قراءة في مجموعة “انتحار عبيد العماني” (1 - 2)

نماذج بشرية تعبر عن تاريخ عُمان المعاصر
02:49 صباحا
قراءة 7 دقائق

تمثل مجموعة أحمد الزبيدي (انتحار عبيد العماني) الصادرة عام 1985م أنموذجا بالغ الدلالة على الوعي المأزوم في القصة العمانية. الوعي الذي يبلغ حدودا خطرة في مضامينه ودلالاته المباشرة والرمزية، بحيث لا يؤدي فقط بالراوي أو بطله المروي عنه إلى الانتحار، كما فعل (عبيد العماني) في هذه المجموعة، وإنما قد يقود إلى انتحار الكاتب نفسه، أعني صمته وعدم قدرته على تجاوز الحدود الملغومة التي سمح لوعيه بالتحرك فيها ، في إطار مرحلة زمنية معيّنة.

وما سبق لراوي أحمد الزبيدي أن قاله مرة في نهاية إحدى قصصه يؤكد ذلك ويقوّيه:

إِن كل هذه الأمور ليست سوى تخريجات في إطار مرحلة أبت إلا أن تتجلى محتضرة تجرجر أذيالها نحو دغلها الأبدي.. دغل التاريخ القذر.

على الرغم من أن نموذج عبيد العماني يسجل بطريقته الخاصة ملامح مرحلة معينة من تاريخ عمان، ربما وضعت واقعة الانتحار نهاية مبكرة لها، فإن هذا النموذج البشري ما زال موجودا في بعض النصوص القصصيّة العمانية، ولو بطرق وأساليب مختلفة، مجسدا بقايا ما عانته الأجيال العمانية السابقة من إذلال وامتهان في ظل التخلف والجهل والفقر، وأيضا نتيجة لبعد المسافة القائمة بين أحلامها وبين الواقع الذي انتهت إليه.

نعم انه نموذج موجود ولو بطريقة مخففّة بعد أن استطاع التعايش مع واقعه وقام بتقديم بعض التنازلات التي تجعل سكناه في المدينة الحديثة ممكنا وقابلا لإبعاد أشباح الوعي التعيس التي تحاصره وتضيّق عليه الخناق. وهو بالتأكيد نموذج أقل سخرية وشعورا بالمفارقة بين واقعه وطموحاته حتى إذا ظلت بنية الإخفاق هي السائدة في أعماق هذا النموذج وتلفّظاته السردية.

والمهم في كل ذلك هو معرفتنا بأن قلب نظام القص والعبث بالحبكة السردية بهذه الطريقة له هدف أساسي هو إظهار غرائبية الواقع المعيش ولا عقلانيته. غير أن منطقها غير الكمّي، أعني الذي لا يُعنى كثيرا بالتفاصيل ولا يشيد معماره على أساس واقعي واضح في تدرّجه، قد يطيح بالقدرة النوعية لهذه النصوص على مساءلة الرموز والأحاجي التي توظف لكشف وحشية الواقع المعيش ولا منطقيته.

والإيحاء الذي يصرعبيد العماني في كل مرة على تأكيده بأن العالم نتاج خطأ ما، وأن الشرط الإنساني الراهن قد حصل نتيجة التباس لا سبيل إلى معالجته أو إصلاحه بالوسائل المتوفرة، قد يقود الكتابة إلى فوضى وهلوسات لانهاية لها. وشعور عبيد العماني بالقدرة الخارقة على اختزان طاقة استثنائية، سحرية أو غرائبية، يمكنه من خلالها العبث براحة الأشياء والكائنات وهو يتحول إلى حجر أصم، أو طائر يتكلم بلسان بليغ، أو جثة حيّة تستطيع أن ترعب الآخرين وتسخر من الأحياء من حولها وتطيح بمواقعهم الوظيفية والاجتماعية، أقول إن مثل هذا الشعور ومعادله الموضوعي الذي يتكرر، كما في المقامات، بثبات في نظام الحكاية، يمكن أن يفقد ألقه وجدّته حينما يتواتر ظهوره بالصورة نفسها مرات عديدة. أي أنه يتحول إلى شكل نمطي في الكتابة، شكل لا تملك البنية السردية معه ثقلا كافيا على صعيد الدلالة فتتحول إلى هذيانات لفظية وصور شعرية محلّقة تنتحر، مثل راويها، على عتبة الشعور بعدم كفاية المواءمة بين الموضوع وصيغته اللغوية المقترحة.

