الشراع الشمسي . . تقنية “الدفع من دون طاقة دفع”

تطور مسبوق في مفهوم الصعود إلى الفضاء
01:51 صباحا
قراءة 7 دقائق
إعداد: محمد هاني عطوي
لم يعد الإبحار في الفضاء بطاقة لا تنفد ضرباً من الخيال العلمي، فالسيارة التي تسير بالطاقة الشمسية كانت ذات يوم حلماً، ثم غدت حقيقة واقعية . وقبل 400 سنة تحدث الفلكي جوهانس كبلر عن هذا النوع من الإبحار في الفضاء لأول مرة، عندما لاحظ أن ذيول المذنبات تنتفخ بفعل الرياح الشمسية . والحقيقة أن الأبحاث والتجارب لا تزال مستمرة لتطويرهذه التقنية التي قد يقدر لها أن تغير جميع مفاهيمنا الحالية عن الطيران والفضاء . ويبدو أن المركبات الفضائية مشرفة على تطور جذري غير مسبوق، فبينما ظلت المحركات الصاروخية الوسيلة الوحيدة للصعود إلى الفضاء، من خلال قوة الدفع النفاث لمقاومة قوى الجاذبية الأرضية العتيدة، أصبح بالإمكان استخدام أشعة الشمس الرقيقة للحيلولة دون هذه القوى .
تعد المركبة الفضائية "كوزمس -1" التي أطلقت من غواصة روسية معلنة بدء عصر "الشراع الشمسي" أولى هذه التطبيقات . ويكمن الهدف من "كوزمس- 1" في استعراض أثر ضوء الشمس في مسار أية مركبة فضائية، ولن ينظر إلى المسافة التي تقطعها "كوزمس- 1" كمعيار للنجاح، وإنما سينظر إلى مقدار تعديل الشمس لمسار المركبة الفضائية . وتقنية الشراع الشمسي هي تطور غير مسبوق وجذري في مفهوم الصعود إلى الفضاء، إذ تعتمد على فكرة مقاومة الجاذبية الأرضية من خلال الاستفادة من أشعة الشمس الرقيقة، عن طريق عكس "فوتونات" الضوء الساقطة على ألواح خاصة، الأمر الذي يولد حركة في هذا اللوح حسب قانون نيوتن الثالث في الاتجاه المعاكس . يذكر أن وكالة "ناسا" الأمريكية قامت بصنع وإطلاق القمر الصناعي NanoSail-D الذي يدور في مدار منخفض حول الأرض يوم 20 يناير/كانون الثاني ،2010 وكان هذا القمر مزوداً بشراع عاكس رفيع جداً وبمساحة 10 أمتار مربعة . وتعتمد الأشرعة الشمسية الحديثة مثل NanoSail-D والمركبة الفضائية اليابانية البينكوكبية "IKAROS" على الطاقة الدافعة المستمرة لأشعة الشمس رغم كونها ضعيفة . المعروف أن عملية الدفع النفاث هي الطريقة التي المستخدمة حالياً عن طريق وقود "بروبرغول" الصلب أو "الأرغول" السائل اللذين تبلغ تكلفة نقلهما ملايين الدولارات، فضلاً عن ضرورة اللجوء إلى وسيلة الجاذبية المساعدة، أو الاندفاع بالجاذبية (وهو استغلال الحركة النسبية والجاذبية لكوكب أو أي جرم سماوي في تعديل مسار وسرعة مركبة فضائية، بغية تقنين عمليات الدفع، والوقت، والتكلفة . ويمكن الاستفادة من الجاذبية في تسريع، وإبطاء أو إعادة توجيه مسار المركبة الفضائية) .
