دخول الماء والكهرباء يغيّر وجه الحياة في الإمارات

بدأ أواخر الخمسينات وتبعته الأجهزة الإلكترونية
12:41 مساء
قراءة 9 دقائق

في أواخر الخمسينات من القرن العشرين، دخلت الكهرباء إلى دبي، ودخل معها كل شيء: الأجهزة الكهربائية والميكانيكية وازدهرت حركة التجارة، وبدأ وجه المدينة يتغير تدريجياً، وفي أوائل الستينات، حذت بعض الإمارات حذو دبي، وبدأت الكهرباء تزحف إليها لتغير من معالمها، ورافق دخول الكهرباء إلى مدن الإمارات، تمديدات المياه للمنازل والمزارع، وسنتابع ما حوته الوثائق البريطانية عن دخول الكهرباء والماء إلى كل من دبي وأبوظبي والشارقة، ونبدأ بالكهرباء .

عام ،1959 أنشئت شركة كهرباء دبي بموجب مرسوم أصدره الشيخ راشد بن سعيد حاكم دبي، وكان رأسمال الشركة 3 ملايين روبية أسهم فيها المواطنون مع الحكومة، (1) ولم تبدأ محركات شركة الكهرباء بالعمل إلا في يونيو/حزيران ،1961 عندها بدأت المدينة ترى النور للمرة الأولى، وتحوّل ظلام الليل الدامس الذي يلف أحياء المدينة بعد غروب الشمس إلى أنوار تتلألأ في أعمدة الكهرباء . وخلال يونيو/حزيران ويوليو/تموز ،1961 مددت الكهرباء لأجزاء كبيرة من المدينة . (2) كان تشغيل المحطة في يونيو/حزيران تجريبياً، في حين استمرت الإنشاءات الخاصة بمحطة الكهرباء والمجمع الإداري التابع لها، وبعد نجاح التشغيل التجريبي لأجزاء من المدينة، بدأت الشركة المنفذة تحث الخطى للانتهاء من المشروع بنهاية عام ،1961 وبدأت الشركة تركب محركات 4*360 كيلووات وثماني اسطوانات محركات ديزل رأسية ذات ضغط عال متصلة مباشرة بمحولات، ومن ضمن المشروع تركيب نظام توزيع رئيس يستوعب 220-380 وات من طاقة الكهرباء، وكانت هناك 3 مراحل تطويرية كبرى لضغط منخفض لتغذية محطات فرعية أقيمت على نقاط استراتيجية حول مدينة دبي، كما كانت هناك أنظمة تغذية كهربائية أخرى وضعت ضمن مخطط يتم تنفيذه لاحقاً لتسهيل عملية الإمداد الكهربائي لمطار دبي الجديد الذي افتتح عام 1960 . وفي الوقت نفسه، تم إنشاء محطة للتلفزيون كانت تستقبل البث المقبل من مدينة الظهران السعودية، (3) . وبدأ أبناء دبي للمرة الأولى يرون محطات التلفاز تبث في منازلهم، ونهاية عام ،1961 كان هناك المزيد من التوسع في تمديد الكهرباء لمنازل المواطنين، إذ وصلت الكهرباء ل 770 مستهلكاً، وكان يتم توليد 21 ألف كيلووات أسبوعياً، أما نسبة عمليات التوصيل، فقد تباينت ما بين 50 - 100 مستهلك في الأسبوع، ولا شك أن هذا تطور نوعي في عمليات مد خدمة الكهرباء للمرة الأولى، ومع ذلك، كانت الشركة تأمل في أكثر من ذلك، إلا أن هذا العدد القليل من المستفيدين أسبوعياً يرجع إلى الصعوبات التي كانت تواجه الشركة في استلام الأجهزة والمعدات (4) .

