البعد التعبيري عند القاصّة ليلى سالم الصمّ

قصة "القطار" أنموذجاً
05:32 صباحا
قراءة 8 دقائق

تنتمي القاصة ليلى سالم الصم إلى الجيل الجديد، إذ نشرت لها دائرة الثقافة والإعلام في الشارقة أول إصدار لها ضمن سلسلة إشراقات التي تعنى بهذا الأدب الواعد عام ،2005 وهي مجموعة قصصية حملت عنوان أجزائي المتساقطة . ولعل أول ما يلحظ على أسلوب القاصة في المجموعة أنها تسعى إلى تجاوز عتبات الرؤية الواقعية في معالجة نصوصها السردية وبنائها، إذ جاءت تلك النصوص متوزعة بين نصوص واقعية تعالج هموم الإنسان وطريقة عيشه وطموحاته، وأخرى جاوزت الواقع إلى المتخيل والغرائبي، الذي ضم عدداً من المستويات كالعبثية والفانتازية والتعبيرية والحكاية الخرافية التي أريد لها أن تحمل دلالة رمزية .

تفاوتت هذه النصوص في قدرتها التعبيرية على بناء عالم فني محكم، مثلما تفاوتت في إيصال دلالتها الإيحائية إلى المتلقي، لتبقى في إطار بنية الحكاية البسيطة تارة أو دائرة البناء السردي غير المحكم أو المتفلّت من شروط تقديم بنية عالم فني متسق، تتضافر عناصره وأجواؤه ودواله لاجتراح الدلالات الرمزية .

وأغلب الظن أن عدم قدرة بعض نصوص القاصة على الوصول إلى القارئ يعود إلى افتقار رؤية القاصة إلى الوضوح وتشوش المعالجة الفنية التي اختارت مبكراً الدخول في مباشرة عوالم الوهم والتجريب .

وإذا كان من الصعب الحديث عن حضور أساليب السرد الحديثة لدى القاصة وهي في بداية مسيرتها الفنية، فإن بالإمكان الإشارة إلى نجاح القاصة في تقديم قصص ذكية، عالجت هموماً مختلفة في حياة الرجل أو المرأة، في محاولة للتعبير عن حاجة كل منهما إلى الآخر وجدب هذه الحياة من دون تحقيق ذلك قصة الانفجار السكاني، وقصة ظل وقصة الفارة، وقصة العشبة، وقصة القطار، فضلاً عن سعيها إلى التعبير عن غربة المبدع ورجل العلم وسط مجتمعه . قصة مقبرة العظماء، وقصة موت كاتب، وقصة العائد الغريب . كما رأينا محاولات ناجحة في توظيف عنصر المفارقة في أكثر من قصة للقاصة، واتسام لغتها بالبساطة وعالمها القصصي بالبناء الموجز الذي غلب على عموم سردها ووسمه بطابع قصر النفس، وإن كان ذلك لا يحول دون الإشارة إلى ضرورة ابتعاد القاصة عن تبسيط عالم السرد إلى حدود النكتة قصة عمى الاتجاهات، وعن اللجوء إلى المبالغة في معالجاتها ولا سيما في نمو الحدث القصصي الذي يصل إلى مستويات دراماتيكية أحياناً . قصة إسعاف .

لقد آثرنا اختيار قصة القطار التي ضمتها المجموعة نموذجاً للقراءة، وهي قصة لا تزيد على الصفحة من القطع الكبير كثيراً، ويرجع سبب اختيارنا لهذه القصة إلى تميزها، بنية ودلالة تعبيرية، ونجاحها في توظيف اللغة والدوال توظيفاً موحياً على الرغم من قصرها الشديد .

تعتمد القاصة في قصتها أسلوب سرد حكائي مبسط يكاد يأخذ شكل السرد الحكائي المروي على لسان طفل، ومن خلل إدراكه للأشياء والعلاقات، متخذة من الراوي المشارك في الأحداث طريقة وحيدة لتقديم قصتها .

