توصل باحثون ألمان وأمريكيون في تجربة علمية جديدة، لكنها محدودة، إلى طريقة لقراءة العقل وتحليل موجات الدماغ وترجمتها إلى كلمات وجمل كاملة من الخطاب المتواصل من دون الحاجة إلى الاستماع.
وقال الباحثون في معهد كارلسروه للتكنولوجيا في ألمانيا ومركز وادسورث في الولايات المتحدة: إن عملية القراءة تمت عن طريق تثبيت أقطاب كهربائية على قشرة الدماغ، وشارك سبعة من مرضى الصرع الأمريكيين طواعية في التجربة حيث قاموا بقراءة عينات من النصوص جهراً بينما كان عدد من الأقطاب الكهربائية مثبتة في قشرة الدماغ سبق أن تعرضت لجراحة استئصال بؤرة الصرع. وتعد عمليات الرصد من هذا النوع مستحيلة في ظل وجود الأقطاب المثبتة على الجمجمة.
قالت تانيا شولتس أستاذة تكنولوجيا المعلومات في معهد كارلسروه للتكنولوجيا، وإحدى مؤلفات الدراسة التي نشرت عن هذه التجربة في دورية «فرونتيرز إن نيوروساينس»: «للمرة الأولى استطعنا مراقبة الدماغ». وفي هذه التجربة استخدم الباحثون برامج لتحديد أماكن الأنشطة وعرضها على شاشة بمساعدة الألوان.
وأوضحت شولتس أن «اللونين الأحمر والأصفر يعنيان نشاطاً مكثفاً في هذه البقعة في المخ بينما يعني اللون الأزرق نشاطاً أقل». وتم خلال التجربة إعطاء المرضى مجموعة من النصوص مثل خطاب الرئيس الأمريكي الأسبق جون كينيدي، أو أبيات شعر بسيطة خاصة بالأطفال حتى يعرف الباحثون أي الأصوات تنطق ومتى.
ويعد حجم التجربة المحدود، والتي شملت سبعة مرضى واستمرار الكلام لمدة خمس دقائق فقط في المرة في برنامج بحثي على مدار أربع سنوات نقطة شائكة. لكنها تذكر بتجربة مماثلة أجراها فريق من باحثين بريطانيين وسويسريين وأمريكيين في وقت سابق لقراءة الخواطر مباشرة من الدماغ بواسطة برامج ومعدات رقمية خاصة أعطت بعض النتائج المشجعة لهذه الناحية.
تقنيات BCI البينية بين الدماغ والكمبيوتر استخدمت في التجربة الأخيرة تقنية بينية بين الدماغ والكمبيوتر تعرف باسم BCI، وهي عبارة عن نظام حاسوبي يؤمن نمطاً من الاتصال بين الدماغ وأجهزة الكمبيوتر، بحيث إن الدماغ يوجه أوامر إلى جهاز كمبيوتري بواسطة بيضات عصبية أو حركات - مثلاً حركات العين - يديرها الدماغ، وتتحول إلى إشارات كهرومغناطيسية يتلقاها نظام استشعار sensor معلوماتي ويحوّلها إلى الكمبيوتر لتتم معالجتها وتنفيذ الأوامر الصادرة على هذا النحو.
وتستخدم هذه الأنظمة في الأغلب لغايات طبية، وبصورة خاصة من أجل مساعدة المعاقين جسدياً على تدبير أمورهم وعلى تأمين اتصالهم بالآخرين، على أن دائرة هذه الاستعمالات اتسعت كثيراً في السنوات الأخيرة وباتت تشمل تطبيقات ذات الطابع الاستهلاكي البحت مثل تشغيل الكمبيوتر من دون الإمساك به، أو ألعاب الفيديو، أو التقاط البيانات البيولوجية، فضلاً عن إمكانية ربط الأنظمة الهاتفية الذكية smartphones مثل الـiPhone والـAndroid بمعدات الاتصال تلك.
