يعد الدكتور أحمد أمين المدني أحد أهم رواد الثقافة الإماراتية المعاصرة الذين حملوا هَمَّ النهوض بالثقافة المحلية وإدخالها في مناخ العصر، وعياً ورغبة منهم بضرورة التعرف والاطلاع والتمازج مع الثقافات العربية والعالمية وما تشهده من نقلات وتطورات، وسعياً للتجديد في الأجناس الفنية والأدبية كافة.
المدني واحد من أكثر الشعراء والمثقفين الذين تركوا أثراً في الساحة الثقافية الإماراتية، نظراً لتعدد المجالات المعرفية التي كتب وبحث فيها، إضافة إلى أسفاره الكثيرة وعيشه في أكثر من بلد عربي وأجنبي واحتكاكه بكبار المثقفين والعاملين في المجال المعرفي فيها.
ولد الشاعر في منطقة ديرة في دبي في عام 1931، ودرس في المدرسة الأحمدية وفق النمط التقليدي الذي كان سائداً في الثلاثينات والأربعينات، وبعد هذه المرحلة البدائية من التعليم أخذ المدني يشتغل على تثقيف ذاته من خلال الصحف والمجلات والكتب الأدبية والفكرية التي كانت تصدر في مصر ولبنان والعراق، فقد كان شديد النهم للعلم وطلبه، ورغم قسوة الحياة التي كان يعانيها في حينه، لم توهن هذه العوامل عزيمته بل انبرى متحدياً لها فخرج إلى البصرة فبغداد حيث المدارس والجامعات مكملاً دراسته الثانوية وملتحقاً بكلية الشريعة، وهناك أمضى فيها أربع سنوات متخرجاً في إجازة في علوم الشريعة واللغة العربية، ثم انتقل إلى جامعة أدنبرة ليدرس التاريخ الحديث، ويلتحق بعد ذلك بجامعة كامبردج للتحضير لشهادة الدكتوراه وكان موضوعها: «فكرة التوحيد في الإسلام» وبذلك كان أول طالب من الإمارات يحصل على مثل هذه الشهادة في عام 1967، ودرس كذلك الفرنسية وآدابها في جامعة السوربون.
استفاد المدني من فترة وجوده في بريطانيا، فقد التقى بالمؤرخ الكبير أرنولد توينبي والشاعر ت.س.إيليوت، والتقى بالفيلسوف برتراند راسل والناقد فورستر، وغيرهم. وانخرط بعدها لأول مرة في الحياة العملية فعين مدرساً في بغداد، وأخذ يتصل بالحياة الأدبية العراقية عن كثب ناشراً قصائده الأولى في الصحف العراقية، وقد فازت واحدة من قصائده في مسابقة نظمتها صحيفة «فتى العراق»، كما اتصل بأبرز شعراء الحداثة في العراق والوطن العربي أمثال بدر شاكر السياب، وبعد ذلك عاد المدني إلى الإمارات العربية المتحدة، ودخل ميدان العمل فتنقل بين عدد من المهام الوظيفية التي لم يكن يمكث في أي منها أمداً طويلاً، فقد عمل مدرساً في المدرسة الصناعية في الشارقة ومذيعاً في أول إذاعة تفتح في الإمارات وهي «إذاعة صوت الساحل» في منطقة المرقاب في الشارقة، ثم أميناً للمكتبة العامة التابعة لبلدية دبي، ثم فتح أول فصول محو الأمية في العام 1970، وعمل أيضاً في مجلة «الأمن» التي تصدرها قيادة شرطة دبي.
إضافة إلى ذلك كتب المدني في كثير من الصحف والمجلات العربية داخل الإمارات وخارجها منها مجلة «الآداب» البيروتية، وفي صحف العراق مثل: فتى العراق، العاصفة، الأهالي، القبس، الزمان، وفي لبنان: الأديب، والورود، وفي المجلات المصرية كالرسالة ومجلة الشعر، وفي المغرب العربي كمجلة الفكر التونسية، وفي سوريا كمجلة الضاد، أما في الإمارات ، فقد كان من أوائل من كتبوا في مجلة «أخبار دبي» ثم في صحف الخليج والاتحاد والبيان والفجر.