بدخول الكهرباء، انطلقت مشاريع التطوير الجديدة في دبي، وبدأت العمارات السكنية الصغيرة ترى في المدينة، وبدأ المزيد من التجار يفدون إلى دبي بعدما توفرت الشقق السكنية والمحال التجارية التي وصلت إليها الكهرباء، ويشير تقرير المعتمد البريطاني عام 1962 إلى أن مساحات واسعة من الأراضي الرملية بدأت تتحول إلى مناطق سكنية، وبدأ منظر المدينة يتغير تدريجياً، واستفادت مخازن الجمارك من تمديدات الكهرباء، إذ بدأت تتوافر طرق تخزين حديثة ومكيفة للبضائع، وأصبحت الكهرباء تعم معظم أرجاء المدينة . ويضيف التقرير أنه كان هناك تقدم واضح في شكل المحال التجارية وترتيب السلع والبضائع في هذه المحال (5) . وتشير وثيقة أخرى إلى أن التجار أخذوا يستوردون كميات كبيرة من الأجهزة الكهربائية بعد وصول الكهرباء، وأصبح هناك فائض كبير من هذه الأجهزة . ويؤكد التقرير البريطاني أن معظم هذه السلع كانت للاستهلاك الداخلي وليست لإعادة التصدير (6)، وهذا يعبر بوضوح عن فرحة الناس بتطور مدينتهم، والانتقال إلى عصر جديد، فدخول الكهرباء يعني وجود الإنارة والأجهزة المنزلية مثل الغسالة والمكيف والتلفاز وغيرها . وعموماً، أصبح هناك استيراد غير منضبط من قبل التجار لاستغلال هذه الفرصة، يعبر عنها التقرير البريطاني لعام 1963 الذي يقول بالرغم من ضخامة المخزون، والمنافسة الشديدة، فإن التجار سعداء بهذا الوضع (7) . واستمر هذا الإقبال الشديد على الأجهزة الكهربائية رغم مستوى الدخل البسيط للسكان، والأسعار العالية للكهرباء، وعدم انتظام الكهرباء بسبب الاختلاف في قوة التيار الكهربائي (8) .

ولا شك أن الكهرباء أحدثت انقلاباً في حياة المجتمع، وازداد النمو الاقتصادي بشكل سريع في تلك الفترة، ووفد المزيد من التجار، والحدث الأهم كان عام 1964 عند افتتاح مصنع للمشروبات الغازية، ولم يذكر التقرير البريطاني نوع تلك المشروبات، ولكن على الأغلب كان مصنع بيبسي كولا، كما افتتح مصنع للغاز الصناعي، ومخبز آلي، ويقول تقرير بريطاني لعام 1964 سوف يتم مضاعفة الطاقة الكهربائية منذ الآن (9) .

أبوظبي: أعلن عن اكتشاف النفط في أبوظبي عام ،1958 وفي ،1962 صدرت أول شحنة من النفط الخام لتدخل أبوظبي منذ ذلك الوقت عصر النفط، ومع ذلك، فإنه حتى أواخر عام ،1962 لم يكن يوجد في أبوظبي كهرباء، وكانت هناك مفاوضات بين إحدى الشركات البريطانية والشيخ شخبوط بن سلطان، حاكم أبوظبي، لمد المدينة بالكهرباء، ونجحت شركة المشاريع الهندسية البريطانية في توقيع اتفاقية مع الشيخ شخبوط في 3 يناير/كانون الثاني 1963 على تأسيس شركة تسمى شركة أبوظبي للإمداد الكهربائي ونصت الاتفاقية بين الطرفين على الآتي: (1) أن يكون رأسمال الشركة 000 .500 .1 جنيه استرليني . (2) تقوم الشركة بتوفير المعدات والأجهزة طبقاً لتوصيات المستشارين العاملين لدى الحاكم . (3) عندما يتم تركيب المحطة، يتم إقامة محطات توزيع كهرباء توصل مع المحطة الرئيسة . (4) الفاتورة التي يتم تحصيلها من المستهلك لا تزيد نسبتها على 40 ن .ب للكيلووات في الساعة، ويتم تخفيض هذه النسبة عندما يزيد الاستهلاك . وفي المقابل، نصت الاتفاقية على أن يوجه الشيخ شخبوط بالآتي: (1) تخصيص أرض للشركة واحتياجاتها بالمجان . (2) قطع الإمداد الكهربائي عن المستهلك الذي يعجز عن السداد بعد إشعاره بفترة معقولة . (3) يكون للشركة كل الحقوق في امداد الكهرباء في أبوظبي لمدة ابتدائية 20 عاماً . (4) تعفى الشركة من الضرائب، وتم الاتفاق على أن يكون 10% من رأسمال الشركة لمصحلة الحاكم (10) .

وشركة المشاريع الهندسية هي فرع من شركة A .E .T البريطانية، وكان لها مشاريع مماثلة في التمديد الكهربائي وخاصة في غرب إفريقيا (11) . وقبل توقيع هذه الشركة مع الشيخ شخبوط، كانت هناك بعض المحاولات من شركات أخرى لأخذ هذا الامتياز، أهمها محاولة البيرت أبيلا، رئيس شركة بيروت للتموينات الغذائية، لإنشاء محطة طاقة كهربائية، ولكن محاولته لم تنجح (12) . بدأ العمل في تشييد المحطة من قبل شركة المشاريع الهندسية منذ توقيع الاتفاقية في بداية يناير/كانون الثاني ،1963 وبعد سنة ونصف السنة من الإنشاء، أشار تقرير بريطاني في يونيو/حزيران 1964 إلى أن محطة توليد الكهرباء الجديدة والمجهزة بآليات بريطانية الصنع تقترب من الاكتمال، وأن التشغيل سيبدأ في يوليو/تموز (13)، واعتباراً من منتصف عام ،1964 بدأت أبوظبي رحلتها مع الكهرباء التي دخلت المدينة الصغيرة تدريجياً .