والأمر الذي يتيح الاتصال بين الدماغ والكمبيوتر - أو بالأحرى يؤمن «البينية بين الدماغ والكمبيوتر» Brain Computer Interface, BCI، هو أن نشاط الدماغ يتبلور على شكل إشارات أو موجات كهربائية يمكن التقاطها، وبالتالي فإن سر التوصيل بين الدماغ والكمبيوتر يكمن في «ترجمة» الإشارات الكهربائية إلى لغة يستوعبها الكمبيوتر، من قبيل لغات البرمجة على سبيل المثال.
على أن هذه «الترجمة» للإشارات الكهربائية المنبعثة من الدماغ كانت «بدائية» تقتصر على أمور بسيطة حتى الأمس القريب، وبالتالي لا تتيح «قراءة» الكمبيوتر للأفكار التي تجول داخل الدماغ، غير أن التجربة التي أجراها فريق الباحثين باتت تفتح المجال أمام «قراءة» الكمبيوتر للدماغ، وذلك من غير أن يدرك صاحب الدماغ حصول هذا الأمر.
تجربة قراءة الدماغ
في هذه التجربة قام فريق الباحثين من جامعات أوكسفورد البريطانية، وجينيفا السويسرية وبيركلي الأمريكية، يعاونهم 28 طالباً في علوم الكمبيوتر، بإجراء اختبارات بواسطة جهاز BCI يؤمن البينية بين الدماغ بانبعاثاته من الموجات الكهربائية والكمبيوتر. والجهاز المذكور من إنتاج شركة Emotiv الأمريكية المتخصصة في تطوير وإنتاج معدات وبرامج الاتصال المباشر بين الكمبيوتر والدماغ،
وهو من طراز متطور ومعقد، ولا ريب في أنه لا يُعتبر من تلك الأجهزة المتفوقة والبالغة التعقيد المعتمدة لإجراء التجارب الرائدة التي تؤدي إلى إحداث «اختراقات» جذرية في العلم والتكنولوجيا. وقد تبين من الاختبار أنه بالإمكان استخراج معلومات سرية من الدماغ من قبيل أرقام الحسابات المصرفية أو كلمات السر بواسطة الجهاز المذكور، وذلك من غير أن يشعر الشخص الذي تم استخراج المعلومات من دماغه بحصول الأمر،
وقد جرى الاختبار بأن الطلبة المشاركين أبلغوا أنهم يشاركون في «اختبار أمني»، إنما من غير إطلاعهم بأن الاختبار يقضي بـ«قرصنة» محتويات دماغهم، وأثناء ذلك ارتدى كل طالب مشارك جهاز شركة Emotiv لتأمين البينية بين دماغه والكمبيوتر، وجلس أمام جهاز كمبيوتر، حيث عرضت شاشة هذا الكمبيوتر مشاهد مختلفة تمثل خرائط جغرافية ومبان أو مكاتب مصرفية وبطاقات ائتمانية مع الأرقام التعريفية الخاصة بتلك البطاقات، وما إلى ذلك بما يوحي بالعمليات المالية والمصرفية التي يقوم بها أي مستهلك في حياتنا العصرية،
وقد تم تسجيل الإشارات الكهربائية المنبعثة من الدماغ لدى رؤية المشاهد التي كانت تعرضها شاشة الكمبيوتر، مع التفريق بين الإشارات الصادرة عن الدماغ كردة فعل على رؤية «صورة محفّزة الأهداف» target stimulus، وهي الإشارة المعروفة بإشارة P300، والإشارات الصادرة لدى مشاهدة صور عادية غير «محفزة الأهداف»والصور المحفّزة الأهداف هذه هي تلك التي تمثل أشياء أو عوامل ذات الطبيعة «الحساسة» من قبيل الأرقام التعريفية وما إلى ذلك، والتي يُراد «تحفيز» الخاضع للاختبار على القيام بردة فعل ما بتفكيره، وبالتالي بالموجات الكهربائية المنبعثة من دماغه.