لكن هذا السرد الطفولي الخداع سرعان ما يكشف لنا في مقطع القصة الأخير عن مستوى آخر مضمر فيه، لا يكاد يبين إلا من خلال بعض اللوازم الجزئية الدالة عليه، ومنها مستوى وعي الراوي المعبر عنه في مستوى الخطاب اللغوي للمقطع والقرينة اللغوية المضمرة العابرة التي تنبهنا على حقيقة أن السرد القصصي إنما يعود لراو ناضج وليس طفلاً، وأن ما تقدم من مقاطع سردية سابقة على المقطع الأخير لا تعدو كونها استحضاراً من الراوي الناضج هذا، بلسان الطفل وعينيه، وفي هيئة استذكارات أو تداعيات ذهنية أريد لصوتها أن يرتفع ليصل إلى المتلقي، مثلما أريد لها أن تجسد الوعي الطفولي والذاكرة البريئة في مرحلتها التاريخية تلك، لأننا من دون ذلك سنضطر إلى افتراض وجود صوتين وراو يمثل مرحلتين زمنيتين، هما مرحلة الطفولة وما بعدها، وهو افتراض لا يستقيم فنياً .

تتلخص فكرة القصة في رؤية الطفل ذلك القطار الذي يقطع قريتهم، صباح مساء ويهب لملاقاته ممنياً النفس أن يحمله معه إلى العوالم المجهولة التي يقصدها، لكنه يفاجأ بعدم وقوفه في قريتهم، ويفكر مع نفسه في حمل حقيبة بيده، فلربما لا يتوقف القطار إلا لهؤلاء الذين يحملون مثل هذه الحقائب، وهو أمر يجعله يهرع إلى حقيبة أخيه الدراسية ليملأها كتباً ودفاتر وأوراقاً وحصى جعلتها ثقيلة، لكنه يفاجأ ثانية بمرور القطار من دون توقف، تاركاً له دخاناً أسود يملأ الفضاء .

أما الخطوة الثالثة التي يقدم عليها الطفل، فهي خطوة السؤال الذي من شأنه أن يقود إلى المعرفة . فيختار الطفل أباه ليستفهم عن سر عدم وقوف القطار في قريتهم، ليجيبه الأب بأن السبب يعود إلى عدم وجود محطة للقرية، يمكن للقطار أن يتوقف فيها . لكن الأب يعجز عن إيجاد جواب مقنع لسؤال طفله الذي يبادره ببراءة قائلاً له: ولم لا نعمل للقطار محطة في قريتنا؟

إنها الأسئلة الواضحة جداً والبسيطة جداً، لكنها العصية على الجواب في كثير من الأحيان .

فما هذا القطار الذي احتل هذه المكانة كلها ومنح القصة اسمه؟ وهل هو محض قطار واقعي أريد للطفل أن يدرك سبب عدم توقفه في قريتهم حقاً؟

علينا كيما نحقق قراءة كفيلة بالإجابة عن سؤال كهذا أن ندقق في طبيعة البناء السردي ولوازمه، وأساليب الصوغ اللغوي وطرائق توظيف موجودات الفضاء السردي وأشيائه الدالة .

علينا في البدء أن نلحظ ذلك التعلق الحميم للطفل بالقطار، إذ نلمس ذلك منذ السطور الأولى للقصة حين يهب الطفل لملاقاته، ولا ريب في أن كلمة يهب التي جاءت ضمن سياق (وأنا أهب لملاقاته) تختلف في دلالتها هنا عن كلمات عادية لا تعبر عن واقع الشوق والإصرار والسرعة التي تميزها من كلمات أخرى مثل: يقوم، ينهض، يذهب، يتهيأ، يؤكد هذه الدلالة حركة الطفل المعبر عنها بالقول (أترك كل شيء وأستقبل السكة)، كما تؤكده تلك المشاعر الداخلية المتأججة لدى الطفل التي عبر عنها السياق السردي في هيئة أمنيات دفينة حملها الطفل بين جنباته مرة، ورغبته في (أن يأخذه القطار معه) مرة أخرى . إلى جانب الحركة المعبرة عن شوق الطفل وحبه للقطار ممثلة في عبارة (ولوحت له) أو تلك المعبرة عن حالة الخيبة المؤكدة لعمق مشاعر الحب لدى الطفل تجاه القطار أيضاً (عدت إلى البيت حزيناً) .

