يرى العلماء والفقهاء الأجلاء أن من أسماء صفات الذات عند اللّه عز وجل، ما هو للعلم . وقالوا أيضاً إن منها للعلم، ومعناه تعميم جميع المعلومات، ومنها الخبير ويختص بأنه يعلم ما يكون قبل أن يكون . ومنها الحكيم، ويختص بأن يعلم دقائق الأوصاف . ومنها الشهيد، ويختص بأن يعلم الغائب والحاضر . ومعناه أنه لا يغيب عن شيء . ومنها الحافظ، ويختص بأنه لا ينسى ما علم . ومنها المحصي، ويختص بأنه لا تشغله الكثرة عن العلم، مثل ضوء النور واشتداد الريح وتساقط الأوراق . فيعلم عند ذلك عدد أجزاء الحركات في كل ورقة . وكيف لا يعلم وهو الذي يخلق، وأن اللّه عز وجل يقول في محكم آياته: ألا يعلم من خلق وهو اللطيف الخبير (الملك: 14) .
. . إلا بما شاء
والواقع أن القرآن الكريم قد ذكر في عدد من سوره وآياته، ما يؤكد صفة العلم عند اللّه سبحانه . ففي سورة (البقرة: 255)، يقول تعالى: ولا يحيطون بشيء من علمه إلاّ بما شاء بمعنى أنهم لا يعلمون شيئاً من علمه إلاّ بما شاء أن يعلمهم إياه، فيعلموه بتعليمه . ويقول عز وجل في سورة (هود: 13 و14): قل فأتوا بعشر سور مثله مفتريات وادعوا من استطعتم من دون اللّه إن كنتم صادقين . فإنْ لم يستجيبوا لكم فاعلموا أنما أنزل بعلم اللّه، وأن لا إله إلاّ هو فهل أنتم مسلمون .
وفي أسباب النزول للسيوطي، أنه حين قال المشركون لرسول اللّه صلى الله عليه وسلم: لا نجد أحداً يشهد أنك رسول اللّه، نزل قوله عز وجل: لكن اللّه يشهد بما أنزل إليك أنزله بعلمه والملائكة يشهدون وكفى بالله شهيداً (النساء: 166) . كذلك يقول سبحانه: إليه يرد علم الساعة وما تخرج من ثمرات من أكمامها وما تحمل أنثى ولا تضع إلاّ بعلمه (فصلت: 47) .
وفي رواية الإمام البخاري في كتاب التوحيد، عن جابر رضي الله عنه قال: كان رسول اللّه صلى الله عليه وسلم، يعلمنا الاستخارة في الأمر كما يعلمنا السورة من القرآن . يقول لنا: إذا هم أحدكم بالأمر فليركع ركعتين من غير الفريضة . ثم ليقل: اللهم إني أستخيرك بعلمك، وأستقدرك بقدرتك، وأسألك من فضلك العظيم، فإنك تقدر ولا أقدر وتعلم ولا أعلم، وأنت علام الغيوب . اللهم فإن كنت تعلم هذا الأمر يسميه بعينه الذي يريد خيراً لي في ديني ومعاشي ومعادي وعاقبة أمري، فاقدره لي، ويسره لي، وبارك لي فيه . وإن كنت تعلمه شراً لي، فاصرفه عني، واصرفني عنه . واقدر لي الخير حيث كان . ثم أرضني به، أو قال: في عاجل أمري وآجله .
يعلم السر وأخفى
لقد أجمع العلماء والفقهاء الأجلاء على صفة العلم عند اللّه عز وجل، وذكر الإمام مسلم تفسير ابن عباس لقول الله عز وجل في سورة (البقرة: 255): وسع كرسيه السموات والأرض، قال: علمه . وقال غيره أيضاً قوله . وقد تابع ابن عباس حديثه في صفة العلم عند اللّه سبحانه، فيما جاء في سورة (الجاثية: 23): وأضله اللّه على علم، فقال: أضله اللّه في سابق علمه . وقال في قوله عز وجل: يعلم السر وأخفى (طه: 7)، إنه يعلم ما أسر ابن آدم لنفسه، وما خفي على ابن آدم، مما هو فاعله قبل أن يعلمه . فالله تعالى يعلم ذلك كله . وعلمه فيما مضى من ذلك، وما بقي علم واحد .
وفي سورة (محمد: 31)، يقول تعالى: ولنبلونكم حتى نعلم المجاهدين منكم والصابرين ومعناه حتى نعلم عندكم المجاهدين والصابرين . وقال اللّه عز وجل لعيسى عليه السلام: أأنت قلت للناس (المائدة: 116)، وهو يعلم ما يقوله وما يجيبه . فردّ عيسى . وعيسى يعلم أن اللّه لا يحتاج إلى إجابته . فكما صلح أن يسأل عمّا علم، ويلتمس من عبده ونبيه الجواب، فكذلك يشترط ما يعلم من فعل نفسه . وقد قال الشافعي في قوله تعالى: وما جعلنا القبلة التي كنت عليها إلاّ لنعلم من يتبع الرسول (البقرة: 143) إلا لنعلم أن قد علمتم من يتبع الرسول . وعلم اللّه تعالى قبل اتباعهم وبعده سواء . أما ابن عباس رضي الله عنهما فيقول في قوله (4): وفوق كل ذي علم عليم (يوسف: 76)، أي يكون هذا أعلم من هذا، ويكون هذا أعلم من هذا، والله فوق كل عالم .
وفي حديث أبي الدرداء رضي الله عنه، أنه سمع النبي صلى الله عليه وسلم يقول: إن اللّه عز وجل قال: يا عيسى ابن مريم إني باعث بعدك أمة إن أصابهم ما يحبون، حمدوا وشكروا . وإن أصابهم ما يكرهون، احتسبوا وصبروا . ولا حلم ولا علم . قال: رب، وكيف يكون هذا لهم ولا حلم ولا علم؟ قال عز وجل: أعطيهم من حلمي وعلمي.