ولدى التحليل المعمق لإشارات P300، تبين للباحثين أنه بإمكانهم «فرز» الإشارات بين تلك العائدة إلى تفكير متشتت غير محدد (لا يستطيع الإنسان، أي إنسان، أن يوجّه تفكيره إلى أمر ما بنسبة كاملة وعلى نحو «حصري»، وذلك مهما بلغت درجة تركيزه)، وتفكير مركز على أمر محدد ما.
وبلغة الأرقام فإن الباحثين تمكنوا من أن يتعرفوا على الإشارات المنبعثة من الدماغ، والتي تعود إلى أمر محدد بنسبة تتراوح بين 10 و40% مقابل جميع الإشارات المنبعثة من الدماغ، والتي يعود معظمها إلى أمور مشتتة غير ذات أهمية.
أما في الواقع، فإن هذا الاختبار يعني أن الأشخاص الخاضعين للاختبار كانوا «يسرّبون» معلومات من تفكيرهم بواسطة جهاز Emotiv من غير وعي منهم للأمر، وهذه المعلومات تعود إلى بيانات سرية.
مثال على ذلك أنه عندما يشاهد الشخص الخاضع للاختبار رقم تعريف لبطاقة ائتمانية، فإنه يفكر بصورة لا شعورية برقم التعريف الخاص ببطاقته الائتمانية الشخصية، وجهاز BCI لتأمين البينية بين الدماغ والكمبيوتر يسجل هذا التفكير الذي يعود الكمبيوتر ويتولى تحليله. وقد أتت نتائج الاختبار على نحو غير متوقع من الدقة لجهة تحديد أنواع وفئات إشارات P300 المنبعثة من دماغ الخاضعين للاختبار.
ولا يزال هذا الاختبار في مراحله الأولى، بمعنى أن جهاز Emotiv - وأي جهاز BCI لتأمين البينية بين الدماغ والكمبيوتر من إنتاج شركة أخرى - يستطيع الآن أن يحدد متى ما كان الشخص الخاضع للاختبار يفكر بأمر محدد، مثل رقم بطاقته الائتمانية، ولكنه لا يستطيع أن «يقرأ» تفاصيل هذا التفكير، ويحدد ما هو هذا الرقم بالضبط. لكن العلماء يقولون إن هذا الأمر قد يحصل في المستقبل لدى تحقيق تقدم في التعرف إلى الإشارات الكهرومغناطيسية المنبعثة من الدماغ، مع تحسين أداء البرامج الكمبيوترية لتحليل تلك الإشارات.
الانعكاسات المستقبلية للاختبار يشير الباحثون الذين تولوا إجراء الاختبار إلى أن تحسين أداء أجهزة BCI للبينية بين الدماغ والكمبيوتر، مع اتساع نطاق انتشار وتشغيل هذه الأجهزة، بحيث باتت تُعتمد لغايات غير طبية وتتعلق بالحياة اليومية للمستعملين، فضلاً عن زيادة دقة برامج «الهندسة الاجتماعية» Social Engineering التي باتت تُعتمد بكثافة في المواقع الاجتماعية للتعرف إلى المعلومات السرية الشخصية الخاصة بالمشتركين في هذه المواقع (موقع Facebook على سبيل المثال)، ما قد يؤدي في نهاية المطاف إلى أن المشتركين في هذه المواقع سوف يسربون من غير وعي منهم معلومات بالغة الدقة والسرية تتعلق بحياتهم الخاصة يسارع من يحصل عليها عن طريق القرصنة إلى استغلالها، مثلاً عن طريق سحب الأموال المودعة في الحساب المصرفي العائد للشخص الذي يتم التعرف إلى أفكاره بهذا الأسلوب.
