يبحر الكاتب يسري الجندي في التاريخ والتراث ليخرج لنا كنوزاً فنية، ويكتشف شخصيات مختفية بين السطور لم نكن نعرف عنها شيئا، ليعيد بعثها إلى الحياة من خلال كلماته التي تصل الماضي بالحاضر، وتعيد النبض والاعتبار إلى أبطال وأحداث كانت منسية في دروب الذاكرة العربية التي تتناسى تاريخها وتحرق ذاكراتها، يصر الجندي على أن التاريخ ليس ماضياً فقط، لذلك كتب النديم، وجمهورية زفتى والطارق وناصر ويعود هذا العام بمسلسل تاريخي سقوط الخلافة، ليحتل المرتبة الأولى أفضل مؤلف عربي في استطلاع الخليج . ومن المسلسل يبدأ هذا الحوار:
لماذا كتبت مسلسل عن السلطان عبدالحميد وسقوط الخلافة الآن؟
أولاً التوقيت مهم جداً، لأننا الآن أحوج ما نكون إلى تذكر قوتنا أمةً والاستفادة من دروس الماضي، لتفادي حالة السقوط التي نمر بها الآن، أضف إلى ذلك أن هذه منطقة جديدة لم يكتب عنها مسلسلات عربية من قبل، كما أن هناك ارتباطاً وثيق الصلة بين الحاضر والماضي .
كيف جمعت مادة السلطان عبدالحميد وأحداث هذه الفترة المهمة؟
قرأت كتباً ومراجع عدة عن السلطان عبدالحميد وعن هذه الفترة التاريخية المهمة، وبأكثر من وجهة نظر، فضلاً عن مذكرات ابنته عائشة، واكتشفت أن الغرب والقوى الامبريالية تكنّ له العداء لأنه واجه مخططاتها أو عرقل مشروعاتها في الشرق لفترة من الزمن، لذلك اتهمه الغرب بصفات لم تكن موجودة فيه من الأصل، مثل أنه سلطان دموي رغم أنه لم ينفذ حكم إعدام واحداً في حياته، سوى لشخص قتل والديه .
هل السلطان عبدالحميد رمز لمقاومة نهاية الخلافة الإسلامية أم أنها كانت منتهية بالفعل من قبله؟
كان يطلق على الخلافة العثمانية في الغرب وصف الرجل المريض، وكان سقوط الخلافة أمراً طبيعياً وحتمياً، مثل هزيمة عرابي ودخول الإنجليز إلى مصر، ومثل المخططات الصهيونية في الشرق حالياً لاغتصاب فلسطين، ولكن السلطان عبدالحميد رفض الاستيطان اليهودي في فلسطين رغم الإغراءات الكثيرة التي تعرض لها، بل لم يستطع الصهاينة طوال فترة حكمه إقامة وطن قومي لهم في فلسطين .
اتهمك البعض بأنك متعاطف مع الخلافة وتدعو إليها الآن بديلاً للتفكك العربي والإسلامي؟
غير صحيح، فنحن بالفعل في حاجة ماسة وملحة إلى الاتحاد والوحدة العربية والإسلامية، على أساس تكاملي وليس بمفهوم الخلافة، وأعتقد أنني وضحت ذلك من خلال المسلسل ونفيت مفهوم الخلافة الإسلامية على لسان الشيخ الذي قال للسلطان إن الإسلام ليس فيه خلافة، وإن الرسول صلى الله عليه وسلم لم يخلف أحداً من بعده، بل إن الصحابة من اختاروا أبابكر .
أليس السلطان عبدالحميد هو الذي اتهم عرابي بالعصيان وسجن المفكرين في عصره؟
السلطان عبدالحميد كان متعاطفاً أول الأمر مع الثورة العرابية ولكن تحت ضغط مستشاريه والحاشية أعلن عصيان عرابي، بالإضافة إلى أن موقفه من الثورة العرابية ومن الدستور كان نتيجة لفكره العثمانلي المستبد الذي يرفض فكرة التغيير، كما كان في تركيا عملاء للماسونية وللصهيونية العالمية وهذا جعله يكره فكرة الدستور .
أهذا مبرر من مواقفه مع مفكري عصره؟
موقفه من عرابي والأفغاني وكل المفكرين الأحرار الذين عانوا منه، كان لأن عقليته تحمل تراثاً ومفاهيم ثابتة لم تتغير أو تتطور، كما واجهه سناء شافع في المسلسل، وقال له أنت يجب أن تتحرر من التراث الفكري لأسرة عريقة متغلغلة داخل عقلك .
هل معنى ذلك أن أفقه ضيق؟
لم يكن ضيق الأفق ولكن عنده إرث تركي فكري وأعراف لا يمكن تغييرها بسهولة، لأن التغيير والتطوير يعني الانقلاب على الدولة العثمانية وأن يكون خائنا لتاريخ هذا الوطن الذي تربى فيه، وكان نجاح أتاتورك لأنه شخص من خارج الأسرة العثمانية .
