الاعتدال في الإنفاق سلوك مفقود في بيوتنا

الإسلام يحرر الإنسان من عبوديته لشهواته
05:40 صباحا
قراءة 5 دقائق

الإسراف والتبذير والمباهاة في المأكل والمشرب والملبس من الأمراض الاجتماعية الخطرة التي تقع فيها بعض الأسر المسلمة، في حين تعاني أسر أخرى من بخل الأب أو الأم وتقتيرهما على الأبناء.

عدد من علماء الإسلام وخبراء الاجتماع والتربية وعلم النفس أكدوا أن الاعتدال في الإنفاق أحد السلوكيات المفقودة داخل أسرنا المسلمة وأن الآباء لا يشغلون أنفسهم بتعليم أولادهم الاقتصاد في الإنفاق دون تقتير فينشأون على قدر كبير من الإسراف أو البخل وكلاهما سلوك يرفضه الإسلام.

وأشاروا إلى أنه بتربية الأبناء على الاعتدال والتوسط في الإنفاق سيشبون على ثقافة العمل والكد والقناعة.

في البداية يوضح الدكتور محمد فؤاد شاكر أستاذ الدراسات الإسلامية بجامعة عين شمس أنه يجب على الآباء أن يدربوا أولادهم على البذل والإنفاق في وجوه الخير ويقول: إن المال من عند الله ونحن مستخلفون فيه، قال تعالى: آمِنُوا بِاللهِ وَرَسُولِهِ وَأَنفِقُوا مِما جَعَلَكُم مسْتَخْلَفِينَ فِيهِ ويتفاوت الناس فيما قدر لهم من أرزاق وهذا ليس معناه أن الغني أفضل من الفقير، بل الأفضلية عند الله بالتقوى والعمل الصالح ونحن مطالبون بالعمل والسعي لنتخلص من الفقر.

وقد حثتنا شريعتنا الإسلامية على الاعتدال في كل شيء لأن الاقتصاد والتوسط فضيلة مستحبة وخلق ينبغي أن يتحلي به المسلم في كل جوانب حياته من عبادة وعمل وإنفاق ومأكل ومشرب وطعام.

درس نبوي

ويضيف: والاعتدال في الإنفاق يتحقق حينما ينفق المسلم دون إسراف أو بخل، يقول الله تعالى: وَلاَ تَجْعَلْ يَدَكَ مَغْلُولَةً إلى عُنُقِكَ وَلاَ تَبْسُطْهَا كُل الْبَسْطِ فَتَقْعُدَ مَلُوماً محْسُوراً والاعتدال في إنفاق المال من صفات عباد الرحمن الصالحين الذين مدحهم الله عز وجل بقوله: وَالذِينَ إِذَا أَنفَقُوا لَمْ يُسْرِفُوا وَلَمْ يَقْتُرُوا وَكَانَ بَيْنَ ذَلِكَ قَوَاماً.

وأول درس نبوي يجب أن نعلمه لأولادنا والكلام على لسان د. فؤاد شاكر أن الاقتصاد في النفقة يحمي من الفقر وسؤال الناس، فقد روي أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: ما عال من اقتصد أي ما افتقر من اعتدل في إنفاقه. أما الذي يسرف في إنفاق المال فإن إسرافه سوف يقوده إلى الفقر وسؤال الناس ويجعله عالة على غيره.

وكذلك يجب أن ندرب أولادنا منذ نعومة أظفارهم على الاعتدال في الملبس، فالمسلم الذي يريده الله عز وجل هو الذي يقتصد في ملابسه فلا يسرف فيها بأن يتباهى بها ويختال، فيجعل من نفسه معرضا للأزياء ليتبختر بها بين الناس، وقد نهى النبي صلى الله عليه وسلم عن ذلك، فقال: من لبس ثوب شهرة ألبسه الله يوم القيامة ثوبا مثله، ثم تلهب فيه النار، وهذا لا يعني أن يرتدي المسلم الملابس القبيحة المرقعة وإنما يجب عليه أن يقتصد في ملابسه من حيث ثمنها وألوانها وكميتها دون إسراف أو تقتير.

وينبه د. محمد فؤاد شاكر إلى أهمية الالتزام بوصية الرسول صلى الله عليه وسلم بتربية أولادنا على عدم النظر إلى من هم أعلى منهم فقد قال: انظروا إلى من أسفل منكم ولا تنظروا إلى من هو فوقكم، فهو أجدر ألا تزدروا نعمة الله.

مسؤولية الأم

الشيخ منصور الرفاعي عبيد وكيل وزارة الأوقاف الأسبق يؤكد أن الإسلام لا يريد من الإنسان والمجتمع أن يكون عبدا لبطنه أو لشهواته المادية والنفسية، ولذلك عمل بكل الطرق على سد نزعات الشر الإنسانية.

ويقول: في مقابل هذا يربي الإسلام الناس على التعاون والبر والإنفاق في سبيل الله، بهدف توفير حاجات الإنسان الأساسية وكسر الإحساس بالحرمان عند الفقراء، وقطع الطريق على النفس الإنسانية حتى لا يأخذها الإسراف والتبذير إلى سلوكيات يرفضها الإسلام.

ويشير الشيخ عبيد إلى أن الأب يجب عليه أن يعود أبناءه على الصدقة فيعطيهم بعض المال ليساهموا به في المشروعات الخيرية أو ليساعدوا الفقراء والمساكين وبأن يضرب لهم الأمثلة بمن مضى من الصحابة والتابعين والسلف ومسارعتهم في الخيرات.