كما يمكن استغلال تقنيات أجهزة BCI لدى إجراء تحقيقات قضائية، وذلك لاستخراج معلومات من الأشخاص الخاضعين للتحقيق، بحيث إن التفكير اللاشعوري لهؤلاء قد يقودهم إلى التفكير ببعض الأمور التي يرفضون الإقرار بها للمحققين بتفكيرهم الواعي، مع إمكانية تحليل هذا التفكير اللاشعوري على النحو الذي استعرضناه.
ومن الناحية العملية، تقول الدراسة المحللة والمستعرِضة والمحلِلة للاختبار، والتي عرضت في مؤتمر «يوزنيكس» للأمن المعلوماتي الذي عقد مؤخراً في مدينة بيلفو بولاية واشنطن الأمريكية: إن عمليات قرصنة التفكير تلك يمكن أن تحصل بواسطة الشبكات الاجتماعية لدى ممارسة الشخص الذي تتم «سرقة أفكاره» لبعض الألعاب الإلكترونية الشبكية، حيث إن ممارسة بعض تلك الألعاب قد يتطلب ارتداء المشترك فيها - أي في اللعبة الشبكية - لأجهزة BCI، مع تمرير «صورة محفّزة الأهداف» في سياق عرض مشاهد ممارسة اللعبة الشبكية، ما قد يتيح مستقبلاً التعرّف إلى أسرار الشخص المُستهدف المشارك في اللعبة، ولا تسمح التكنولوجيا المتوفرة حالياً بتحقيق عمليات من هذا النوع، لكن هذا الواقع قد يتبدل في غضون مدة ليست بالبعيدة جداً، كما أشارت الدراسة نفسها إلى إمكانية استغلال البيانات المخزنة في أجهزة BCI لزرع ونشر الفيروسات الكمبيوترية.
أما الحل الواقي من الوقوع في هذه المطبات، فإنه يكمن في محاولة عدم التفكير بأمور ذات الطبيعة الحساسة لدى ارتداء أجهزة BCI حسب ما ذكره أحد المشتركين في الدراسة.
على أن المشكلة هنا تكمن في أن التفكير يحصل غالباً على نحو لا شعوري، وبالتالي فمن بالغ الصعوبة التحكم بمساره.
وقال الباحثون في معهد كارلسروه للتكنولوجيا في ألمانيا ومركز وادسورث في الولايات المتحدة: إن عملية القراءة تمت عن طريق تثبيت أقطاب كهربائية على قشرة الدماغ، وشارك سبعة من مرضى الصرع الأمريكيين طواعية في التجربة حيث قاموا بقراءة عينات من النصوص جهراً بينما كان عدد من الأقطاب الكهربائية مثبتة في قشرة الدماغ سبق أن تعرضت لجراحة استئصال بؤرة الصرع. وتعد عمليات الرصد من هذا النوع مستحيلة في ظل وجود الأقطاب المثبتة على الجمجمة.
قالت تانيا شولتس أستاذة تكنولوجيا المعلومات في معهد كارلسروه للتكنولوجيا، وإحدى مؤلفات الدراسة التي نشرت عن هذه التجربة في دورية «فرونتيرز إن نيوروساينس»: «للمرة الأولى استطعنا مراقبة الدماغ». وفي هذه التجربة استخدم الباحثون برامج لتحديد أماكن الأنشطة وعرضها على شاشة بمساعدة الألوان.
وأوضحت شولتس أن «اللونين الأحمر والأصفر يعنيان نشاطاً مكثفاً في هذه البقعة في المخ بينما يعني اللون الأزرق نشاطاً أقل». وتم خلال التجربة إعطاء المرضى مجموعة من النصوص مثل خطاب الرئيس الأمريكي الأسبق جون كينيدي، أو أبيات شعر بسيطة خاصة بالأطفال حتى يعرف الباحثون أي الأصوات تنطق ومتى.