الكشف والإخفاء

واستراتيجية أحمد الزبيدي القائمة على إخفاء ما يقول بنوع آخر من القول تصبح مفضوحة في نهاية الأمر إذا كانت أهدافها سياسية، ما دامت لا تمتلك دائما الوسائل المناسبة لاجتراح مثل هذا القول في ظل فقدان المنهج الموّحد في الكتابة، وطالما كان هناك شعور بأن راوي أحمد الزبيدي قادر دائما على جعل ما يقوله مختلفا بعض الاختلاف عما يقول إنه يقوله، بسبب سهولة إمكانية سقوط اللغة السردية فريسة لمضاعفات التعبير وتراكماته، وبسبب الاختلاط والاختلاف الناتج بين وسائل الكتابة السردية وأهدافها النهائية، وعدم إحكام المزج بين الدال ومدلولاته السياسية والأيويدلوجية. وهو أمر لا يتحمّل مسؤوليته القاص وحده، وإنما أيضا طبيعة اللغة السردية نفسها، خصوصا حين يخالطها المجاز وأساليب البلاغة الأخرى. وقراءة بعض القصص ذات الطبيعة الشعرية في هذه المجموعة تخلّف لدينا شعورا يحيلنا إلى الحلقة المفرغة التي تقحمنا فيها اللغة البشرية في علاقتها بالفكر البشري نفسه، والتي يقول عنها الفيلسوف الألماني (هيدغر) إن الفلاسفة يحاولون الانفلات منها عن طريق الكلام الذي يبدو مثل ثعبان يعض ذنبه، لأن الأمر يقتضي أن تحمل الكلام إلى الكلام بواسطة الكلام.

إن الفنتازيا وروح السخرية وإحساس العبث الذي يملأ نص أحمد الزبيدي بحرد وغيظ لا وجه لهما، تمثّل، كما هو الشأن في الشعر، جوانب من واقع مصنوع يحاول الراوي النفاذ إليه لكي يتجنّب واقعا آخر لا يريد الحديث عنه بصورة مباشرة.

ومصدر القلق في بعض هذا النص ناشئ من أن الوسائل البلاغية الموجودة قائمة على أساس اعتبارات اجتماعية وفكرية واضحة، وليس على أسس جمالية وفنية خالصة دائما، خصوصا في الحالات التي يجري فيها الإغراق في الاتكاء على المشاعر الذاتية على حساب وحدة الفعل في الحكاية والبيان الضروري لتقدّم السرد في القصة.

والمشكلة هي أن راوي أحمد الزبيدي من ذلك النوع الحالم الذي لا يستطيع أن يشعر بالرضا حتى لو تحققت جميع أحلامه إذ إن لديه شيئا من الحنين يملؤه إلى نوع آخر من الإنجاز لا سبيل إلى إدراكه، ولا سبيل إلى الخلاص منه، ولا يشكل الإحباط والخيبات ذات الأسباب المختلفة سوى تعلّة وسبب في مداومة الاتصال به والعيش في أجوائه الرحيمة.

شحنات رمزية

غير أننا سنظلم هذا القاص العماني الرائد إذا اقتصرنا على القول إن الوجود الاستعاري والرمزي في قصصه قد جاء لمجرد التغطية على مقاصده وأغراضه الأيديولوجية المباشرة. إذ هذه المقاصد والأغراض قد بقيت واضحة رغم كل شيء، كما ذكرنا. والمهم أن كثيرا من أشكال هذا التعبير تنبثق لديه من تفاعل حميم بين الواقع والنص، الشيء وصورته المعكوسة في اللغة. والنزعة (الإحيائية) التي تطابق بين الطبيعة.. أشيائها وكائناتها وبين البشر، ذات علاقة وثيقة بتجربة أحمد الزبيدي الداخلية الخاصة، وطبيعة انفعالاته وصلته بالجغرافيا الظفارية جنوب السلطنة بما فيها من أمطار وبحار وسهول وينابيع وحيوانات وطيور وظواهر مناخية فريدة وتقاليد حضارية عريقة وتاريخ وحكايات خرافية وأسطورية.

إن هذا النوع من الكتابة الذي يذكرّنا بزكريا تامر ويجعل من الشعر أو ما يشبه الشعر وسيلة مباطنة لطريقة السرد في الحكاية، يؤكد الملامح الأسلوبية المشار إليها، ويجعل من اللغة أداة تعبير مزدوجة تغطي على عجز الكتابة بتراكيب ومفردات لا تقول في بعض الأحيان شيئا في ذاتها، ويمكن أن تقول كل شيء في الوقت نفسه. كما أن بنية التبادل أو الاستبدال بين الطائر والراوي تحيل الحوار إلى نوع من المنولوج الداخلي الذي يجري بين الراوي وذاته أكثر مما يجري بينه وبين آخر منفصل عنه. وهذه الطريقة في التماهي أو التوحّد بين الراوي والطائر ليست جديدة أو نادرة في قصص أحمد الزبيدي، إذ هي خصيصة أسلوبية ثابتة في كثير من نصوصه، كما ذكرنا.

