محمد بن حميد السويدي رحلة الشعر والغوص

عمل في البحر ونظم القصائد وعاش 100 عام
12:18 مساء
قراءة 7 دقائق

التقيت المرحوم محمد بن حميد بن جبران السويدي في العام 2002 وبدأ حديثه عن بداياته ونشأته حيث ولد وترعرع في المنطقة التي تعرف باسم حارة السودان في منطقة البطين في مدينة أبوظبي التي كانت تقع بالقرب من فريج آل بومهير .

وكانت المدينة تتكون من عدة أحياء يعرف واحدها باسم الحارة أو الفريج، وكان من هذه الأحياء والفرجان، حارة آل بومهير والسودان في منطقة البطين، وفي منطقة الظهر كانت أحياء العريفات والخمارة والهوامل وآل بوفلاح والبحارنة والقبيسات والرميثات والقمزان، وهذه الفرجان تمثل العشائر الأصلية التي كونت تركيبة وسكان أبوظبي القدماء وأكثرها من قبيلة بني ياس .

وكانت هذه الفرجان تتكون من عدة بيوت، والتي كانت تتفاوت من حارة إلى حارة، فكانت أحياء الرميثات والسودان والبحارنة وآل بومهير تتكون من بيوت كثيرة تزيد على ثلاثين بيتا .

وكان لكل عشيرة أعيان هم وجهاء المدينة، والذين كانت لهم المكانة الاجتماعية المرموقة، والمنزلة عند الشيوخ والحكام، منهم صالح وخليفة بن قريش وهم من العريفات، وكذلك راشد بن حميد الهاملي وجابر الهاملي والد محمد وأحمد وعلي، ومن القبيسات حامد بن بطي القبيسي جد المغفور له، بإذن الله، الشيخ زايد بن سلطان آل نهيان .

وعن زمن ولادته يقول الشاعر محمد بن حميد السويدي إنه يذكر السنة التي توفي فيها المغفور له الشيخ سلطان بن زايد آل نهيان حاكم أبوظبي الأسبق، وهو والد المغفور له بإذن الله الشيخ زايد بن سلطان آل نهيان، ويقول إن عمره آنذاك كان سبع سنين، والشيخ سلطان بن زايد توفي عام 1927 ميلادي، فيكون الشاعر بن جبران من مواليد عام 1920 ميلادية .

وعن طفولته يخبرنا أن صورتها لا تغيب عن الذاكرة، وهو لا يزال يعيشها إلى الآن بحلوها ومرها .

حكايتي مع المطوع

يقول الشاعر الراحل السويدي: في سني عمري الأولى درست عند المطاوعة، وأذكر من المطاوعة الذين تعلمت عندهم وتعلم عندهم أكثر أهل أبوظبي، المطوع عبدالكريم وهو من فارس وسكن المدينة وفتح له دكاناً كان عبارة عن بقالة يبيع فيها المواد الغذائية وبعض الحاجيات وأغراض المنزل، وكذلك كانت للمطوع عبدالحميد خيمة يعلمنا فيها، وكنا مقابل تعليم المطاوعة لنا ندفع لهم أسبوعية كانت تتراوح بين ثلاث وأربع روبيات ورشو أو بيزات .

وممن تعلم معنا عند هؤلاء المطاوعة أختي الكبرى العبدة بنت حميد رحمها الله، والتي قامت بتدريس البنات في خيمة من خيام بيت والدنا رحمه الله، وكان عدد الأولاد والبنات الذين يدرسون عندها يزيدون على الثلاثين بنتاً وولداً، وإضافة إلى هؤلاء المطاوعة، الذين كان أكثرهم من غير أبناء البلد، كان هناك بعض المطاوعة من أهل البلد، ولعل أكثرهم علما وقدرا كان الشيخ خليفة بن أحمد السويدي والد أحمد خليفة السويدي والشاعرة عوشة بنت خليفة السويدي (فتاة العرب)، وكان الشيخ خليفة بن أحمد السويدي عالماً جليلاً وواسع العلم وكانت طائفتهم أكثرها من العلماء ومشايخ الدين الأجلاء والكبار، وكانت له مكتبة كبيرة فيها الكثير من الكتب المخطوطة باليد والتي كنا نتصفحها ونقرأها، وللأسف ضاعت وفقدت ولا نعلم مصيرها حاليا، وكانت بعض هذه الكتب خاصاً بالشعر وكان فيها قصائد الشعراء السابقين ممن لم نعاصرهم بل سمعنا عنهم، أمثال شعراء آل بوفلاح كالشيخ شخبوط بن ذياب والشيخ سعيد بن طحنون وغيرهما من آل بوفلاح، والشاعر سرور تابع آل بن حبيش، والذي كان شاعر أهل البحر ويسمى سيد الشعراء وكان شعره يمتاز بالروحانيات وذكر الله والحكمة والنصيحة، وكذلك شعر ماجد بن سعيد السويدي كبير السودان في زمانه وكان قبل فترة حكم الشيخ شخبوط، وكانت له هيبة ومكانة لدى شيوخ وحكام آل بوفلاح .

