نجاة مكي . . الحياة على سطح اللوحة

هوية تشكيلية محفورة في التفاصيل اليومية
01:54 صباحا
قراءة 5 دقائق
دبي - محمد أبو عرب:
كثيراً ما يقف المتابع لأعمال الفنانة التشكيلية د . نجاة مكي أمام عوالم بصرية باذخة على صعيد الاشتغال واللون والتكوين، إذ انحازت مكي منذ بداياتها إلى العمل الجاد وراحت تحفر عميقاً في تفاصيل اليومي والإنساني لتشكل بذلك هوية تشكيلية جمالية تميزها عن سائر الفنانين في المشهد التشكيلي العربي .
نظل كذلك أمام أعمال مكي، لكن لوحة الفنانة ليست هي ما يستند إلى الجدران ويمتد بكل محمولاته الجمالية وحسب، إنما هي رؤية الفنان نفسه وحياته، ومرجعياته الفكرية، وتفاصيل يومه، وسيرته الممتدة منذ نعومة أظفار حتى سطح اللوحة وتمازج الألوان، وهي ملامح الأب، وتعلم الهجاء، وضحكة وجه الأم، وشغب الأصدقاء والأخوة .
اللوحة هي كل هذا تماماً مصهوراً في قوالب ذهنية، ومشغولاً بصيغ رمزية لا تتوقف عن الظهور على سطح اللوحة، لذلك تطرق "الخليج" باب بيت د . نجاة مكي، لتستضيفنا في زيارة نتعرف فيها إلى سيرة يومها، وعلاقتها مع اللون والقماش، فندخل إلى مرسمها حيث تتكدس عشرات الأعمال الفنية، ونستعيد معها سيرتها الأولى منذ ولادتها في بر دبي وحتى اليوم .
ما زالت د . مكي تسكن في المنطقة التي ولدت فيها في بر دبي، وكأنها رغم تبدل البيت تحرص على أن تظل في مكانها الأول، أو كأنها لا ترى كل هذه البنايات التي تتنامى حولها، فلا ترى سوى البيوت القديمة والأزقة الترابية، التي كانت تركض فيها وهي في أول العمر، إذ ترتبط مع المكان بسلسلة من العلاقات التي لا تتوقف عن التداعي في ذهنها .
تجلس مكي في بيتها الذي يفيض بالأعمال الفنية وتتراكم فيه اللوحات حتى في صالة الضيافة وقريباً من مدخل البيت، وتسرد حكاية بيتها الأول، ذاك البيت الذي جمع أسرة من أربع فتيات لأب يعمل في العطارة وبيع البهارات والتوابل، وأم نسجت دفء البيت من أغطية الطاولات والمخدات، فتقول: "حين يمضي بنا العمر وننظر إلى تلك السنوات الأولى من حياتنا نرى أشياء لم نكن نفكر فيها، ولم تخطر ببالنا ونحن نعيشها، فاليوم أتساءل كيف كان يخطر على بال أمي أن تبدل زينة البيت بين الحين والآخر؟ هل كانت تبحث عن جماليات جديدة للبيت، حتى تبدل فضاءه البصري بالمنسوجات والنقوش التي تصنعها؟" .
تتذكر د . مكي كيف كانت ترافق والدها إلى دكان العطارة، لترى أكوام البهارات بكل ما تحمله من ثراء لوني، فصارت مفتونة بقلائد الفلفل المجفف، وأكوام العصفر، ورائحة القرفة، تقول: "كل شيء يصبح له مذاق جديد ورؤية جديدة حين نبتعد عنه، فاليوم أذكر بجمالية أننا كنا نربي الماعز والأبقار والدجاج في بيتنا، وكنت دائمة التساؤل عن لون ريش الدجاج، وعرف الديك، وكانت بين الماعز واحدة جميلة وشكلها لافت، حيث كانت سوداء ولها آذان طويلة بيضاء منقطة بالأسود، وحين كانت تعود في المساء بعد أن يأخذها الراعي في الصباح تبدو مثل فتاة تعلق قرطين جميلين في آذنيها" .
على ورق الأكياس البني الذي كان يعطيها إياه والدها، وعلى الجدران الممتدة في الحي، كانت مكي ترسم خطوطها الأولى بعد أن تنتقي فحمة جيدة من بقايا نار المساء، فصار كل ما تلمحه عينها معرضاً ليرسم بخطوط بريئة على الورق، والجدران .
من تلك الحكايات الأولى تشكلت الملامح الجمالية لدى مكي، فانغمست في الرسم في المدرسة وباتت واحدة من الطالبات اللواتي تتحدث عنها المعلمات في المدرسة، وشكلت معلمة التربية الفنية في مرحلة دراستها الإعدادية محطة مهمة في تجربتها وتشكيل مسار حياتها، حيث كانت كلما شاهدت رسوماتها الجديدة تقول لها: "يجب أن تلتحقي بكلية الفنون الجميلة" .