هكذا يتسرب راوي (احمد الزبيدي) المعروف ب (عبيد العماني) إلى نسيج السرد ويملأ مساماته في كل حكاية ليروي لنا شيئاً جديداً أو يكون شاهدا على واقعة أخرى من وقائع انتحاره وموته المتكرر، أو حياته التي يؤلف الموت جزءاً أساسيا فيها، خالقاً بذلك أنموذجاً فريداً في بناء القصة العمانية القصيرة حالت أسباب مختلفة من دون متابعته وتطويره والإفادة من معماره الفني الثري وصورته ذات الطبيعة الملحمية في شمولها وشاعريتها واتساع آفاق الدلالة فيها.

نقول ذلك على الرغم من قناعتنا التي تقدم الحديث عنها بأن هذا النوع من القصص يعنى بالتاريخ والأسطورة، تاريخ ظفار وطبيعتها وأساطيرها القائمة في مخيلة الراوي أكثر من عنايتها بوقائع وتفاصيل يومية محددة. ولذلك تبدو هذه القصص خالية من الشخصيات النمطية، بل من أي قوام بشري ما عدا ذلك الذي يحدّده راويها وبطلها عبيد العماني بطريقته الخاصة التي لا تخلو من تعسف أحيانا. والحوار في القصة يجري بين رموز إنسانية وحيوانية وطيور أكثر مما يجري بين أحياء. وهي في تعاليها وسخريتها المريرة ورغبتها العارمة في تجاوز ما هو يومي تقوّض حقيقتها الخاصة باعتبارها نصوصا سردية تصف الواقع المتعين، أو تحايثه، وتجري حواراً معه، مما يجعلها أكثر ميلا للمطابقة مع الخطاب الشعري الذي يكتفي بظلال المعنى أو معنى المعنى وما تحيل إليه العلاقات بين الكلمات داخل النص وما تضفيه عليه الاستعارات والمجازات التي تملأ صفحة النص بأشكال من الإحالات التي تتطلب، كما في الشعر، تأويلا دائما.

وهو ما يجعلنا غير قادرين على قراءة القصة بوصفها أفعالا متتابعة في الزمان يمكن ملاحقتها ومعرفة صيرورتها وما تؤول إليه مصائر شخصياتها، وإنما نكتفي بهذا الوجود الشعري المكتفي بنفسه وغير المحدد في زمانه تحديدا كافيا ليكشف عن مرجعية واقعية ويستوثق من علاقات بشرية راهنة.

وهي حياة رأينا أن الكشف عنها يجري بطريقة تقريرية أحيانا على نحو يتحول معه النص إلى نوع من التسجيل لوقائع وأسماء وعرض لآراء لا يخفف من حدة مذاقها الواقعي عنصر السخرية الموجود في بعض طياتها، ولا النهايات الشعرية التي تحاول أن تستبدل الواقع الذي تعرضه القصة بكلمات محلقة على أجنحة الأمل، كما هو الحال في قصة (الكولي) خلفان الرويحي التي تسرد أجزاء من سيرة المناضل النقابي العماني خميس عبده، حيث تتحد الأصوات الجياشة للعمال في نهاية القصة مع صوت خلفان المحرّض والرافض:

لنا المستقبل الآتي

وزهر الحقل والمصنع

وأحلام سنخصبها

برغم الحاضر الموجع

وتتحلل نسيمات الصباح... ثمة أطفال يلعبون.... سواقي تكركر من المصب إلى المصب.... عيون تصافح العيون... ويمضي نهر الحياة الواعد العظيم......، على درب الجلجلة الواعد....

مفردات أسطورية

إن قصص أحمد الزبيدي تنزاح، على المستوى الفني، عن السنن القاصدة والقواعد المعروفة في الكتابة السردية. فهي قصص مهووسة بنوع معيّن من التعبير البلاغي الذي يشكل في مجموعه رمزا كليّا واستعاريّا ساخرا وقابلا للتأويل بأشكال مختلفة. وهو يمكن أن يتحول في بعض الحالات إلى برقع أو قناع شفّاف يكاد لا يخفي ما وراء جلدته من دلالات سياسيّة وفكرية واجتماعيّة وأيديولوجية. واستخدام المفردة الأسطوريّة اليونانيّة التي تتكرر، كما في بعض الشعر، بكثرة لافتة للانتباه في بعض هذه النصوص يبدو نابيا أحيانا، وغريبا عن سياق سردي من هذا النوع، ويشكّل تناقضا دلاليا مع طبيعة كتابة تحاول الغوص في لحم تربتها المحليّة، وتعكس ألوانها وتعرض خصوصيّاتها الجغرافية واللغويّة. مما يجعل بعض المفردات الأسطورية طافحة، مثل دمامل، فوق قشرة النص وغير قادرة على التلاؤم مع سياقه العام ولغته، أو هي تتحول، في أفضل الأحوال، من رموز مشعّة إلى مجرد إشارات مفردة وجزئيّة قد تومئ إلى ثقافة الراوي وقراءاته أكثرمما تطمئن رغبة القارئ إلى مزيد من الفهم والاستيعاب لما يحدث على صعيد الحكاية.

لاستلام اشعارات وعروض من صحيفة "الخليج"