«هوكوساي».. عاصفة فنية غيرت خريطة التشكيل الياباني

01:06 صباحا
قراءة 4 دقائق
الشارقة: غيث خوري

تركت تجربة الفنان التشكيلي الياباني كاتسوشيكا هوكوساي (1760 - 1849) بصمة خاصة في تاريخ الفنون العالمية، واستطاعت لوحاته الزيتية وأعماله المحفورة أو النافرة أن تنقل الفن الياباني من الأطر التقليدية إلى فضاءات التجريب والإبداع التي تعبر عن مكنونات الفنان وتصوراته، وبذلك كان هوكوساي أبلغ وجه مشرق يعرفه العالم عن الفن الياباني.
شهدت مسيرة هوكوساي الفنية عدة محطات أبدع خلاها عدداً كبيراً من اللوحات، حيث كانت بداياته مع فن الطباعة والحفر على الخشب، الذي كان أحد أهم الفنون اليابانية التقليدية فرسم بورتريهات «الغيشا» ومصارعي السّومو، ورسوماً لروايات ودواوين شعرية، ثم انتقل منذ ثلاثينات القرن التاسع عشر إلى سلاسله الكبرى عن المناظر الطبيعية اليابانية، مستخدماً أسلوباً جديداً يتمثل في المزج بين مكتسباته الشرقية ومناهله الغربية، ليصوغ أعمالاً ذات جمال ساحر، خصوصاً سلسلته الشهيرة «ستة وثلاثون مشهداً عن جبل فوجي»، هذه السلسلة، التي تعتبر قمة إبداعه، بدأها عام 1830.

بدلاً من صور النبلاء والجنرالات وفتيات الغيشا، التي كانت موضوعات شائعة في التصوير الياباني في تلك الحقبة، بدأ هوكوساي بتصوير الناس في أعمالهم وحياتهم اليومية، ناقلاً مركز الاهتمام من الطبقات الغنية إلى عموم الشعب الياباني.
تعلّم هوكوساي من المناظر الريفية التي رآها في لوحات الفنانين الهولنديين والفرنسيين، مستفيداً من طرائق فنانيها في تشكيل المنظور والتظليل، محولاً إياها إلى مناظر طبيعية يابانية، دون أن يستنسخ تلك اللوحات، إنما قدم الطبيعة اليابانية بصفائها وسكونها، ومصوراً وحدة الإنسان مع محيطه الطبيعي.
وبحلول ثمانينات القرن التاسع عشر كانت رسوم هوكوساي قد انتشرت في الغرب، وأصبحت مجال دراسة لكثير من الفنانين الشباب مثل فان غوخ ورينوار، وفيستلر، كما يمكن ملاحظة تأثيره الفني في حركات الفن الحديث في ألمانيا وفرنسا، ولقيت تلك الأعمال احتفاء كبيراً من الرسامين آنذاك مونيه وديف وتولوز لوتريك وآخرين.
ينظر بعض النقاد إلى هوكوساي ليس كواحد من أهم الشخصيات في الفن الياباني فقط، إنما يعتبرونه الأب الروحي الذي ألهم الكثيرين من رواد حركة الحداثة الأوروبية، ويرون أنه من دون هوكوساي ربما لم تكن الحركة التعبيرية لتظهر، ولتغيرت خريطة الفن الحديث، ويعزو النقاد هذا الإشراق المذهل لهوكوساي إلى قدرته الفريدة على الخروج من البوتقة اليابانية الضيّقة، في الفترة الفاصلة بين القرنين السابع عشر والثامن عشر، إلى مساحات إنسانية أكثر رحابة.
نالت مجموعة من أعمال هوكوساي شهرة عالمية كبيرة، وبين أبرز تلك الأعمال نجد لوحات «صيادون في الثلج» و«الشيطان الضاحك» و«النمر في الثلج» و«مئة شاعر» و«قصة مئة شبح» ولوحة «بورتريه لمشية المحظيات»، إلا أن لوحة «موجة كاناغاوا العظيمة» تبقى هي الأكثر شهرة بين أعماله، لقد طافت شهرة هذه اللوحة الحدود، وأصبحت أيقونة الفن الياباني في العالم، وكانت هذه اللوحة ضمن سلسلة رسومه «ستة وثلاثون مشهداً عن جبل فوجي».
في لوحة «موجة كاناغاوا العظيمة» يبدو الصيادون وقد أُلقوا بين الأمواج الهائلة بحجومهم الضئيلة التي لا تكاد تذكر أمام تلك الأمواج العملاقة، في حين أن جبل فوجي الضخم المقدس يبدو مجرد تلة في الأفق البعيد.
ويظهر زبد الموجة العظيمة كالمخالب التي تنقض على مراكب الصيادين، في مشهد يجلب التوتر عبر تصوير الأزمة التي على وشك أن تحصل، فيما تبدو هذه الموجة أكبر وأعظم من جبل فوجي الكبير المتموضع في خلفية اللوحة، في حين يحاول الصيادون التجمع في إحدى جهات القارب مركزين الثقل في مكان واحد، في محاولة لتجنب الأمواج العاتية.
تتقابل في اللوحة قوى «الين واليانغ»، قوى «الين» ممثلة بعنف الطبيعة، توازنها قوى اليانغ بثقة وبراعة الصيادين في تجاوز الأمواج العاتية، وبرغم أنه يوم بحري عاصف، فإن الشمس تشرق في الأفق.
وقد ترك هوكوساي إلى جانب آثاره الفنية، رسائل في النقد الفني، ضمنها آراءه الخاصة في الفن، وملاحظاته حول صنعة التصوير وأساليبه، وعلى الرغم من أن هذه الرسائل كتبت منذ زمن بعيد، فإنها تحتفظ بأهميتها الفنية خلال الكبيرة، يقول هوكوساي في تلك الرسائل: «قال القدامى: لكي تكون رساماً عظيماً، يجب أن تتوفر لديك شروط ثلاثة: سمو الروح، وحرية الريشة، وفهم الأشياء... منذ القديم نسخ الإنسان وصور الأشياء وأشكالها، فمن السماء أخذ الشمس والقمر والنجوم، وعن الأرض أخذ الجبال والأشجار والأسماك، ومن ثم البيوت والحقول، وهذه الصور التي بُدّلت فيها الطبيعة وأصبحت أكثر بساطة، هي التي حملت للإنسان ملامح الكتابة، ولكن من أراد أن يكون رساماً، فعليه أن يحترم الصورة الأصلية للأشياء، وعندما يرسم البيوت والقصور والهياكل، عليه أن يعرف كيف أقيمت هذه الأشياء وكيف بُنيت.. يجب ألّا تكون الألوان كثيفة جداً، ولا مشرقة جداً، وعلى الريشة أن تتوارى دائماً تحت الألوان، وإلا نقلت القذارة إلى الصورة، وليكن انسياب الألوان زاهياً، دون غمق، ولتكن الخطوط التي تحدد الأشكال، مموهة متدرجة، غير حادة، قاسية، ولا تستعمل اللون إلا عندما يستقر على درجة هادئة، وينثر بعد ذلك على الأشياء كما ينثر الغبار، ولا تمر الريشة بألوانها على خط مرسوم إلا على خطوط الظلال السوداء.. ثم يختتم بالقول: لقد اعتدت أن أدعو نفسي هوكوساي، ولكن اليوم أدعو نفسي: الرجل المتقدم في العمر، المجنون في الرسم».

لاستلام اشعارات وعروض من صحيفة "الخليج"