ويبقى عطاء المدني الكبير في مجال الشعر، حيث وضع بصمة وأثراً كبيراً في الحياة الشعرية الإماراتية المعاصرة باعتباره رائد التحديث في شعر الإمارات، وعاملاً أساسياً لانتقال حركة التجديد وشعر التفعيلة، وفتح الباب على مصراعيه لحركة الشباب في التأثر بالحداثة الشعرية، إضافة إلى كونه شاعراً متقناً وعالماً بصنعة الشعر ومجيداً في الأساليب والموضوعات والطروحات والمشاعر الدفقة والجياشة وشاعراً مرتبطاً بأرضه وتراثه ومعبراً عن حال مجتمعه، وقد كتب الناقد الأردني يوسف ضمرة قائلاً: «إن اللغة الشعرية عند المدني وسيلة استبطان واكتشاف، ومن غاياتها الأولى أن تثير وأن تحرك، وأن تهز الأعماق وتفتح أبواب الاستباق، إنها تيار تحولات يغمرنا بإيحاءاته وإيقاعه وبعده، هذه اللغة فعل، نواة حركة، خزان طاقات، والكلمة فيها من حروفها وموسيقاها، ولها وراء حروفها ومقاطعها دم خاص ودورة حياتية خاصة».
أصدر المدني ثلاثة دواوين شعرية كان أولها: حصاد السنين عام 1968 وكان باكورة إنتاجه الشعري وفق شعر التفعيلة، أو ما عرف بالشعر الحر، وكان أيضاً باكورة الشعر الحر لدى شعراء الإمارات العربية، وأشرعة وأمواج عام 1973، ثم الديوان الثالث: «عاشق لأنفاس الرياحين» عام 1990، وقد كتب المدني في مقدمة ديوانه «حصاد السنين» معبراً عن رأيه في الشعر وفلسفته، وفي شكل صياغته وأسلوب قرضه، قائلاً: «إن كسر أسلوب الشطرين منح الشعر الحديث حرية كبيرة في التعبير عن التجربة الشعرية، ولعل القافية الموحدة تعينه في بعض الأبيات لالتقاط المعنى المجرد، ولكن تفقد أهم عناصر الفن الشعري من ظلال وموسيقى، وجمال موح، وانفعال شعري، واتباع الطريقة القديمة في القافية المركزة العمودية تضطر الشاعر إلى أن يستعيض عن كلمة فيها دفق وحرارة بكلمة باردة جافة».
ويضيف: «ولا يخفى على القارئ المطلع أن المفهوم الشعري قد تطور في عصرنا تطوراً بعيداً، فلم يعد الشعر ملهاة وتسلية لكل فارغ، ولم يعد الشعر صناجة تزعج الناس برنينها وطنينها، بل أصبح الشعر بعد ليل من الاجترار والتقليد، رؤية إنسانية، وأصبح الشاعر إنساناً ذا رؤية فنية عالية تعززه خلفية ثقافية جامحة بين قديم الأدب وحديثه. ويتمتع باطلاع واسع على تيارات الفكر في عصره في اتجاهاته الشتيتة».
وعلى الرغم من أن المدني كان من أوائل الشعراء المحدثين والداعين إلى كسر القوالب التقليدية، لم يكن على قطيعة مع الشعر المقفى والموزون، فقد كتب الشعر الكلاسيكي وشعر التفعيلة وقصيدة النثر، كما كتب البطاقة أو الومضة الشعرية، وحرص على إبراز وتصوير الموقف والحالة الشعورية والانطباعات داخلياً وخارجياً عبر أدوات فنية تؤكد شاعريته وترسم قصيدته الدافقة بالسحر، ولم يكن يؤمن بمذهب شعري معين ولايرغب بتأطير نفسه في إطار مذهب يقيده ويلتزم به، ويقول المدني في هذا الصدد: «يعود اختياري لهذا المنهج في تصوير تجاربي الشعورية إلى محاولتي الدائبة في أن أكون عفوياً في التعبير عن تجاربي، فهي تملي علي نوع الشكل الذي تتبلور فيه، ولا يكون موقفي من هذه اللحظات الشعورية إلا الانقياد سواء جاءت في أوزان شطرية موحدة القافية أو متنوعة أو حرة».
أسهم المدني في الحياة الثقافية في دولة الإمارات العربية المتحدة من أوسع أبوابها، فقد كتب عدداً من الدراسات، ووضع عدداً من الكتب، وحاضر في كثير من الندوات ولم يتوقف نشاطه العلمي على ميدان الشعر فقط، وإنما كانت له مساهماته الكثيرة في البحث والأدب والمجتمع وغير ذلك من الشؤون الحياتية التي عاصرها ومن مؤلفاته: فكرة التوحيد في الإسلام، شعراء الإمارات المعاصرون، دراسات في الشعر الأندلسي، التركيب الديني والاجتماعي وقد نشره في العراق، دراسات في الفلسفة، دراسة عن الشعر النبطي في الإمارات باسم: الشعر الشعبي في دولة الإمارات العربية المتحدة.