العيون الساخنة في إيطاليا متعة تتدفق

عرفتها الحضارة الرومانية وكانت ملتقى الساسة والشعب
01:34 صباحا
قراءة 8 دقائق

دأب الإنسان منذ القدم على استغلال الطبيعة لما يعود عليه بالنفع الجسدي أو المعنوي، وكثيراً ما ارتبطت هاتان الغايتان، فحقق الإنسان ما يصبو إليه من راحة جسدية وذهنية في آن معاً . والينابيع الحارة أحد أقدم الأماكن التي جمعت بين راحتي الجسد والذهن، وإيطاليا التي يحلو للأوروبيين تسميتها بحديقة القارة، حباها الله بطبيعة جذابة وأنزل فيها الأفلاج الحارة والينابيع الطبيعية الساخنة، فأقاموا عليها الأحواض وقاموا بتوسيع مجاري مياهها لتصب في برك، كما بنوا مجمعات كاملة توفر للشعب متعة الاستحمام في مياه ساخنة ومزاولة العلاج الطبيعي بالمواد التي تمنحها تربة الينابيع من معادن، فكانت رمز تقدم الإمبراطورية الرومانية ودلالة على عظمة حضارتها .

في التاريخ الحديث، حيث أصبح الأرق والضغط والإرهاق سمات العصر، بدأت أعين الناس تتوجه نحو هذه الينابيع لعلها تلقي بثقل الحياة في مياهها الساخنة وتعالج بها أرقها والآمها العضوية والنفسية، لتصبح الينابيع مرادفا للمشافي، ويقدم الناس زيارتها على مراجعة الطبيب .

يجزم علماء الآثار أن المنتجعات المائية في إيطاليا يعود تاريخها على الأقل إلى قرنين قبل الميلاد، غير أن هناك معالم تدل على وجود بقايا حمامات صحية في مدينتي كابوا وتيانو الواقعتين في إقليم كامبانيا حالياً يرجع أصلها إلى نهاية القرن الثالث قبل الميلاد، في حين أن عمليات إزاحة الرماد البركاني التي جرت خلال التاريخ المعاصر على منطقة بومبي والتي دمرها بركان فيزوف في عام 79 بعد الميلاد، أظهرت أن المدينة كانت تحتضن ثقافة المنتجعات الصحية زهاء 400 سنة قبل ميلاد السيد المسيح . وتوضح آثار المدينة المحترقة أن هذه المنتجعات كانت موزعة على الجنسين، فكانت هناك حمامات خاصة بالرجال وأخرى بالنساء، ويعد منتجع ستابيان أحد هذه التحف المعمارية الدالة على شيوع ثقافة العلاج الطبيعي بالمياه آنذاك .

والينابيع ليست دوماً حارة كالتي وجدت بقرب بركان فيزوف، إذ إن المسح الجيولوجي لعلماء الآثار أظهر أن الرومان قاموا ببناء المنتجعات المائية معتمدين على نظام تسخين معين، ولم تكن الينابيع الحارة هي الأشهر آنذاك، إذ تأخرت في الانتشار قياساً بالمنتجعات المائية ذات نظام التسخين الصناعي، والتي تقوم على اختيار موقع مشمس كشرط أساسي في تصميم الحمامات الصحية، فكانت الطاقة الشمسية المخزنة إلى جانب الطاقة المنبعثة من حرق الخشب الشرط الأهم في عملية تسخين المياه .

ويعتقد بعض الباحثين أن هذه المنتجعات شهدت تطورا تقنيا وانتشارا شعبيا مع تولي القيصر الروماني أكتافيوس عرش الامبراطورية، لأنه أوكل إلى الجنرال ماركوس أغريبا القائد الشهير في معركة أكتيوم التي هزمت فيها قوات الملكة كليوباترا، مهمة بناء زهاء 170 منتجعاً مائياً، احتضنتها عاصمة الإمبراطورية بحلول عام 30 قبل الميلاد .