ويعد حجم التجربة المحدود، والتي شملت سبعة مرضى واستمرار الكلام لمدة خمس دقائق فقط في المرة في برنامج بحثي على مدار أربع سنوات نقطة شائكة. لكنها تذكر بتجربة مماثلة أجراها فريق من باحثين بريطانيين وسويسريين وأمريكيين في وقت سابق لقراءة الخواطر مباشرة من الدماغ بواسطة برامج ومعدات رقمية خاصة أعطت بعض النتائج المشجعة لهذه الناحية.
تقنيات BCI البينية بين الدماغ والكمبيوتر استخدمت في التجربة الأخيرة تقنية بينية بين الدماغ والكمبيوتر تعرف باسم BCI، وهي عبارة عن نظام حاسوبي يؤمن نمطاً من الاتصال بين الدماغ وأجهزة الكمبيوتر، بحيث إن الدماغ يوجه أوامر إلى جهاز كمبيوتري بواسطة بيضات عصبية أو حركات - مثلاً حركات العين - يديرها الدماغ، وتتحول إلى إشارات كهرومغناطيسية يتلقاها نظام استشعار sensor معلوماتي ويحوّلها إلى الكمبيوتر لتتم معالجتها وتنفيذ الأوامر الصادرة على هذا النحو.
وتستخدم هذه الأنظمة في الأغلب لغايات طبية، وبصورة خاصة من أجل مساعدة المعاقين جسدياً على تدبير أمورهم وعلى تأمين اتصالهم بالآخرين، على أن دائرة هذه الاستعمالات اتسعت كثيراً في السنوات الأخيرة وباتت تشمل تطبيقات ذات الطابع الاستهلاكي البحت مثل تشغيل الكمبيوتر من دون الإمساك به، أو ألعاب الفيديو، أو التقاط البيانات البيولوجية، فضلاً عن إمكانية ربط الأنظمة الهاتفية الذكية smartphones مثل الـiPhone والـAndroid بمعدات الاتصال تلك.
والأمر الذي يتيح الاتصال بين الدماغ والكمبيوتر - أو بالأحرى يؤمن «البينية بين الدماغ والكمبيوتر» Brain Computer Interface, BCI، هو أن نشاط الدماغ يتبلور على شكل إشارات أو موجات كهربائية يمكن التقاطها، وبالتالي فإن سر التوصيل بين الدماغ والكمبيوتر يكمن في «ترجمة» الإشارات الكهربائية إلى لغة يستوعبها الكمبيوتر، من قبيل لغات البرمجة على سبيل المثال.
على أن هذه «الترجمة» للإشارات الكهربائية المنبعثة من الدماغ كانت «بدائية» تقتصر على أمور بسيطة حتى الأمس القريب، وبالتالي لا تتيح «قراءة» الكمبيوتر للأفكار التي تجول داخل الدماغ، غير أن التجربة التي أجراها فريق الباحثين باتت تفتح المجال أمام «قراءة» الكمبيوتر للدماغ، وذلك من غير أن يدرك صاحب الدماغ حصول هذا الأمر.