ويقول شاعرنا إنه درس عند المطوع لفترة حتى بلغ من العمر عشر سنين، ويضيف: تركت المطوع بعد أن قام بضربي ب الحيفة وهي ذيل سمك اللخمة فقمت بضربه ب المرفع وهو كرسي مصنوع من جريد النخل ويوضع عليه القرآن الكريم وفررت بعدها من عنده ولم أعد إليه مرة أخرى .

النمل الأبيض اليعاريف

عن شاعريته يقول محمد بن حميد السويدي: أنا من أسرة يكثر فيها الشعراء، فجدي جبران بن سيف من شعراء أبوظبي اللامعين، وكذلك أعمامي خرج منهم الشعراء المميزون والمشهورون، ومنهم من سكن أم القيوين أيضاً، وكذلك أخوالي كان منهم الشعراء، وكنت أستمع للشعر كثيرا وخاصة شعر خالي ابن جبران الذي تأثرت به كثيرا، ولم أكن ممن يقول الشعر إلا القليل والقصير، وحدث أنه في ذات ليلة وبينما كنت نائما في حوش الدار إذ حلمت بأن اليعاريف وهي النمل الأبيض الصحراوي تخرج من فمي بكثرة، فاْستيقضت من نومي فزعاً وأنشدت شعراً أصف هذه الحالة وهذا الحلم الغريب الذي اعتبرته مزعجا، وكان في الحقيقة السر والنبوءة لشاعريتي، ومنذ ذلك اليوم وأنا أنشد وأنظم الشعر بكثرة وفي كل مناسبة وحادثة تمر علي .

وفي سن الشباب وكان عمري عندها ثماني عشرة سنة تقريبا عملت في البحر والغوص، حيث خرجت مع ميزر بن سالم السويدي وعملت غيصا وبقيت في هذه المهنة سبع سنين، ومن ثم استقللت بالعمل حيث اصطنعت لنفسي جالبوتا وهي من سفن الغوص، حيث عمل معي ثلاثة رجال وهم خالي أحمد بن جبران وغانم بن عاضد وعلي بن فتر، وكنا نجول بين الجزر مثل العرازيل وأبوقشيشة وبوكروة والحالة وبوهيب وبطن الفنطور والفنطور .

وأذكر أننا كنا (نبندر) أي نرسي بسفينتنا في موضع يقال له قرمة المصيعبي، والقرمة من أشجار البحر ويعرفها الجميع، وكانت هذه الشجرة ضخمة وكبيرة، وكان الناس لا يستطيعون أن يأخذوا ثمارها أو يستفيدوا من أغصانها ويستفيدوا منها، وذلك وكما يقال إن المصيعبي كان من الأولياء وهو الذي زرع هذه الشجرة ونذرها لله ولم يسمح لأحد بقطعها أو قطع أغصانها فلهذا فإن كل من كان يحاول قطعها أو قطع أغصانها أو ثمارها وورقها تصيبه لعنة، وأذكر أنه قام أحد الأشخاص بقطع غصن من هذه الشجر كي يستخدمه في سفينته، فما أن ضرب بفأسه الغصن حتى ارتدت الفأس إلى رأسه وهشمته، وكذلك قام أحد الأشخاص بربط زورقه الصغير المحمل بتيوس الأضاحي وما أن ربط الزورق حتى قامت التيوس برفس أرضية الزورق حتى حطمته فغرق الزورق وسبحت التيوس إلى البر ولاذت بالفرار .

رحلة الكفاح والعمل

بعد ذلك عملت عند المغفور له الشيخ شخبوط بن سلطان آل نهيان حاكم أبوظبي السابق، حيث عملت في حراسة قصر الحصن، وكان يحرس قبلي رجل يسمى خميس بالعود المريخي وبعده جاء بطي بالطحينة المهيري، وكان لحوش الحصن بابان شمالي وجنوبي، فكنا نقفل باب ونقف عند الباب الثاني ونحرسه، وكانت الأوضاع في تلك الفترة، ولله الحمد، مستقرة ولم يكن هناك بأس أو خوف، وبقيت في هذا العمل مدة ثلاث سنين، ومن ثم انتقلت إلى برج المقطع وعملت حارسا فيه .

