الأديبة شيخة مبارك سيف الناخي، شاركت في المشهد الثقافي المحلي، وكان قلمها صوتاً لافتاً للأنظار، عبر تفاعله مع قضايا المجتمع ومسائله المتعلقة في الزواج وغلاء المهور، في أولى خطواتها القصصية «الرحيل»، التي امتطت بها صهوة كتابة القصة بموهبة طموحة، وإرادة من الصعب السيطرة عليها، دفعتها للمضي قُدماً في الحراك الثقافي الناهض في فضاءات الإمارات، وإمارة الشارقة الثقافية على وجه الخصوص، إذ حرصت كل الحرص على توثيق علاقاتها، من خلال سيل مساهماتها، مع مؤسسات الدولة الثقافية ومدارسها كافة، فضلاً عن وزارة الثقافة وتنمية المجتمع، وخلال هذا الحوار، نتعرف أكثر على مكنون شخصيتها الملهمة التي تتجاوز الحدود، ومدلول الكلمات:
} كيف تقيّمين الحركة الثقافية في الدولة في الوقت الحالي؟
- الحراك الثقافي في الإمارات فاعل ونشط، وهناك مبادرات متميزة وخطوات رائدة نلمسها ونعيش أحداثها ووقائعها تسهم في الحراك المجتمعي الناهض، إذ يأتي هذا الحراك استكمالاً للمشروع النهضوي، الذي قامت عليه الدولة في بدايات تأسيسها.
كما علينا ألاّ نتجاهل ونحن نتحدث عن الحركة الثقافية في الدولة، تخصيص مبادرة صاحب السمو رئيس الدولة هذا العام لجعله عاماً للقراءة، حيث كان لهذه المبادرة أثرها الطيّب والذكر الحسن، والخبر المفرح، كيف لا وهي تدعو إلى شحذ الهمم في الانفتاح على منافذ القراءة والتفاعل مع الكتاب والعلوم والمعارف.
} لماذا احتلت مجموعتك القصصية «الرحيل» مكانة متميزة في تاريخ الإمارات؟
- كان ل "الرحيل" السبق في كتابة أول قصة مهدت الطريق أمام كل أديبة وكاتبة وامرأة تمتلك طاقة الإبداع والمغامرة في نقل ما يجيش بداخلها من مشاعر وأحاسيس ليتلمسه الناس ويتعايش مع المجتمع، إذ خاضت في القضايا الإنسانية المجتمعية، وخاصة قضايا المرأة، وفضاءاتها المعذبة وهمومها، وسلطت الأضواء فيها على معاناة المرأة في ظل ظروف تأثرت بالعادات والأعراف والتقاليد التي تنتقص من مكانة المرأة، حيث لم يفسح المجال أمامها للتعبير عن رأيها، وأخذ مشورتها في أمور تخصها، كالزواج، لهذا كشفت الرحيل اللثام عن ذاك الواقع المؤلم، وبها مهدت خطواتي على الطريق في كتابة القصة، فحظيت بتلك المكانة المتميزة، وذاك الاحتفاء الجميل.
} في «الرحيل» حاولت إعطاء رسائل تنبذ الوضع الاجتماعي للمرأة، ما المواقف الأخرى المجتمعية التي تقومين بها لنبذ هذه الوضعية؟
- ساهمت بكتاباتي في تسليط الضوء على معاناة وحالة المرأة والمطالبة باحترامها وتقديرها، وإبراز مكانتها، كذلك قمت بهذا الدور في حقل التربية والتعليم، عندما كنت معلمة ومديرة لمدارس عديدة، تقلدت إدارتها لحقبة طويلة من الزمن، فقد كنت من الطلائع الأولى التي أسهمت في غرس لبنات التعليم الأولى، منذ قيام الاتحاد وحملت هذا المشعل التنويري التوعوي بداخلي إيماناً مني بمسؤولية النصح والتوجيه ونشر ثقافة العلوم والمعارف والتثقيف، كما قمت بهذا الدور أيضاً من خلال أعمالي التطوعية الاجتماعية والثقافية، حين تهيأت لي فرص المشاركة في التأسيس الريادي للجمعية النسائية بالشارقة وعضويتي في نادي المنتزه للفتيات، ومن خلال ترؤسي لرابطة أديبات الإمارات، ونشاطاتي المجتمعيّة، التي ترجمت من خلالها الرسالة التي أردت إيصالها لمجتمع كان يسعى حثيثاً نحو نهضة مباركة وطموح وثّاب ومشاركة فعالة لكل أطياف المجتمع في صنع القرار، والمشاركة في البناء والنهضة والتطوير.
} اتصف قلمك بالجرأة، فما المصاعب التي واجهتك لأجل ذلك؟
- أُفضل أن يوصف بالشجاعة الأدبية، فالجرأة في كتاباتي هي من النوع الحميد المنضبط بضوابط الدين والقيم والأعراف، والذي دفعني إلى ذلك ما رأيته من البون الشاسع بين المرأة كما يصورها القرآن، من امرأة ذات أهمية ومكانة وكرامة وقيمة اجتماعية عظيمة، وما رأيته في الواقع من صورة لا تتفق مع هذه الكرامة، وتلك المكانة، فقد انتقصت حقوقها وهيمن الرجل عليها، وبما أنني امرأة أوتيت شيئاً من الثقافة والتعليم، كان لزاماً وفرضا علي أن أسهم بقدر ما أستطيع في أن أطالب بإنصاف المرأة، لتنال مكانتها التي أرادها الله لها.