تجربة قراءة الدماغ
في هذه التجربة قام فريق الباحثين من جامعات أوكسفورد البريطانية، وجينيفا السويسرية وبيركلي الأمريكية، يعاونهم 28 طالباً في علوم الكمبيوتر، بإجراء اختبارات بواسطة جهاز BCI يؤمن البينية بين الدماغ بانبعاثاته من الموجات الكهربائية والكمبيوتر. والجهاز المذكور من إنتاج شركة Emotiv الأمريكية المتخصصة في تطوير وإنتاج معدات وبرامج الاتصال المباشر بين الكمبيوتر والدماغ،
وهو من طراز متطور ومعقد، ولا ريب في أنه لا يُعتبر من تلك الأجهزة المتفوقة والبالغة التعقيد المعتمدة لإجراء التجارب الرائدة التي تؤدي إلى إحداث «اختراقات» جذرية في العلم والتكنولوجيا. وقد تبين من الاختبار أنه بالإمكان استخراج معلومات سرية من الدماغ من قبيل أرقام الحسابات المصرفية أو كلمات السر بواسطة الجهاز المذكور، وذلك من غير أن يشعر الشخص الذي تم استخراج المعلومات من دماغه بحصول الأمر،
وقد جرى الاختبار بأن الطلبة المشاركين أبلغوا أنهم يشاركون في «اختبار أمني»، إنما من غير إطلاعهم بأن الاختبار يقضي بـ«قرصنة» محتويات دماغهم، وأثناء ذلك ارتدى كل طالب مشارك جهاز شركة Emotiv لتأمين البينية بين دماغه والكمبيوتر، وجلس أمام جهاز كمبيوتر، حيث عرضت شاشة هذا الكمبيوتر مشاهد مختلفة تمثل خرائط جغرافية ومبان أو مكاتب مصرفية وبطاقات ائتمانية مع الأرقام التعريفية الخاصة بتلك البطاقات، وما إلى ذلك بما يوحي بالعمليات المالية والمصرفية التي يقوم بها أي مستهلك في حياتنا العصرية،
وقد تم تسجيل الإشارات الكهربائية المنبعثة من الدماغ لدى رؤية المشاهد التي كانت تعرضها شاشة الكمبيوتر، مع التفريق بين الإشارات الصادرة عن الدماغ كردة فعل على رؤية «صورة محفّزة الأهداف» target stimulus، وهي الإشارة المعروفة بإشارة P300، والإشارات الصادرة لدى مشاهدة صور عادية غير «محفزة الأهداف»والصور المحفّزة الأهداف هذه هي تلك التي تمثل أشياء أو عوامل ذات الطبيعة «الحساسة» من قبيل الأرقام التعريفية وما إلى ذلك، والتي يُراد «تحفيز» الخاضع للاختبار على القيام بردة فعل ما بتفكيره، وبالتالي بالموجات الكهربائية المنبعثة من دماغه.
ولدى التحليل المعمق لإشارات P300، تبين للباحثين أنه بإمكانهم «فرز» الإشارات بين تلك العائدة إلى تفكير متشتت غير محدد (لا يستطيع الإنسان، أي إنسان، أن يوجّه تفكيره إلى أمر ما بنسبة كاملة وعلى نحو «حصري»، وذلك مهما بلغت درجة تركيزه)، وتفكير مركز على أمر محدد ما.
وبلغة الأرقام فإن الباحثين تمكنوا من أن يتعرفوا على الإشارات المنبعثة من الدماغ، والتي تعود إلى أمر محدد بنسبة تتراوح بين 10 و40% مقابل جميع الإشارات المنبعثة من الدماغ، والتي يعود معظمها إلى أمور مشتتة غير ذات أهمية.
أما في الواقع، فإن هذا الاختبار يعني أن الأشخاص الخاضعين للاختبار كانوا «يسرّبون» معلومات من تفكيرهم بواسطة جهاز Emotiv من غير وعي منهم للأمر، وهذه المعلومات تعود إلى بيانات سرية.
مثال على ذلك أنه عندما يشاهد الشخص الخاضع للاختبار رقم تعريف لبطاقة ائتمانية، فإنه يفكر بصورة لا شعورية برقم التعريف الخاص ببطاقته الائتمانية الشخصية، وجهاز BCI لتأمين البينية بين الدماغ والكمبيوتر يسجل هذا التفكير الذي يعود الكمبيوتر ويتولى تحليله. وقد أتت نتائج الاختبار على نحو غير متوقع من الدقة لجهة تحديد أنواع وفئات إشارات P300 المنبعثة من دماغ الخاضعين للاختبار.