وأذكر أنه عندما كنا نسير مع القوافل نمر على موضع جرن يافور الذي كان يعرف من قبل ب سوق إبليس حيث كانت توجد في الموضع حجارة كثيرة مصفوفة فوق بعضها البعض كالطابوق، ولم نكن نعرف حينها ما هي، وكان كبار السن يقول إن هذا من صبع الجن فلهذا كانوا يسمونها قديما ب سوق إبليس، وسميت ب جرن يافور نسبة إلى أحد شيوخ آل بوفلاح يسمى يافور أو كما يقال حالياً إنه جعفر وهو ابن شخبوط بن ذياب الكبير، والجرن هو القرن وهو رأس ومرتفع صخري وسط الرمال يسمى بالقرن . وكنا نروي أي نستقي الماء من موضع يعرف ب إرويكة وهي مجموعة من الآبار والحفائر متقاربة تقع خلف نقا بن عتيق وبن عتيق هذا هو الشاعر سعيد بن عتيق الهاملي الشاعر المعروف والذي له ديوان مطبوع . وكنا عند عبورنا بالقرب من هذا الموضع نجد النسوة من أهلنا قد تجمعن في هذا الموضع، وقد وضعن القهوة والعود والدخون، وكنا نمرح بالقرب منها ونأكل التمر ونشرب القهوة ونتدخن العود والدخون، وأذكر أنه في السبعينات وبينما كانت الآلات تحفر في هذا الموضع وتزيل لرصف طريق حديث، هاجتني العبرة وتذكرت تلك المشاهد الجميلة، فهاجت قريحتي وأنشدت هذه الأبيات:

سلام لك يا قرن يافور

عليك يوم أمر طايف

تاريخ لك في الصحف مذكور

ويذكرك لي تحت السقايف

اليوم طحت وصرت محظور

عليك من القزاز خايف

ريح العطر والمدخن يدور

والشم من طيب الصنايف

وطر مضالي خطف عبور

أقفي وفرق بالولايف

يا حميد يوم أصيح مجبور

القلب متكلف كلايف

مكتوب ولي يكتب ايصور

عن لي كتبلك هوب طايف

ما تنفع المنوى ولا حذور

ياليتنا متنا ولايف

في قبر واحد بين القبور

ريم غدا ماله وصايف

مربعة المقطع

بعد ذلك عملت في مربعة المقطع والتي كانت عبارة عن مبنى للشرطة والجمارك، بناها الشيخ شخبوط بن سلطان آل نهيان حاكم أبوظبي السابق، وعن تاريخ بنائها ذكر الشاعر لنا أن البناء كان بعد سنة أو سنتين من حادثة تاريخية وقعت في أبوظبي في العام 1948 ميلادية، وكان قبل تلك الحادثة بسنتين أي في عام 1946 ميلادية، بنى الشيخ شخبوط استراحته المعروفة بغرفة شخبوط أو استراحة شخبوط والتي بناها على مرتفع رملي يعرف ب حدبات الغبينة وكانوا يرون من عقلة شخبوط التي تقع قبل فريج الرميثات وكانت مياهها أعذب مياه أبوظبي، وهذا يعني أن تاريخ بناء مربعة المقطع يعود إلى عام 1949 أو1950 ميلادية، ولم يكن بينها وبين المقطع أية شجرة سوى غافة أحضرتها وزرعتها في هذا الموضع مع خالي أحمد بن جبران وكانت صغيرة فقمنا بسقايتها إلى أن شبت ونمت وأصبحت غافة كبيرة يستظل تحتها عابرو الطريق، حيث كان طريق القوافل يمر في هذا الموضع وهذا سر بناء الشيخ شخبوط لهذه الغرفة وفي هذا الموضع المهم المشرف على طريق القوافل ومنطقة المقطع .

وعملت في هذا الموضع والمكان إلى عام 1966 ميلادية حيث تقلد المغفور له بإذن الله الشيخ زايد بن سلطان آل نهيان مقاليد الحكم في إمارة أبوظبي، وعندها عرض علي الشيخ زايد أن يبتعثني في دورة تدريبية أعود بعدها لأمسك إحدى المناصب القيادية في الجيش الذي يود في تقويته وتطويره، فاعتذرت منه وقلت له إنني لا أطيق فراق البلد وإنني لم أخرج من أبوظبي إلا إلى العين وليوا .

وقد قبل اعتذاري وقال لي ماذا تريد من الأعمال عندنا فنحن نريدك بالقرب منا؟ فقلت له: أريد الإشراف على طيور القنص الخاصة بكم فأنا أعشقها وأحبها كثيراً وهذا سيجلعني بالقرب منكم، فوافق على طلبي .

لاستلام اشعارات وعروض من صحيفة "الخليج"