الشارقة: في العام نفسه الذي بدأت فيه أبوظبي تشغيل الكهرباء، وهو ،1964 كانت الشارقة تسير بالخطى نفسها، ويشير تقرير بريطاني مؤرخ في 30 يونيو/حزيران 1964 إلى أن مشروع كهرباء الشارقة على وشك الفراغ منه، وأن رأسمال هذا المشروع يبلغ 8 لاك (800 ألف روبية هندية)، ووزعت الحصص بحيث يكون 300 ألف روبية من حاكم الشارقة، و200 ألف روبية من سلطان العويس، و100 ألف من ناصر عبداللطيف السركال و200 ألف روبية تطرح كأسهم، وأصدر البنك الشرقي إعلاناً بالاكتتاب، وكان المسؤول عن جمع الأموال، ومن جملة المبلغ الذي خصص للشركة وهو 800 ألف روبية، جمع 220 ألف روبية فقط، وعند وصول المحركات، طلب المساهمون الرئيسيون من البنك الشرقي قرضاً لدفع قيمة المحركات وبدء العمل، ويشير التقرير البريطاني إلى أن ناصر عبداللطيف ذهب إلى بنك دبي الوطني، وكان أحد المساهمين به واستطاع الحصول على قرض لسداد حصته (14) .

شبكة المياه: اهتمت الإمارات بتمديد المياه للمنازل قبل دخول الكهرباء وذلك لأسباب عدة، أهمها الحاجة الماسة للماء، وسهولة تمديد الأنابيب، ورخص الكلفة، وتوفر الآبار الصالحة للشرب في فترتي الخمسينات والستينات، وقلة عدد السكان . وسبق أن ذكرنا في حلقة سابقة اهتمام الشيخ راشد بن سعيد، حاكم دبي في تلك الفترة، بإيصال المياه الصالحة للشرب لمنازل المواطنين والمقيمين في الخمسينات . واستمر العمل في هذا المشروع في أوائل الستينات، ويشير تقرير بريطاني لعام 1961 إلى أنه من يونيو/حزيران من ذلك العام اكتمل العمل بخزان المياه الذي أقيم لتغذية المدينة بمياه الشرب، كما شارف العمل على الانتهاء في خط أنابيب المياه، وأصبحت هناك محطة للمياه العذبة في منطقة رأس الخور، وبدأت الآليات التي تحمل المياه الحلوة المذاق بالعمل لنقل تلك المياه إلى المنازل (15) . واستطاعت دبي أن تكمل بنيتها التحتية في النصف الأول من الستينات، وتوفرت في المدينة الكهرباء وشبكة المياه والتليفونات . أما الشارقة، فيروي ناصر بن عبداللطيف السركال جانباً من المحاولات التي قام بها حاكم الإمارة لحفر المزيد من الآبار، والجهود التي قام بها السركال في المساعدة في ذلك، فيقول التقيت بشخص إنجليزي يدعى الكولونيل ميرلس استدعته شركة وليم هالكرو لتحديد مواقع مياه الشرب في الشارقة بناء على طلب حاكمها الشيخ صقر بن سلطان، وقام بتعليمي الطريقة التي أستطيع بها استكشاف وجود المياه، فقمت بحفر 3 آبار ناجحة عام ،1963 وقامت شركة وليم هالكرو بتجربتها بمضخاتنا مدة 30 يوماً متواصلة فلم ينقطع ماؤها أو تقل قيمته . وكانت التجربة الأولى في موقع البديع في الشارقة، ثم سلمت الآبار المذكورة للشيخ صقر من دون مقابل، ومددت منها الأنابيب لتزويد الشارقة بالمياه الصالحة للشرب والاستعمال العام (16) .