يبدو انك متعاطف مع السلطان عبدالحميد على الرغم من أخطائه الفادحة؟
أنا متعاطف إنسانياً مع هذا الرجل، ولكني أقدر ظروفه وأخطاءه وطريقة تفكيره التي دفعته إلى هذه الأفعال لأنه ورث عن الترك الدماغ العثمانلي المتشبث برأيه، وربما هذا التعاطف لأنه قاوم في فترة تاريخية قاسية وواجه ظروفاً معقدة جداً، ولم يكن قادراً على مواجهة الظرف ولم يكن في وسعه تغيير تفكيره تغييراً كاملاً أو إرثه، لأننا في كثير من الأحيان بدون أن نشعر وبلا وعي نكون سجناء إرثنا وتراثنا وثقافتنا .
كتبت الكثير من السير عن شخصيات تاريخية مثل النديم وناصر ما الذي يدفعك للكتابة عن شخصية ما؟
لابد أن أجد ما أحبه حتى أكتب عن الشخصية، ممكن أن أحترمه ولكن أختلف معه جذرياً، لابد أن نضع الشخصية، في الظرف التاريخي الذي عاش فيه لأنه لا يمكن فصل التاريخ عن الظروف الاجتماعية .
ما الفرق بين عبدالناصر وعبدالحميد؟
عبدالناصر كان أقرب إلى التحديث الحقيقي من عبدالحميد الذي حاول إدخال عناصر وتقنيات الحداثة، مثل التلغراف والمنتجات العلمية والعصرية وغيرها من الأشياء المادية، ولكنه لم يغير من المنظومة الاجتماعية والفكرية، لم يغير منظومة التعليم أو الزراعة أو التصنيع بشكل كامل مثلما فعل الزعيم جمال عبدالناصر .
ولكن مسلسل سقوط الخلافة على المستوى التقني والكتابة أفضل من ناصر؟
مسلسل ناصر ظُلم من المخرج لأنه واجه عقبات ومحاولة إعاقة للمسلسل، وحتى الاستوديو منعنا من التصوير فيه وكان من المفروض أن يتوقف المخرج حتى يجد المكان المناسب، والذي جعلني حزيناً أن ثلث المسلسل لم ينفذ أصلاً وأشياء نفذها باستسهال وعجلة، ولأن هذا العمل كان عزيزاً جداً على قلبي ومازلت حزيناً لأن ناصر كان يستحق مزيداً من الجهد، رغم أن المسلسل حقق نجاحاً وصدى جيداً ولكن إبداعياً لم أرض عنه، ولأول مرة أنتقد مخرجاً ومازلت حزيناً على النتيجة الفنية .
اتهمك البعض بأنك أغفلت عيوب ناصر وأخطاءه؟
هذا الرجل كان وطنياً بشكل لا يختلف عليه حتى أعداؤه، فقد نقل مصر نقلة كبيرة ومن ينكر هذا إما مغرض أو مضار بشكل مباشر مثل الإقطاعيين، أو جاهل، فأنا عندي مآخذ على ناصر أنه كان في يده فرصة أن يكرس الديمقراطية والناس حوله، ولكن البعد الاجتماعي طغى على البعد السياسي عليه مثل العدالة والتعليم والتصنيع .
بصراحة هل عندما تحب الشخصية وتتعاطف معها تتجاوز عيوبها؟
لا أتجاوز العيوب والأخطاء ولكني أحاول أن أكون متوازنا لمعرفة أبعاد الشخصية، في مسلسل ناصر عرضت أزمة مارس بحياد شديد وكانت مذبحة لمجموعة الضباط الأحرار التي تناصر الديمقراطية، مثل صديق وخالد محيي الدين وغيرهما .
ما رأيك في التعاون مع المخرج محمد عزيزية؟
سعدت بالعمل مع عزيزية لأنه مخرج ذكي ومقتدر وعلى المستوى الإنساني رائع، وقد أخرج أفضل ما لدى الممثلين من طاقات ومواهب إبداعية لذلك نجح المسلسل .
ما رأيك في رفض البعض الاستعانة بممثلين من مختلف البلاد العربية؟
هذه المفاهيم أعتقد أنها انتهت وبدأنا نقترب من فكرة المسلسل العربي والإنتاج المشترك، لأن لكل مسلسل ملمحاً قومياً ويجمع كل الممثلين من الدول العربية كافة، هناك ممثلون في مسلسل سقوط الخلافة من قطر والأردن والعراق وسوريا وغيرها، لأن المسلسل لابد أن يكون به ملمح قومي . وقبل هذا المسلسل استعنت في المسرح بعشر دول عربية في مسرحية واقدساه، وفي مسلسل الطارق، بممثلين عرب . وكان أداء عباس النوري بدور عبدالحميد وباسم القهار بدور مراد (أخو السلطان) وعبير عيسى بدور (أخت السلطان) وسميحة أيوب وسناء شافع وغيرهم من الممثلين المصريين أكثر من رائع . كما أن الديكورات والملابس جيدة وهو أقرب لحالة من الانسجام المتكامل والتوافق .
هل كان موعد عرض سقوط الخلافة مناسباً في رمضان؟
سقوط الخلافة عرض على قناة واحدة ولم يعلن عنه بشكل جيد مثل بعض المسلسلات، ولكنه عندما عرض في الخارج في قطر وفي سوريا وقنوات أوربت حقق صدى جيداً جداً ونجاحاً كبيراً، وهناك قناة تركية تحاول ترجمته، أما في مصر فقد اشترى التلفزيون المصري حق عرضه لدفنه .