يمكن كذلك ملاحظة بدء القصة بقذف الراوي لنا في قلب القصة مباشرة ووضعنا في مواجهة رؤية الطفل لما يستأثر باهتمامه ويسيطر على ذهنه ووجدانه في لغة سرد متقطعة سريعة قصيرة المقاطع، تحاكي في انطلاقها لهفة الطفل وشوقه لإبلاغ مشاعره للمتلقي .

في مقابل هذا تأتي الصيغ المضادة التي تصور موقف القطار من الطفل معمقة من الشعور بالخيبة لديه، ومؤكدة تأجج عاطفته تجاهه، من خلال عبارات، مثل:(لكن القطار يأبى)، و(من دون اكتراث)، و(لكن القطار لم يتوقف ليأخذني معه) . لكن السؤال الحري بالإجابة عنه هو: ما هذا القطار؟ أهو قطار عادي حقاً؟ أم أن في بنية النص وطرائق صوغه ولغته وإشاراته ما يعيننا على مباشرة قراءة ثانية أقرب إلى روح النص وشيفرته الدلالية؟

الحق أن السياق الذي يمكن أن يقودنا إلى التحول عن القراءة المباشرة السطحية إلى القراءة التي تستهدف البنية العميقة للنص إنما تبدأ من موقف عجز الأب عن الإجابة عن سؤال الطفل البسيط: لماذا لا نعمل محطة للقطار في قريتنا؟

إن إمساك الأب عن الإجابة على سؤال بسيط كهذا يبدو مقصوداً هنا، لتوجيه السرد وإكسابه بعداً تعبيرياً يتجه به بعيداً عما يمكن أن يقف بالقراءة عند حدود مستواها الظاهري، فما هي القراءة التي يجترحها هذا الصمت؟

إن القيمة التعبيرية للسياق إنما تتركز في اللغة السردية التي تمتع بها النص وعبر فيها عن إمكانات دلالية أكسبته أهميته الواضحة . لذا فإن علينا متابعة طرائق الصوغ اللغوي وصور الوصف التي وظفت لإنتاج الدلالات التعبيرية، فعلى سبيل المثال يرسم النص علاقة للقطار تتجلى في كونها علاقة قطيعة وانفصال أكثر منها علاقة تواصل ولقاء، فمرور القطار بالقرية مثلاً يأتي (ليخدش سكون القرية)، ولعل الخدش هنا يكتسب، خلافاً لدلالته المباشرة، معنى إيجابياً بحكم اقترانه بمفردتي السكون والغفوة الملازمتين له، يدل على هذا أن (الخدش) هنا يتسبب في جعلها تتململ متأففة، والتأفف يحدث هنا بسبب ما ران عليها من سكون وغفوة، كما نلحظ هذه اللغة الوصفية للقطار تخرج عن حيادها التركيبي، لتكتسب دلالة مقصودة تجعل من علاقة القطار بالقرية علاقة غير ودية حين يبدو غير مكترث بالقرية (من دون أن يكترث بي، أو بالقرية)، يضاف إلى حالة عدم الاكتراث بالقرية التي يبدو عليها القطار ذلك التكرار لصورة ما يقذفه القطار في فضاء القرية من سحب الدخان الأسود، وما يعبر عنه من دلالة على التلويث: (ويلوح لي مودعاً بمنديل أسود من الدخان . .)/ (ودخانه يلون سماءها الصافية بالسواد) .