أما أبوظبي، فمشكلتها مع المياه قديمة، لأن الآبار التي تحفر تنتج مياهاً جيدة في وقتها وسرعان ما تتحول إلى مالحة، وعانى أهالي أبوظبي كثيراً من مشكلة المياه، وكان أول مشروع لمحطة تحلية عام ،1961 عندما تعاقد الشيخ شخبوط بن سلطان مع إحدى الشركات البريطانية لتشييد محطة، وتم الفراغ منها وسملت في ديسمبر/كانون الأول ،1961 وكانت سعتها 12 ألف جالون يومياً، وعزم الشيخ شخبوط على إقامة محطة ثانية بطاقة إنتاجية قدرها 50 ألف جالون في اليوم، إضافة إلى قيامها بتوليد الطاقة الكهربائية (17) . المحطة الأولى واجهتها عواقب وتعطلت عن العمل، فهذه المحطة استوردت شركة ريتشاردسون ووستغرا إلى وكلائهما في دبي شركة الملا والعويس، وتم تركيب هذه المحطة في أبوظبي، ولكنها لم تعمل بطريقة مرضية، حيث أنتجت في البداية 14 ألف جالون يومياً، ولكن واجهتها مشكلات بسبب ضعف الصيانة وعدم توفر قطع الغيار، إضافة إلى عدم اهتمام الشركة المصنعة بصيانة المحطة، ولم يستمر الإنتاج كثيراً، وبعد إجراء بعض الصيانة لها، بدأت تنتج كميات بسيطة وصلت إلى 11 ألف جالون يومياً . ولهذا السبب رأى الشيخ شخبوط ضرورة إقامة محطة ثانية، وأوكل الأمر هذه المرة لأحد التجار الكويتيين الذي كان ممثلاً لشركة تيرموفلاش البريطانية، وهي إحدى الشركات المهمة في تصنيع محطات تحلية المياه، وكان ذلك عام ،1962 ووصلت المحطة بعد تجهيزها إلى أبوظبي في أغسطس/آب ،1962 وواجهت هذه المحطة مشكلات مشابهة لسابقتها، لأن الشركة المصنعة وجدت أن عقدها مع الحاكم لا يفي بمتطلبات استكمال تمديد الأنابيب التي تجلب المياه المالحة من الآبار، ولم تتوافر خزانات لتجميع المياه، وظل المصنع معطلاً (18) .

بعد هاتين التجربتين، يبدو أن الشيخ شخبوط رأى أن الجهود الذاتية أفضل في البداية، ومن ثم يتم التعامل مع شركة ما، فالإخفاق الذي واجه الشركتين، أعطى صورة سلبية لتلك الشركات التي قدمت إلى منطقة الخليج في بداية النفط، وحاولت الاستفادة مادياً بأقصى ما تستطيعه في مقابل خدمات قليلة . ويعبر عن ذلك ما ورد في تقرير بريطاني مؤرخ في 23 يناير/كانون الثاني 1963 يفيد أن المعتمد البريطاني في أبوظبي ناقش الشيخ شخبوط بخصوص مشروع المياه، فرد عليه عندما ينتهي الحفر بآلياتنا الخاصة، سنسمح للشركات بإجراء اختبارات ضخ لمعرفة إن كانت توجد مياه (19) . وهذا الرد يوحي بأن الشركتين السابقتين حاولتا إبعاد المسؤولية عنهما بالادعاء أن المشكلات التي واجهتهما تعود لطبيعة الآبار وملوحتها وليس إلى تقصير منهما، وعلى ما يبدو فإن الشيخ شخبوط ربط مسألة توفر المياه بمشروع الكهرباء الذي قام بالتوقيع عليه في يناير/كانون الثاني 1963 وسبق ذكره، وحرص على أن يدخل بعض الشركاء في هذه الاتفاقية بحيث لا تقتصر على حكومة أبوظبي وشركة المشاريع الهندسية، وكان هناك 4 شركاء لهم حصص في هذه الشركة هم خليفة اليوسف والبرت ابيلا وإم .سعد وام . انكودم (20) . أما بقية الإمارات الأخرى، فبدأت مشاريع الماء والكهرباء في فترات مختلفة من عقد الستينات .

هوامش

(1) في مجلس ناصر عبداللطيف السركال، الإمارات في ذاكرة أبنائها الحياة الاقتصادية لعبدالله عبدالرحمن، ص 346 - 347

(2) Records Of The Emirates, 1961, p .396

(3) Records Of The Emirates, 1961, p .392

(4) Records Of The Emirates, 1961, p .399

(5)Records Of The Emirates, 1962, p .369

(6) Records Of The Emirates, 1963

(7) Ibid

(8)Ibid

(9) Records Of The Emirates, 1964, p .244

(10) Records Of The Emirates, 1963, p .359

(11) Records Of The Emirates, 1963, p .394

(12) Records Of The Emirates, 1964, p .251

(13) Records Of The Emirates, 1964, p .245

(14) Records Of The Emirates, 1964, p .385

(15) Records Of The Emirates, 1961, p .396

(16) في مجلس ناصر عبداللطيف السركال، الإمارات في ذاكرة أبنائها الحياة الاقتصادية لعبدالله عبدالرحمن ص 362 - 363

(17) Records Of The Emirates, 1961, p .939

(18) Records Of The Emirates, 1962, pp .386-392

(19) Records Of The Emirates, 1963, p .319

(20) Records Of The Emirates, 1963, p .394

لاستلام اشعارات وعروض من صحيفة "الخليج"