ويرى الشيخ عبيد أن مسؤولية الإسراف تقع على الأم بالأساس لأنها بحكم واجباتها ومسؤولياتها داخل الأسرة هي التي تقوم بإعداد الطعام وتشرف عليه وتشتري احتياجاتهم، والأم العاقلة هي التي تلبي كل رغبات الزوج والأبناء في ما يتعلق بالطعام والشراب والملبس دون إسراف، بمعنى أن تعد لهم كل ما يرغبونه ولكن بما يكفيهم فقط، وبإمكانها أيضا أن تشتري لهم ملابس بأسعار معقولة.

ويرى الشيخ عبيد أن بعض الآباء يفسدون أولادهم بتعويدهم على الإنفاق البذخي في المناسبات منذ الطفولة مثل أعياد الميلاد وحفلات النجاح فيشب الأبناء وهم يقيسون الأمور بالتكاليف الباهظة فتحلم الفتاة بالفرح الأسطوري ويحلم الابن بالسيارة الفارهة.

ويشدد الشيخ عبيد على أن الأسر التي وسع الله لها في الرزق عليها أن تشكر الله سبحانه وتعالى على ما انعم به عليها من نعم وأن توجه أولادها إلى أن المال أمانة في أعناقهم مأمورون من المولى عز وجل بتوجيهه إلى طريق الخير وأن ينفقوه في طاعة الله.

ثقافة الاستهلاك

الدكتورة هدى زكريا أستاذة علم الاجتماع بجامعة الزقازيق تشير إلى أن الإسراف للأسف الشديد صار جزءا من عاداتنا الاجتماعية، وهذه العادة الممقوتة تنتقل من الآباء إلى الأبناء فالواقع يؤكد أن الآباء يعلمون أولادهم ويغرسون فيهم الإسراف أو البخل أو الاعتدال في الإنفاق حتى وإن لم يقصدوا ذلك، لأن الابن لن ينتظر من أبيه وأمه أن يقولا له افعل ذلك، فهو بشكل طبيعي يقلدهما في كلامهما وتصرفاتهما وسلوكياتهما وأخلاقياتهما.

وتضيف: إن أخطر المنافذ التي يتعلم منها أولادنا الإسراف والتبذير، هي الإعلانات التلفزيونية التي تفتح باب الشره والاستهلاك على مصراعيه.

وكذلك الدراما التي تدخل الأبناء إلى عالم آخر لا يعرفون عنه شيئاً مما يحدث لديهم هزات في القيم الإنسانية وبالذات لدى أبناء الفئات المتوسطة والفقيرة، وللأسف هذا لا يحدث عند الأبناء والشباب فقط ولكنه يحدث أيضا عند النساء اللاتي تتولد داخلهن الرغبة في الحصول على المال لإنفاقه، مثل هذه النماذج التي يرينها وكأنها تعيش بلا مشكلات.

وبالتالي فالأسرة مسؤولة عن مراقبة تصرفات أولادها باستمرار وما يشاهدونه ومن يصاحبونهم وتقوم بتعديل الأفكار التي يستقونها من تصرفات الآخرين وتذكيرهم بأن هذه النماذج ليست هي الصواب، والأم تقع على عاتقها المسؤولية الأكبر في توجيه سلوكيات أولادها نحو الاعتدال والتوسط في الإنفاق وعدم النظر إلى الآخرين وذلك بأن تحاسب نفسها أولا على تصرفاتها أمامهم.

وعليها أيضا أن تقضي على غريزة حب التملك والظهور إذا ما ظهرت في تصرفات أولادها.

زرع الحقد

الدكتور أحمد شوقي العقباوي أستاذ الطب النفسي بجامعة الأزهر يؤكد أن الطفل الذي يغرس فيه أبواه حب الإسراف والتبذير ينشأ مضطربا نفسيا فهو دائما يعاني من حب التملك والظهور بل سيكون دائما على شيء من الإحساس بالحرمان لأنه لن يتوقف عن مقارنة نفسه بالآخر الذي يقتني سيارة أفضل منه أو عنده ملابس أفضل أو أكثر.

ويقول: إن الكثير من الآباء والأمهات يعلمون أولادهم الغيرة والحقد على الآخرين بكثرة التحدث أمامهم عما يملكه الآخرون وبدلا من مواجهة انبهار أولادهم بالنماذج الأخرى التي تفوقت عليهم في الموارد والإمكانات يندبون حظهم وحظ أولادهم على قلة الإمكانات لديهم.

ويرى د. العقباوي أنه يجب على كل أسرة أن تراجع تصرفاتها وسلوكياتها أمام الأولاد ويجب أن نعالج مرض الإسراف والتبذير عند أولادنا بأسلوب عملي متدرج بحيث نعلمهم العمل والإتقان بدلا من ثقافة المفاخرة والتبذير.

ويدعو د. العقباوي الآباء والأمهات إلى الحوار مع أولادهم حول أهمية المال في حياة الإنسان؟ وكيف ننفقه في وجوهه الصحيحة وتوضيح أن قيمة الإنسان ليست بما ينفقه من أموال بشكل يصبح مثاراً للسخرية والتسلية.

وينبغي أيضا محادثتهم عن أن هناك الكثير من الجياع الذين يعيشون تحت خط الفقر ولا يجدون لقمة تسد رمقهم، وتذكيرهم بذلك دائما إذا ما وجدوهم على شيء من الإسراف والتبذير.

لاستلام اشعارات وعروض من صحيفة "الخليج"