ولم يقتصر بناء هذه الحمامات الصحية على العاصمة فقط، إذ كتب بلينيوس الفليسوف وعضو مجلس شيوخ الإمبراطورية الرومانية في مذكراته التي خلفها في القرن الأول للميلاد، أن هذه المنتجعات المائية لم تكن في روما أو المدن الكبيرة وحدها، بل تعدتها إلى الأرياف والقرى وباتت جزءاً من حياة الناس اليومية .

ومع انتشار هذا العدد الهائل وقتذاك من المنتجعات المائية، أصبحت ملتقى لسكان الإمبراطورية، لاسيما أن دخولها لم يكن يقتصر على شريحة بعينها، فكانت أبوابها مفتوحة أمام الجميع . وشيد إلى جوارها حلبات للمصارعة الرومانية وصالات لممارسة الرياضات التي عرفها القدماء، حتى إن بعض هذه الحمامات كانت تضم مسارح على الطراز الروماني تقدم عروضاً للمترددين عليها .

مع مرور الأيام، أخذت الحمامات الصحية تلعب دورا اجتماعيا وسياسيا في العهد الروماني، إذ كان السياسيون يلتقون فيها ويناقشون أمور الإمبراطورية، وبحكم الوقت الطويل الذي يستغرقه المكوث في الاستحمام، بنيت المكتبات بجوار المنتجعات، إضافة إلى المطاعم وحوانيت تبيع بضائع مختلفة، فأخذ المنتجع قالب المدينة الصغيرة أو الميدان الرئيس للسكان وألحقت بهذه الأحواض المائية جميع المستلزمات التي قد يحتاجها الإنسان .

وخلال التوسع الإمبراطوري للرومان، نقلت ثقافة المنتجعات الصحية مع جيش القيصر في البلاد التي غزاها، فكانت جيوش روما تبني العديد منها في مناطق مختلفة من أوروبا والوطن العربي، وخاصة في مصر وبلاد الشام، إذ استخدموها كأحد أساليب علاج ومداوة هؤلاء الجنود ثم توسعت لتشمل الطبقات البرجوازية . واليوم يقتصر وجودها في العالم العربي على كونها معلماً أثرياً، بينما الكثير منها لا يزل يؤدي الدور الذي شيدت من أجله في إيطاليا وأوروبا .

واستمرت هذه الحمامات مكاناً للترفيه، والاستحمام، والعلاج ونقطة التقاء طبقات الشعب حتى تاريخ سقوط الإمبراطورية الرومانية وبداية عصور الظلام الذي هيمن فيه النظام الكنسي البابوي على شؤون البلاد، وحظر رسمياً استخدام المنتجعات الصحية بدعوى أن الشفاء يكون عن طريق الصلاة والتضرع إلى الرب، واستبدل بالكثير من مباني المنتجعات كنائس وأديرة، الأمر الذي تراجعت معه ثقافة الاستحمام في هذه المنتجعات، واقتصرت على الطبقة الأرستقراطية التي قلما انصاعت لأوامر الكنسية أو لتنازل هذه الأخيرة عن تطبيق القوانين على الأثرياء خوفاً على المصالح المادية .

ومع بداية تقهقر الحكم الكنسي، عاد الناس تدريجيا إلى استخدام الحمامات وذلك في الفترة الواقعة ما بين القرنين الثالث عشر والسادس عشر، لكن ما لبث أن خفت حركة الناس عليها من جديد في أوج عصر النهضة، الذي انتشرت فيه معتقدات تربط بين العديد من العوامل المسببة للأمراض والاستحمام الجماعي في الأماكن العامة، فاجتنب الناس التردد على المنتجعات خوفا من العدوى التي تنقلها المياه .

ومع تطور الطب في مطلع القرن الثامن عشر، دشنت أبحاث كثيرة حول المياه المعدنية وفوائدها، وانكب العلماء على تحليل مياه العيون وفصل مركباتها وعناصرها، وكثيرا ما لجأ الأطباء إلى نصح المرضى بالتردد على هذه الحمامات، وغالبا ما كانت تعطى مياه مركبة من خليط جلب من عيون حارة مختلفة لهؤلاء المرضى .