تكتسب لغة السرد في القصة وظيفة مواربة في دلالتها، إذ تتجه صوب الدلالة الضدية، فكما لحظنا من مغادرة الفعل (خدش) لدلالته السلبية إلى دلالة إيجابية بحكم السياق وعلاقاته، فإن تلوين القطار سماء القرية الصافية بالسواد لا يحمل دلالة على الفعل السلبي، بقدر ما ينطوي على معنى التهكم أو السخرية من هذا الصفاء . إن (الصفاء) هنا أقرب إلى لون السذاجة، تماماً ك(السكون) الدال على الجمود والثبات الذي تنعم به القرية .

يخبرنا المقطع الأخير المروي بأسلوب المتكلم، على لسان راو واع ناضج في إدراكه للعلاقات، هو غير الطفل الذي يبحث عن إجابة لسر عدم توقف القطار في قريتهم من أبيه، يخبرنا بأن القطار ظل يخترق عالم القرية ذاهباً عائداً مرتين في اليوم، لكن من بعيد ومن دون أن يتوقف فيها، لتبقى ساكنة في حركتها، غافية على حالها، صافية في سمائها، لا تسمع سوى صوته ولا تتلقى غير دخانه الأسود المقذوف في عالمها، أما هو فيظل يتابع مسيرته بلا اكتراث بالقرية وأناسها وطفلها المتحرق شوقاً للقاء والركوب والسفر .

لكن ما معنى السفر هنا؟ إنه في الأرجح ليس السفر المكاني بقدر ما هو تشوّف نحو العوالم البعيدة التي ألمح إليها المقطع الأخير في القصة، وتطلع إلى ما لم يعرفه سكان القرية الغافية الساكنة الصافية التي لا يبدو أنها ستغير من عاداتها ما دام القطار الذي يمر بها لن يأخذ أهلها إلى تلك العوالم- الحلم .

لقد بدا القطار رمزاً لتلك الوسائل الحداثية التي من شأنها أن تنقل الإنسان من حال إلى حال، موفرة له مهمة الاتصال بالآخر البعيد المجهول وميسرة له سبل الكشف والتفاعل والفهم، إنها إذاً إشكالية القرى وأناسها الذين تم إهمالهم وحال الزمن دون تواصلهم مع العوالم وتفاعلهم مع الآفاق المجهولة لتحقيق التقدم المنشود والأحلام المجهضة في ارتياد الجديد .

"القطار"

قصة: ليلى سالم الصم

يأتي القطار مصفراً من بعيد ليخدش سكون القرية . القرية الغافية تتململ متأففة، وأنا أهب لملاقاته، أترك كل شيء وأستقبل السكة لعل القطار ينصاع لأمنياتي الدفينة ويأخذني معه، لكن القطار يأبى إلا أن يتابع مسيرته من دون أن يكترث بي، أو بالقرية، ويلوح لي مودعاً بمنديل أسود من الدخان المتصاعد من فوق رأسه .

في إحدى المرات قلت ربما أنه لا يتوقف إلا للمسافرين الموسومين بالحقائب، خطفت حقيبة أخي المدرسية وحشوتها كتباً ودفاتر وأوراقاً وحصى، حتى أصبحت ثقيلة على كاهلي الصغير، وعندما صفر القطار هرعت إلى السكة وحملت حقيبتي باليد المواجهة للقطار، ولوحت له بالأخرى ولكن القطار لم يتوقف ليأخذني معه، عدت إلى البيت حزيناً .

قلت لوالدي: لأن في قريتنا لا توجد محطة للقطار

قلت لوالدي: لماذا لا نعمل محطة للقطار في قريتنا؟

سكت والدي وتركني حائراً من دون جواب .

يأتي القطار ويذهب كل يوم إلى عوالم بعيدة . والقرية لا تزال ساكنة ولا تعرف شيئاً عن تلك العوالم التي يسافر إليها، أو حتى عن القطار نفسه سوى أن صفيره المتهدج يعض مسامعها صباح مساء، ودخانه يلون سماءها الصافية بالسواد .

لاستلام اشعارات وعروض من صحيفة "الخليج"