هكذا مضت سيرة د . مكي الأولى بين المكان والمدرسة في بيت أسرتها، إذ ما أن أنهت دراستها الثانوية في مدرسة "خولة بنت الأزور" حتى خرجت مع نخبة من الطلبة الإماراتيين لدراسة الفنون الجميلة في مصر، فالتحقت بجامعة حلوان في القاهرة، وهناك عاشت تجربة شكلت مفصلاً مهماً في حياتها، حيث تروي: "في الجامعة كنت مع العديد من الطلبة المميزين، وكنت الفتاة الوحيدة في الدفعة في المرسم الجامعي، ولأني قادمة من بيئة محافظة شكل ذلك حاجزاً كبيراً رافقني فترة من الدراسة إلا أنه سرعان ما تبدد مع النقاشات وعلاقة الزملاء الذين يحرصون على نجاح كل واحد منهم" .
"كانت فترة الدراسة غنية على صعيد المناهج الأكاديمية وعلى صعيد الحياة المرافقة لذلك، إذ كانت الجامعة تصطحب طلبة الفنون في رحلات إلى الآثار والأسواق في مصر القديمة، وننظم ورش حية نتعرف فيها إلى تقنيات الرسم، وتوزيع الكتل في العمل الفني، ونتدرب على نقل الحركة من إطارها الحي إلى سطح اللوحة" .
ترافقنا مكي إلى مرسمها، وتعرض مجموعة من التجارب التي اشتغلتها خلال رحلتها التشكيلية، وتروي: "بعد تلك المرحلة من الدراسة عدت إلى الإمارات والتحقت بوزارة التربية والتعليم في قسم الوسائل التعليمية، والذي كان يترأسه في أوائل الثمانينات من القرن الماضي د . عبيد الهاجري، وهناك استفدت كثيراً على صعيد الفن وعلى صعيد الحياة، إذ كان الهاجري مديراً حاذقاً ويصنع من كل موظف في الدائرة فناناً قادراً على إدارة علم الوسائل التعليمية، فكنا نصمم أغلفة الكتب المدرسية، وننفذ الرسوم الداخلية وكان القسم يجمع نخبة من الفنانين منهم تاج السر حسن، أحمد أبو الكاس، صالح الأستاذ، فاروق حسن، د . محمد يوسف، بشير السنوار، وغيرهم من الأسماء" .
تحكي مكي تجربتها في إدارة المناهج التعليمية وقد عرضت علينا تجربة قدمتها في اليوميات الفنية، وهي عشرات الأعمال التي لا يتجاوز مقاسها 15*15 سم، وتقول: "كانت الوسائل التعليمية في تلك المرحلة من أوائل الثمانينات خلية نشطة تشكل عصب العملية التعليمة في الدولة، فكنا ننتج وسائل تعليمة تفاعلية وممسرحة للطلبة، ونقدم مادة الرياضيات من خلال عروض مسرحية ومسرح الدمى" .
مقابل ذلك كانت تجربة مكي التشكيلية قد رسمت معالمها وشكلت الخط الذي تسير عليها، فعادت إلى "الباليتة" الأولى في حياته، حيث قدمت تجربة في الرسم بالبهارات، وأعادت الاشتغال على المهمل من القطع المعدنية واستخدمتها في بناء أعمال فنية، ثم راحت تراكم كل تجربة وتعمل عليها بالحذف والإضافة إلى صار لعملها الفني خصوصيته اللافتة في المشهد التشكيلي الإماراتي والعربي .
تمضي السنوات تباعاً في سرد مكي فلا يبدو الحديث عن حياتها سوى حديث عن مرحلة مهمة من تاريخ الحياة الثقافية في الإمارات، إذ تقول: "في التسعينات حدث تحول وتبدلت إدارة الوسائل التعليمية، فقررت إتمام دراستي وعدت إلى مصر، حيث أكملت الماجستير والدكتوراه وكانت رسالتي في الماجستير بعنوان "الموضوع في الحضارة المصرية القديمة"، وفي الدكتوراه كانت: "القيم الجمالية والتشكيلية في العملة المعدنية" .
تكاد زيارتنا تشارف على الانتهاء، فيما تجربة مكي لا تتوقف عن المضي في جمالياتها، فتطلعني على ألبوم صورها القديمة، وتكشف محطات من تاريخها التشكيلي، فيظهر الكثير من الأسماء التشكيلية والنقدية العربية والإماراتية في ألبومها، منها صور تجمعها مع الطلبة الإماراتيين في كلية الفنون حيث يظهر الفنان التشكيلي عبدالرحيم سالم، وأخرى تعود إلى مشاركاتها في ملتقيات دولية في الصين، إضافة إلى صور لأعمال في النحت البارز خلال سنوات الدراسة مع مدرسي الفنون في جامعة حلوان" .
تودعنا د . مكي وقد عادت إلى بيتها الذي لا يمثل سوى مرسم كبير تتوزع فيه الأرائك والبسط .

لاستلام اشعارات وعروض من صحيفة "الخليج"