في القرن العشرين، وتماشياً مع التطور في المجال الطبي والأبحاث العلمية، أخذت ثقافة التردد على المنتجعات الصحية من أجل العلاج في الانتشار بين الناس، فهذه العيون الطبيعية تحتوي على نسب عالية من كبريتيد الهيدروجين، إلى جانب المعادن الأخرى، إذ أثبتت التجارب المخبرية فوائدها على صحة الإنسان وقدرتها على علاج الكثير من الأمراض مثل الآم المفاصل والأمراض الجلدية، كما أن لها تأثيراً إيجابياً في العين ونبضات القلب وحركة هيكل الجسم بوجه عام .

والاستفادة من خيرات الماء الذي يوجد في هذه العيون الحارة، ظهرت في مشروعات استثمارية تعود إلى القرن الخامس عشر، حتى بدت في أوجها أيامنا المعاصرة، إذ أقيمت المئات من الفنادق بالقرب من الينابيع التي تتفجر مياها كبيرتية، وسخر الإنسان ما وصل إليه من علوم في استغلال هذه الينابيع، فبنى مجاري صناعية وحفر بحيرات تمتلئ بهذا النوع من الماء، كما ألحق بها مرافق علاج طبيعي وصالات رياضية، فأصبح الزائر لها أمام برنامج صحي متكامل، يبدأ من استحمام في المياه الحارة، مرورا بالجلوس في غرف الساونا التي تدفأ من خلال مرور ذات المياه حولها، منتقلا بعدها إلى غرف للعلاج بالطين الذي جلب من التربة الكبريتية، فيوضع على الجلد وهيكل الجسم لساعات، قبل أن ينتهي بحمام دافئ وجلسة تدليك بواسطة خبراء في العلاج الطبيعي، غالباً ما يستخدمون زيوتاً مشتقة من تربة العين الحارة في العلاج .

وهذه الرحلة العلاجية أصبح لها في نفس الناس مكانة مهمة، وكثر معها الطلب عليها، وبالتالي الاستمرار في بناء وتشييد نزل فندقية ومنتجعات علاجية بجوار الينابيع الحارة، فأصبحت إيطاليا تبدو كعاصمة لهذا النوع من المنتجعات التي تحتضن المئات منها .

ساتورنيا ملحمة جمالية

في قلب إيطاليا، وسط تلال ماريما، توجد ينابيع ساتورنيا التي تنحدر من أعلى الهضاب وتتدفق وسط سهول خضراء في مشهد يسر ناظريه .

يتفاخر سكان منطقة الينابيع بأن مياههم العذبة الدافئة جاء ذكرها في الملاحم القديمة، إذ تقول الأسطورة إن إله الزراعة عند الرومان ساتورنيو غضب من البشر الذين يتقاتلون دوماً ويدخلون في حروب مع بعضهم بعضاً بلا انقطاع، فأنزل بهم إله الزراعة صاعقة فجرت بركاناً من الحمم النارية، في مشهد مريع جعل الناس تتسمر في مكانها رعباً وتنسى حروبها، متكاتفة في محنتها أمام لعنة ساتورنيو، فانتهوا عن القتال وعاشوا في مودة، ليرضى عنهم إله الزراعة ويكافئهم بتفجير مياه دافئة في ارضهم ليستحموا فيها ويسقوا حرثهم .

اليوم، وبعد ملايين السنين، يصر سكان المنطقة على أن يخلدوا أسطورتهم، بضمان إبقاء العين الحارة ملتقى ترتخي فيه أعصاب الناس وتسود بينهم المحبة، فأقيم مجمع صحي متكامل، يظهر من خلال تخطيطه المعماري وأثاثه إلى جانب الإنارة حرص القائمون عليه على جعله مكاناً أشبه بدائرة مغناطيسية، تمتص كل آلام الجسد الذهنية منها والعضلية وتبث محلها طاقة إيجابية مفعمة بالحياة الصحية والمشرقة في آن معاً، فنجد حمامات سباحة زودت بمياه النبع الحارة والتي تصل إلى 37 درجة، إضافة إلى قاعات للعلاج الطبيعي والتدليك بمواد طبيعية جلبت من تربة النبع، هذا إلى جانب نزل للإقامة وملعب غولف .