ومن هنا نرى أن تقنية الدفع بالطاقة الشمسية (المصدر الدائم للبروتونات) هي الحل المثالي للتغلب على مشكلة نقل ونفاد الطاقة عبر المسافات البعيدة . وفي العادة تقذف الشمس ما يقارب المليون طن من البروتونات في الثانية وبسرعة تبلغ 450 كم في الثانية، ولو استطعنا من خلال الأشرعة الشمسية المحيطة بالمركبة والمزودة بخيوط معدنية طويلة مشحونة بشحنات موجبة التقاط هذه الكمية الكبيرة من البروتونات (المشحونة بدورها بشحنات موجبة أيضاً)، فإن ذلك سيولد في الفضاء ما يشبه المروحة العملاقة جراء تنافر الشحنات القادمة من الشمس وشحنات الخيوط الموجودة على المركبة الأمر الذي سيتولد عنه طاقة حركية قادرة على دفع المركبة بعكس اتجاه الشمس . وبما أن لكل فعل رد فعل مساو له في المقدار ومعاكس له في الاتجا،ه فإنه كلما انعكس "فوتون" دفع بدوره المركبة الفضائية ذات الشراع الشمسي في الاتجاه المعاكس ما يؤدي إلى زيادة سرعتها تدريجياً نحو الفضاء الخارجي . والحقيقة أن هذه التقنية الثورية تحدث عنها الفيزيائي بيكا جانهونن من المعهد الفنلندي لعلم الطقس قبل ثماني سنوات، حين كان يبحث عن وسيلة رخيصة ودائمة لمشكلة الوقود المستخدم على المركبات الفضائية . ومن المحتمل أن تتفوق تقنية مركبات الأشرعة الشمسية على الطيران بدفع الصواريخ يوماً ما، خاصة في الرحلات الطويلة، لأنها ستستمد طاقتها من مصدر لا ينفد ألا وهو ضوء الشمس كما أن قوة الدفع بهذه الطريقة تزيد بخمسين مرة عن قوة الدفع الصاروخي بالوقود . ومن التطورات المهمة لهذه التقنية أن الأشرعة الشمسة تكون حولها مجالاً مغناطيساً واقياً يمنع الشهب والنيازك الصغيرة من الاقتراب من المركبة والتسبب في عطبها جراء التصادم العشوائي في الفضاء . وفي العام 2013 توصل مهندسون في جامعة "هلسينكي" إلى تصنيع خيوط طولها كيلومتر واحد وبخيوط مكونة من 4 خيوط دقيقة ملحومة بتقنية الموجات فوق الصوتية (90 ألف نقطة لحام) . ويقول الباحثون إن مئة خيط من هذه الخيوط الرباعية ستوفر للمركبة قوة دفع مقدارها واحد "نيوتن" أي أقل بمليون مرة من محرك يعمل بوقود "الأرغول"، ولكن الهدف هنا لا يكمن في استخدام هذه القوة في الانطلاق من الأرض، ولكن في الحلول محل الوقود بعد الخروج من منطقة "الغلاف المغناطيسي" المحيطة بالأرض للدخول تدريجياً في أعماق الفضاء . ويشير الباحث الفرنسي بيير ليبرتون المتخصص في استكشاف الكواكب ذات الأغلفة الجوية إلى أن الشراع الكهربي الشمسي يمكننا من بلوغ الهدف، ولذا فمن الممكن أن يتم إرسال المجسات من هذا النوع إلى داخل الغلاف الجوي للجرم .
من جانب آخر، تقوم إحدى الشركات الأمريكية حالياً بالإعداد لإطلاق مركبة شراعية شمسية ضخمة أطلق عليها اسم "مركبة فضاء الإنسانية الأولى" لتنتقل بفعل قوة ضوء الشمس إلى فضاء النجوم الواقع خارج نطاق المجموعة الشمسية محملة برسائل أو صور أو حتى عينات من الحمض النووي "DNA" من أي شخص على الأرض يرغب في ذلك ومستعد لسداد الرسوم المطلوبة . وإذا عثرت هذه المركبة على مخلوقات في أي مكان آخر ضمن المجرة سيمكنهم الاطلاع على هذه الرسائل التي تمثل الجنس البشري بأكمله .
يمتد الشراع على مساحة تبلغ ربع مساحة ملعب لكرة القدم، ولذا لا تتولد عليه سوى قوة دفع قصوى لا تتجاوز 01 .0 نيوتن، أي ما يوازي وزن رزمة سكر صغيرة! وهو مغلف بمادة خاصة من ال"كابتون" بسماكة خمسة ميكرونات (الميكرون واحد من المليون من المتر) فقط . وكلما كانت المادة رقيقة، كان ذلك أفضل، فلدى طي الشراع فإن حجمه لا يتجاوز حجم الغسالة الكهربائية بزنة 32 كيلوغراماً فقط . وثمة أساليب تقنية للتحكم بالشراع ونشره بشكل ناجح . ويقول بيلي ديربيس، كبير المهندسين في هذا المشروع: يبدو أن "ناسا" حريصة على دفع تقنية الأشرعة الشمسية وتعميمها في الرحلات الفضائية المقبلة . وسيشمل ذلك إمكانية جمع الحطام الفضائي الدائر في مدار الأرض وإزالته، إلى جانب التخلص من الأقمار الصناعية التي انتهت مهمتها وإسقاطها، فضلا عن تأمين اتصالات مباشرة مع القطب الجنوبي للأرض . ويشير بارنز إلى أن هيئات خاصة غير حكومية أو رسمية تفكر أيضاً في استخدام الأشرعة الشمسية لأغراض السياحة والترفيه، بعد سبر إمكاناتها طبعا في هذا المجال . ومن الاستخدامات الأخرى لهذه الأشرعة إرسال البقايا والرماد المحترق للمتوفين، إلى الفضاء الخارجي، وهي خدمة تؤمنها شركة "سيليستيس" التابعة إلى شركة "سبايس سيرفيزيس" للطيران والفضاء . وسيكون جزء من هذه الحمولة رماد بقايا مخترع مسلسل "ستار تريك" التلفزيوني جين رودنبيري الراحل، وزوجته ماجيل باريت رودنبيري التي غالباً ما يطلق عليها لقب "السيدة الأولى" ونجاح مشروع الشراع الشمسي هو عامل مهم في إطار تمكين القيام برحلات فضائية استكشافية مقبلة والتي لا يمكن تحقيقها إلا بواسطة الأشرعة الشمسية، حسب ليس جونسون، المدير المساعد في مكتب الأفكار المتطورة الموجود في مركز "مارشال" للرحلات الفضائية في هانتفيل بولاية ألاباما . فإلى جانب استخدام مثل هذه التقنية لمراقبة الشمس، تدرس "ناسا" ستخدامها أيضا لزيارة الكواكب والكويكبات الصغيرة الشاردة القريبة من الأرض لأنه من الأمور المتعذرة استكشافها عن طريق الصواريخ ذات الوقود الكيميائي، كما قد لا نستطيع تحقيقها عن طريق الدفع الكهربائي، لكون هذه الأشرعة لا تستخدم وقوداً أو طاقة دافعة، بل إنها تستمد قوتها من الشمس، فمثل هذه الأشرعة، خاصة العملاقة منها، قد تمكننا في يوم من الأيام، من بلوغ النجوم، فيما وراء مجموعتنا الشمسية .
