكتسبوها خلال دراستهم الجامعية لإيجاد حلول علمية لها، كما يشكل التدريب عامل تحفيز واكتشاف لإجراء بحوث أكاديمية مرتبطة بالمتطلبات الحقيقية لتلك القطاعات، بالإضافة إلى اكتساب الطلبة للعديد من المهارات اللازمة لدخول سوق العمل بشكل فاعل بعد التخرج.

ونحن في جامعة خليفة نؤمن بأهمية التدريب العملي، ولذلك نقوم بإرسال طلبتنا إلى عدد من المؤسسات الرائدة محلياً وعالمياً في دول متقدمة علمياً، مثل؛ الولايات المتحدة الأمريكية، وبريطانيا، وفرنسا، وألمانيا، وأستراليا، واليابان، وكوريا، كما تتاح للطلبة أيضاً فرصة الاحتكاك بالأوساط الصناعية من خلال العمل مباشرة مع شركائنا على مشاريع بحثية يوظفون من خلالها حس الابتكار الذي يتمتعون به؛ لإيجاد حلول مبتكرة وعملية للقضايا التي تواجههم في عملياتهم، وقد حصلت بعض تلك الابتكارات على جوائز، وتم نشرها في مجلات علمية وبعضها حاصل على براءات اختراع عالمية.

اتفاقات تعاون

وأشار الدكتور خيري مصطفى عميد كلية الصيدلة في جامعة العين للعلوم والتكنولوجيا إلى أن كليات الصيدلة تتضمن نوعين من التدريب العملي؛ الأول هو التدريب في صيدليات المجتمع«الخارجية»التي تبدأ من صيف السنة الدراسية الثانية والثالثة والرابعة، وتستمر مدة شهر واحد لكل تدريب، أما الثاني فهو التدريب السريري يكون داخل المستشفى ومدته فصل دراسي كامل، لافتاً إلى وجود اتفاقات تعاون منذ نحو 6 - 7 سنوات مع شركة أبوظبي للخدمات الصحية«صحة»، منها؛ مستشفى العين، ومستشفى توام، ومدينة الشيخ خليفة الطبية، والمفرق، لمدة 12 أسبوعاً ليتم استكمال كافة المهام التي يقوم بها الصيدلي السريري، فإن هذا النوع من التدريب يؤهل الطالب ليكون جاهزاً لإتمام أية وظيفة تتطلب منه داخل المستشفى أو في العيادات الخارجية التابعة للمسشتفى، وتعلمه كيفية التعامل مع المرضى وإعطائهم الأدوية، وغيرها.
إن التدريب العملي مهم للطلبة وهو جزء أساسي للحصول على الشهادة الجامعية، حيث إنه قبل فترة التدريب العملي يجب أن يكون قد أتم المحاضرات النظرية ليتم تطبيقها على أرض الواقع أثناء فترة التدريب، فإذا لم يكتسب الطالب خبرات ميدانية فلن يتمكن من أداء عمله بالقدرة والكفاءة المطلوبين، فهي عملية تكامل ما بين الخبرات التي يكتسبها من خلال المقررات الجامعية والتدريب الميداني.

تدريس المساقات

وقال الدكتور علي نظمي نائب مدير جامعة أبوظبي: تزداد أهمية التدريب العملي والميداني للطلاب بشكل متسارع، خصوصاً مع التقدم المطرد في تكنولوجيا المعلومات، ووسائل الاتصال، والإدارة، حيث إن الطالب والطالبة بحاجة إلى تنمية قدراتهم العملية والتطبيقية، ومواكبة التغيرات الهائلة في التقنيات التطورة.

إن جامعة أبوظبي والكثير من الجامعات الأخرى تولي أهمية متزايدة للتدريب العملي للطلاب وتنظرإليه على أنه جزء رئيسي من البرنامج الدراسي، ففي جامعة أبوظبي نحقق ذلك على مستويين؛ الأول عن طريق توفير المعامل والتطبيقات الميدانية؛ كجزء أساسي من تدريس المساقات المختلفة في كل تخصص خصوصاً تخصصات الهندسة، والعلوم، والأداة، والقانون، أما على المستوى الثاني فالجامعة توفر للطلبة أثناء الدراسة فرصاً للتدريب العملي والميداني في المصانع، والمؤسسات، ومراكز الأبحاث؛ وذلك لصقل قدراتهم والاستفادة من الخبرات والتطبيقات الميدانية في مجال تخصصهم.