} لحظة تخليد اسمك ضمن أوائل الإمارات، ماذا تعني بالنسبة لك وكيف تصفينها؟
- غمرتني حالة من السرور والابتهاج، وشعور بالفخر والاعتزاز، كان مردّه أن ما بذلته من جهد وما قدمته لمجتمعي من عمل متواضع لم يذهب هباءً، بل رصدته دولتي العظيمة بقيادتها الرائدة، ومؤسساتها المتقدمة، ليبقى محفوظاً في ذاكرة الوطن وذاكرة أجياله القادمة، ومما زادني اعتزازاً وشرفاً وابتهاجاً أن المكرّم هو صاحب السمو الشيخ محمد بن راشد آل مكتوم، نائب رئيس الدولة، رئيس مجلس الوزراء، حاكم دبي، رعاه الله، الذي له في قلوبنا المكانة العالية والمنزلة الرفيعة.
} حدثينا عن أبرز إسهاماتكِ في إثراء الحركة الثقافيّة الإماراتيّة وريادة القصة.
- أولها مشاركتي في التأسيس الريادي للجمعيّة النسائيّة، إبان قيام الاتحاد، حيث كلفت بمسؤولية الإشراف على لجنتها الثقافية، ووضع أُطر تأسيس أول مجلة نسائية بالدولة هي مجلة «صوت المرأة»، إذ أسهمنا من خلال نشاطات الجمعية في نشر الوعي المجتمعي والثقافي، كما شاركت أخي سيف في تأسيس وإصدار أول مجلة للأطفال بالدولة، ترأست تحريرها وكتابة القصص فيها المُوجهة للطفل، وحين تأسس نادي المنتزه للفتيات، التحقت به كعضوة وكُلفت فيه برئاسة اللجنة الثقافية، ومن خلال هذا النشاط الثقافي راودتني فكرة الرابطة، التي عرفت برابطة أديبات الإمارات، وهي أول تجمع نسوي ثقافي إبداعي على مستوى الدولة، حظي بمباركة سمو الشيخة جواهر بنت محمد القاسمي، رئيسة النادي، وعنايتها بها، حيث اُنتخبت رئيسة للرابطة بالتزكية، وكان ذلك دافعاً لي للإسهام في تفعيل المشهد الثقافي والحراك الثقافي، فسعيت من خلال ترؤسي الرابطة في تنظيم الملتقيات السنوية الفكريّة والإبداعية، ونشر الثقافة المحليّة، وتعزيز هوية الوطن، وحاولت جاهدة إبان عملي بالرابطة أن أقدم خبراتي التربوية والإبداعية والثقافية في رعاية الأقلام الواعدة لطالبات المدارس، من خلال مسابقات تشجيعية وأمسيات ولقاءات أدبية، إضافة إلى انتمائي لاتحاد كتاب وأدباء الإمارات، الذي كنت من أوائل أعضائه المؤسسين والمنتسبين له، وغيره من المؤسسات التي تعتني بالثقافة وبالإبداع، ومنها عملي في مجال الريادة في الحقل التربوي التعليمي كمعلمة ومديرة.
} ما اللحظة التاريخية التي يصعب على شريط ذكرياتكِ تجاوزها؟
- حينما نلت شرف تنظيم كتابة رسالة إبداعية نظمتها طالباتي في مدرسة الغبيبة الثانوية، بالتعاون مع مدارس منطقة الشارقة التعليمية، وكانت رسالة حب لرئيس الدولة الشيخ زايد (رحمه الله)، بمناسبة عودته من رحلة العلاج، حيث دُعينا لمقابلة سموه وحرمه الشيخة فاطمة، وتشرفت أنا والطالبات والطلاب الفائزين بهذه اللفتة الكريمة بلقاء ربّان الاتحاد، وزادنا ذاك الاحتفاء الجميل حماساً في أن نحمل وعداً بأن يكون الوطن غايتنا في تعزيز هويّته والعمل من أجله.
} عرفت أسرتكِ بأنها أسرة علم وأدب، فكيف أثرت نشأتك على ما وصلتِ إليه اليوم؟
- استقيت من معارف أبي وآدابه وعلومه حبّ العلم والوطنيّة الصادقة، فقد كان عالمه (رحمه الله) رحباً زاخراً بالفكر والثقافة، ومحاطاً بالعلم والعلماء والأدباء، وهذه النشأة لعبت دوراً كبيراً في صقل موهبتي ونضجها، فملازمة شخصيّة فكريّة غير اعتياديّة، كشخصية والدي، أنارت دروب حياتي الحافلة بكل الفضاءات الرحبة، الزاخرة بالعلم والفكر والثقافة، وشكلت لي هذه الأجواء نمطاً من السلوك المسكون بشغف الاطلاع والبحث في العلوم والمعارف، والانفتاح على نوافذ القراءة ورفقة الكتاب، مما أثرى فكري وأخذ بي إلى عوالم الكتابة كافة.
} أخيراً مَن الشخص الذي تهدينه وسام التكريم وتعتبرينه دافع النجاح الأول لكِ؟
- والدي «رحمه الله»، مدرستي الأولى، التي تنسّمت منها عبق الطموحات والأمنيات والأحلام، هيأ لي حياة آمنة مستقرة، وغرس في نفسي حبّ العلم والتفوق، وفتح أمامي منافذ التنوير، لأنه من صناعه، حيث كان الوطن همّه، والتنوير والتثقيف وطلب العلم شغله وهاجسه.