ويقول ليبرتون إنه اتفق مع زميله الفنلندي "بيكا" على إطلاق رحلة فضائية بالأشرعة الشمسية نحو كوكب "أورانوس" تستغرق ست سنوات علماً بأن هذا الكوكب لم تزره مركبة من قبل إلا مرة واحدة عندما زارته المركبة "فوياجير -2" في العام ،1996 ويضيف ليبرتون أن مخطط الرحلة إلى "أورانوس" سيكون على النحو التالي: ستنطلق المركبة المزودة ب50 خيطاً بطول 18 متراً بعد أن تكون قد بلغت منطقة الغلاف المغناطيسي للأرض بقوة تبلغ نصف نيوتن وستزداد السرعة تدريجيا لتبلغ 100 كم في الثانية، وفي غضون ثلاث سنوات سيبلغ المسبار كوكب زحل ومن هناك سينشر المسبار شراعه الشمسي مكملاً رحلته نحو "أورانوس" . وقبل ثمانية أيام من بلوغ الكوكب ستنفصل المركبة إلى نصفين: نصف سيهبط وسط الغلاف الجوي ل"أورانوس" ليرسل المعلومات، ونصف سيكون موجوداً على بعد 10 آلاف كم منه ليتلقى المعلومات ويرسلها إلى الأرض . ويقول الباحث الفرنسي فرانسوا روسل الذي يدرس التفاعلات التي تؤثر في الشراع الشمسي ضمن البلازما في مركز البحث الفضائي، معلقاً على سيناريو الباحثين بيكا وليبرتون: لا أرى أي عيب في هذا السيناريو من الناحية النظرية ولكن آمل أن أراه على أرض الواقع وبدون تعقيدات أثناء تحليقه في الفضاء الخارجي . ويعتقد روسل أن الإلكترونات المنبعثة عن الرياح الشمسية والمشحونة بشحنات سالبة ستنجذب على الخيوط المشحونة شحنات موجبة الأمر الذي من شأنه التقليل من كفاءة النظام كما أن نشر الخيوط في الفضاء من دون أن تتعرض للانكسار سيكون تحدياً تكنولوجياً كبيراً للشراع الشمسي . من جهته، يقول الباحث ليبرتون إن هذه المسألة يمكن الحيلولة دونها من خلال "مدفع للإلكترونات" تغذيه ألواح شمسية بالطاقة سيعمل على التقاط الإلكترونات القادمة نحو الخيوط وحرفها عن مسارها، إضافة إلى أن القدرة الكهربية للألواح الشمسية ستقل كلما ابتعدنا عن الشمس، ما يعني أن كمية الإلكترونات القادرة على بلوغ الشراع الشمسي ستقل مع زيادة المسافة . ومن المتوقع أن ينشر النموذج الأول الذي أطلق قبل سنة شراعه البالغ طول خيوطه 10 أمتار خلال الشهر المقبل، وسيتم شحنه بمئات الفولتات من أجل دراسة مقاومته الميكانيكية وسلوكه إزاء الجسيمات المشحونة في أعالي الغلاف الجوي . وسيتم اختبار نموذج لمركبة فنلندية تسمى "Aalto-1" بداية العام 2015 مزودة بخيوط يبلغ طولها 100 متر . ويشير ليبرتون إلى أن نشر المركبة لخيوطها في الرياح الشمسية هو الذي سيحدد فعاليتها بشكل نهائي .

لاستلام اشعارات وعروض من صحيفة "الخليج"