بيتريولو عناق الماء والشجر

يصف البعض بيتريولو بقطعة من الجنة، وبخلاف العيون الأخرى، بقيت هذه العين على حالها ولم تتدخل فيها أصابع المعمار الحديث، فظهرت في طبيعتها متحلية بثوب بدائي أقرب إلى القلب . وبتريوليو ذكرها الفيلسوف الروماني شيشرون في إحدى خطبه التي تعود إلى ما قبل الميلاد، فالعين التي تتفجر من الأرضة متدفقة مياهاً تصل حرارتها إلى 47 درجة مئوية، كانت منذ الأزل مكانا محببا لسكان إقليم توسكانا، وفي عصر النهضة بني على ضفاف نهرها منتجع ذو طراز معماري يحمل بصمات عصر النهضة . واليوم، ولحسن الحظ، بقي هناك قسم على حاله، مفتوح للعامة في حين دشنت مجموعة فندقية منتجعا ونزلا على الضفة الأخرى، ليترك المجال مفتوحا أمام الناس، فمن أراد أن يستحم في العين وسط الصخور والشجر كان له ذلك ومن أراد أن يستفيد من مائها الحار داخل حوض سباحة حديث وفي أجواء الرفاهية الفندقية كان له ذلك أيضاً .

في القسم التجاري، إن صح التعبير، هناك من يقوم ويشرف على العلاج الطبيعي مستخدماً طيناً من تربة العين، أما في الجزء المفتوح للعامة فترى الناس وهي تغرف من قاع العين طينها وحجارتها، لتمسح بها أجسداها وبشرتها، حيث تفوح رائحة الكبريت من المياه التي تحتوي على الكالسيوم والفلوريد وايونات الكلوريد إلى جانب كبريتيد الهيدروجين .

إيسكيا البركانية جزيرة الكنوز

إيسكيا هي الجزيرة البركانية التي تقع في خليج نابولي وعلى بعد 30 كيلومتراً في عرض البحر من مدينة نابولي، تحتوى هذه الجزيرة على عيون ساخنة ذاع صيتها منذ القدم، فقد جاء ذكرها في الملحمة الإغريقية الشهيرة الإلياذة لهوميروس والتي تروي قصة حصار مدينة طروادة ما بين القرنين السادس والسابع قبل الميلاد، كما تشير وثائق عديدة إلى أن قدماء الإغريق ومن بعدهم الرومان بجلوا مياه الجزيرة الحارة، التي احتلت في كتاباتهم وحياتهم مساحة مميزة، ولطالما تباركوا بمائها، واعتبروه علاجاً لكثير من الأمراض ومطهراً للجسد، إضافة إلى استخدام طين تربتها في صناعة المراهم والكمادات .

ورغم ذلك، فإن حال هذه الينابيع الساخنة لم تكن سارة دوماً، إذ عاشت فترات ذهبية وأخرى مهملة على مر التاريخ، ولا سيما بعد أن أصابتها الزلازل عدداً من المرات . بيد أنه مع بزوغ شمس القرن التاسع عشر، عادت الجزيرة بينابيعها وشلالاتها إلى لعب دور ريادي في مجال العلاج الطبيعي بشكل خاص، والسياحة بشكل عام، وأصبح يطلق عليها جزيرة الكنوز، حيث بنيت عشرات المنتجعات والحدائق التي تمر بها أفلاج من المياه الحارة وتتدفق متقاطعة أحياناً ومنهمرة من أعالي الكهوف أحياناً أخرى، كما أضاف سحراً إلى سحرها الرباني تدخل الإنسان بما وصل إليه من علم في مجال العمارة والتخطيط الهندسي، فأقام مجاري صناعية تحمل المياه الحارة إلى كل مكان في الجزيرة، يكفي فقط أن يشتهي الإنسان الماء فيجده إما متساقطاً من قمة هضبة أو ماراً في جدول أو متجمعا في مسبح أو حتى متدفقا من ماسورة استحمام عادية.

لاستلام اشعارات وعروض من صحيفة "الخليج"