ولا يزال هذا الاختبار في مراحله الأولى، بمعنى أن جهاز Emotiv - وأي جهاز BCI لتأمين البينية بين الدماغ والكمبيوتر من إنتاج شركة أخرى - يستطيع الآن أن يحدد متى ما كان الشخص الخاضع للاختبار يفكر بأمر محدد، مثل رقم بطاقته الائتمانية، ولكنه لا يستطيع أن «يقرأ» تفاصيل هذا التفكير، ويحدد ما هو هذا الرقم بالضبط. لكن العلماء يقولون إن هذا الأمر قد يحصل في المستقبل لدى تحقيق تقدم في التعرف إلى الإشارات الكهرومغناطيسية المنبعثة من الدماغ، مع تحسين أداء البرامج الكمبيوترية لتحليل تلك الإشارات.
الانعكاسات المستقبلية للاختبار يشير الباحثون الذين تولوا إجراء الاختبار إلى أن تحسين أداء أجهزة BCI للبينية بين الدماغ والكمبيوتر، مع اتساع نطاق انتشار وتشغيل هذه الأجهزة، بحيث باتت تُعتمد لغايات غير طبية وتتعلق بالحياة اليومية للمستعملين، فضلاً عن زيادة دقة برامج «الهندسة الاجتماعية» Social Engineering التي باتت تُعتمد بكثافة في المواقع الاجتماعية للتعرف إلى المعلومات السرية الشخصية الخاصة بالمشتركين في هذه المواقع (موقع Facebook على سبيل المثال)، ما قد يؤدي في نهاية المطاف إلى أن المشتركين في هذه المواقع سوف يسربون من غير وعي منهم معلومات بالغة الدقة والسرية تتعلق بحياتهم الخاصة يسارع من يحصل عليها عن طريق القرصنة إلى استغلالها، مثلاً عن طريق سحب الأموال المودعة في الحساب المصرفي العائد للشخص الذي يتم التعرف إلى أفكاره بهذا الأسلوب.
كما يمكن استغلال تقنيات أجهزة BCI لدى إجراء تحقيقات قضائية، وذلك لاستخراج معلومات من الأشخاص الخاضعين للتحقيق، بحيث إن التفكير اللاشعوري لهؤلاء قد يقودهم إلى التفكير ببعض الأمور التي يرفضون الإقرار بها للمحققين بتفكيرهم الواعي، مع إمكانية تحليل هذا التفكير اللاشعوري على النحو الذي استعرضناه.
ومن الناحية العملية، تقول الدراسة المحللة والمستعرِضة والمحلِلة للاختبار، والتي عرضت في مؤتمر «يوزنيكس» للأمن المعلوماتي الذي عقد مؤخراً في مدينة بيلفو بولاية واشنطن الأمريكية: إن عمليات قرصنة التفكير تلك يمكن أن تحصل بواسطة الشبكات الاجتماعية لدى ممارسة الشخص الذي تتم «سرقة أفكاره» لبعض الألعاب الإلكترونية الشبكية، حيث إن ممارسة بعض تلك الألعاب قد يتطلب ارتداء المشترك فيها - أي في اللعبة الشبكية - لأجهزة BCI، مع تمرير «صورة محفّزة الأهداف» في سياق عرض مشاهد ممارسة اللعبة الشبكية، ما قد يتيح مستقبلاً التعرّف إلى أسرار الشخص المُستهدف المشارك في اللعبة، ولا تسمح التكنولوجيا المتوفرة حالياً بتحقيق عمليات من هذا النوع، لكن هذا الواقع قد يتبدل في غضون مدة ليست بالبعيدة جداً، كما أشارت الدراسة نفسها إلى إمكانية استغلال البيانات المخزنة في أجهزة BCI لزرع ونشر الفيروسات الكمبيوترية.
أما الحل الواقي من الوقوع في هذه المطبات، فإنه يكمن في محاولة عدم التفكير بأمور ذات الطبيعة الحساسة لدى ارتداء أجهزة BCI حسب ما ذكره أحد المشتركين في الدراسة.
على أن المشكلة هنا تكمن في أن التفكير يحصل غالباً على نحو لا شعوري، وبالتالي فمن بالغ الصعوبة التحكم بمساره.