أبجديات التعامل

وقالت الدكتورة فاطمة الشامسي نائب مدير جامعة باريس السوربون أبوظبي للشؤون الإدارية: إن التدريب العملي - الميداني له أهمية كبيرة للطلبة خصوصاً في مرحلة التعليم الجامعي، لأنه يعد الطالب بصورة أولية ويؤهله للالتحاق بسوق العمل، حيث إن التحاق الطلبة بالفرصة التدريبية تعطيهم معلومات أولية عن طبيعة العمل ومتطلباته، بحيث تجعلهم يختارون الوظيفة المناسبة بعد تخرجهم، فقد يلتحق الخريج بوظيفة ويكتشف أنها ليست ما كان يصبو إليه وأنها لا تتفق مع مهاراته وخبراته فيعزف عنها، ويبحث عن غيرها، مما يضيع الوقت عليه، وهو ينتقل من وظيفة إلى أخرى، وقد يصاب بالإحباط إذا اكتشف بعد التحاقه بالعمل أن الوظيفة ليست كما كان يتوقع، ومن هذا المنطلق يصبح التدريب الميداني مهماً للطالب لاختبار فرصة العمل واختيار الأمثل.

والتدريب الميداني يساهم في تعود الطالب على متطلبات العمل من سلوك والتزام بالضوابط المطلوبة، مثل، ساعات الدوام، والزي الرسمي، والتعامل مع الآخرين، يمكن أن يلم بها المتدرب ويتعود عليها قبل أن ينتظم في الوظيفة الأصلية، بالإضافة إلى أن الخريج أيضاً يمكن أن يستفيد من طرق التعامل مع الجنس الآخر في بيئة العمل من خلال الفرصة التدريبية؛ فهناك العديد من الطلبة قد لا يكون أن سبق لهم التعامل مع الجنس الآخر، والجنسية الأجنبية من قبل فتكون فرصة التدريب العملي مواتية لهم ليتعرفوا إلى بعض أبجديات التعامل مع الآخرين.

فوائد عديدة

وأجمع عدد من الطلبة الجامعيين على أهمية التدريب العملي خلال فترة دراستهم الأكاديمية، مطالبين بزيادة فترة التدريب بحيث يكون سنوياً لمدة شهر إلى شهرين كحد أدنى، كونه أحد شروط الحصول على الشهادة الجامعية، قالت الخريجة خلود عبد الله الجابري من كليات التقنية العليا، خلال المرحلة الجامعية التي تتراوح ما بين 4 إلى 5 سنوات على اختلاف التخصصات الجامعية؛ كالهندسة بمختلف فروعها، والإعلام، والطب، وغيرها، يصل الطالب للسنة الثالثة التي تتطلب إتمامه التدريب الميداني/‏‏ العملي، الذي يقضيه الطالب شهراً أو شهرين في مؤسسة/‏‏ شركة ما في الدولة، ومن خلاله تمكن الطالب من تنمية ذاته وقدراته وكفاءته العملية والعلمية؛ حيث إن التدريب العملي يعتبر شرطاً من شروط التخرج ويجب على كل طالب إتمامه للحصول على الشهادة الجامعية، التي تخوله لتطبيق ما تعلمه في الجامعة لاستعياب أكبر للمعلومات التي تلقاها ورفع المستوى الإبداعي لهم.

وأشارت إلى الفوائد العديدة للتدريب العملي، ومنها؛ التعرف إلى طبيعة سوق العمل من احتياجات ومتطلبات في التخصصات، ومدى حاجة الدولة لهذا التخصص، بالإضافة إلى أنه يخول الطالب الحصول على وظيفة بسرعة قصوى من حيث قبوله من قبل المؤسسة ذاتها التي أتم فيها تدريبه الميداني، وذلك يعتمد على مدى نجاحه، وإنتاجه للعمل، وكفاءته، كما يعتمد على التقييم الذي يتم عن طريق المؤسسة ذاتها، مضيفةً أن الطالب يتمكن من التعرف إلى طبيعة العمل المتعلق بتخصصه وما قد يفيده في مهنته مستقبلاً، ومعرفة ما قد تواجهه من مشكلات/‏‏ ثغرات في بيئة العمل وكيفية حلها أو التجاوز عنها، ومعرفة نوعية الأشخاص الذين سيتعامل معهم.

وأضافت: يساعد التدريب العملي الطالب على رفع مستوى تحمل المسؤولية والاعتماد على الذات، فهو تمهيد لحياة وبيئة العمل مستقبلاً، وكذلك تمكنه من الربط بين التعلم النظري والعملي، ومن خلال تجربتي كطالبة خريجة في كليات التقنية العليا، كان للكلية فضل كبير في مساعدتي على اختيار المكان الأنسب لتخصصي، للإبداع فيه، ورفع الروح المعنوية، وتطبيق ما تم تعلمه في الكلية، حيث إن الحياة الدراسية مختلفة تماماً عن الحياة العملية، والاختلاط مع فئات مختلفة من المجتمع من حيث الجنسيات والجنس.

تطوير الثقافات

وأوضحت الطالبة ميثا المعمري من جامعة نيويورك، أن التدريب الصيفي مهم لطلبة الجامعات؛ للاستفاده من إجازة الصيف لتطوير ثقافات ومهارات هؤلاء الطلبة من خلال القيام بالتدريب العملي، لاكتساب الخبرة، والانخراط في أجواء العمل والمهام التي تطلب من هؤلاء الطلبة أثناء العمل، حيث إن هذا العمل يحفز الطلبة للاجتهاد في دراستهم، ويشوقهم للحياة العملية بعد مرحلة التخرج في الجامعة، ويمنحهم ثقة بالنفس عند الحصول على وظيفة، وممارسة مهامها، كما وينمي مهاراتهم الاجتماعية.

اكتشاف حقائق

وأوضحت الطالبة عائشة أحمد الشهياري تخصص بكالوريوس في العلوم البيئية والاستدامة بجامعة زايد، «أنها التحقت بهيئة البيئة في أبوظبي من خلال قسم التنوع البيئي لمدة شهرين بناء على متطلبات الجامعة للتدريب العملي، وكانت تلك التجربة التي خاضتها مبهرة بالنسبة لها، وتعلمت منها الكثير من المهارات في التعامل مع البيئة»، وأيضاً ساعدتها على اكتشاف العديد من الحقائق البيئية التي كانت تجهلها»، مؤكدةً أن التدريب العملي - الميداني ساعدها على التعامل مع البيئة الطبيعية باحترافية وتشجيع، كما أنها تعرفت إلى الكثير من المشاريع البيئية التي تقوم بها الهيئة، وسعدت عندما ساهمت مع فريق قسم التنوع البيئي في هذا العمل.

بيئة عمل حقيقية

قال عبيدة حويّر مهندس متدرّب وخريج جامعة خليفة حديثاً: يعتبر التدريب الميداني أحد المتطلبات الأساسية للتخرج من العديد من التخصصات العلمية؛ كالطب والهندسة، كما ويعتبر أقرب مثال على بيئة العمل الحقيقية التي سينتقل إليها الطالب بعد تخرجه، إذ يعامل الطالب خلال هذه الفترة كأحد موظفي الشركة، ويلتزم بنظام الحضور والانصراف، ومنظومة الأخلاقيات المهنية، والتعامل الرسمي، فتكون فرصةً للمتدرب للتعود على هذه المفاهيم التي لم يكن تطبيقها بنفس مستوى الصرامة خلال تجربته الجامعية.
وأوضح أن جامعة خليفة وفرت الفرصة لطلبتها لخوض التدريب داخل الدولة وخارجها، وكان ممن اختاروا التدرب خارج الدولة، وجاءت فرصته للتدرب في إيطاليا ضمن أكبر شركة لتصنيع البوارج الحربية والغواصات في العالم»، مشيراً إلى أن هذه التجربة كانت من التجارب الخالدة في الذاكرة، وساهمت بشكل كبير في التعرف إلى التطبيق العملي للكثير من العلوم النظرية التي تمت دراستها في الجامعة ورأينا تطبيقاتٍ لتلك النظريات في أجهزة ومنشآت مختلفة.
وأضاف: أن برنامج التدريب تضمن دراسةً نظرية شكلت رافدًا مهماً للمعارف السابقة وبرنامجًا تطبيقيًا تعلمنا من خلاله العديد من المهارات الحرفية، بل وقمنا بتعلم تصنيع بعض القطع التي تتشكل منها السفن، وهنا تأتي أهمية هكذا برامج في نقل الطالب من عوالم المعادلات المكتوبة إلى التطبيق الحقيقي الذي يخلق عنده شعورًا بالانتماء إلى الصناعة الهندسية التي يتعلمها.

وذكر أن مهارات التواصل يمكن أن يكتسبها المتدرب من خلال التعاملات اليومية في مكان العمل، وقد تكون السبب الرئيسي في النجاح في إتمام صفقة أو تقديم مشروع أو إقناع متعامل بخدمة.

لاستلام اشعارات وعروض من صحيفة "الخليج"