أول ما يلفت نظر الزائر لسلطنة عمان هو اختلاف غطاء الرأس لدى العمانيين عن بقية دول مجلس التعاون الخليجي، حيث يجمع بين تلك الأخيرة ارتداء الغترة والعقال باختلافات بسيطة بينها، بينما يتفرد العماني بارتداء الكمة المزركشة والمِصَر الملون الذي يلف بطريقة معينة .
السطور التالية تحكي قصة غطاء الرأس في سلطنة عمان .
يلتزم العمانيون الذكور عموماً بارتداء ما يطلق عليه الكمة في مختلف الأوقات، ونادراً ما تشاهد عمانياً صغيراً كان أم كبيراً وهو يمشي حاسر الرأس، حيث تعتبر الكمة العمانية من أساسيات لباس العماني بمجرد مغادرته عتبة منزله، أما في العمل أو في المناسبات العامة والخاصة، فيضيف العماني على الكمة عمامة من نوع خاص تدعى المِصَر، والتي اكتسبت اسمها من كيفية وضعها على الرأس، فهي عبارة عن قطعة مربعة من القماش الصوفي تلف على الرأس بطريقة فنية وتصر صراً على قمة الرأس لضمان عدم انفلاتها في الأحوال كافة، ويتعلم الشاب العماني في مقتبل العمر كيفية ربط المصر ويتمرس بها خلال سنوات حياته لتصبح عادة يومية لا يستطيع الاستغناء عنها، بل إن تركها مازال يعد نقيصة في المجتمع العماني الذي لا ينظر باحترام كامل لمن لا يرتدي المصر وتحديداً في المناسبات أو أوقات العمل أو مراجعة الدوائر الحكومية .
الكمة هي من أساسيات الزي التقليدي العماني للرجال ولا يكتمل هذا الزي إلا بوجودها، ويكون الإطار الدائري من القطن والنقوش التطريزية من خيوط النسيج، وتخاط يدوياً بالإبرة وتزخرف بنقوش خاصة، وغالباً ما يستخدم لون واحد في نقشها وأحياناً لونان حسب الطلب، وقديماً كانت النسوة في سلطنة عمان يصنعن الكميم ويزخرفنها ويشتهرن بدقة تصميمها وهي مهنة تسمى التنجيم أما اليوم وفي ظل العولمة وغزو المنتجات الآسيوية أصقاع الأرض كافة، فيغلب على السوق العماني الكميم المصنعة في الفلبين والصين في معامل متخصصة بذلك تنتج كماً كبيراً وبسعر رخيص يبدأ من ثلاثة ريالات عمانية، ولكن هذه المنتجات ذات نوعية رديئة وتدخل الخيوط الصناعية في تركيبها، أما الكميم المحلية اليدوية فلا تزال لها شهرتها واحترامها، حيث تحاك الكمة التي تعتبر من الصناعات التراثية العمانية من خيوط ملونة جميلة تنقسم إلى نوعين، الأول سميك والآخر أقل سماكة، ويبللان بالماء كي يسهل استخدامهما ولا ينقطعا أثناء الخياطة، وتربط في الكمة نفسها إبرة كبيرة تساعد على إحداث ثقوب صغيرة فيها تؤمن للرأس القدرة على التنفس .
ولا تزال صناعة الكمة متداولة في مناطق وولايات السلطنة وبخاصة في ولاية قريات التي تشتهر بهذه الصناعة، ويوجد نوعان للكمة العمانية، نوع يطلق عليه نصف نجم، والآخر يطلق عليه اسم نجم كامل والأولى هي الأكثر ثمناً وتصل إلى سعر 60 ريالاً للكمة الواحدة ويستخدم فيها القطن فقط وتستغرق وقتاً طويلاً لإنجازها، ويحرص العماني الميسور على الحصول عليها واقتناء عدد منها بألوان مختلفة تتناسب والألوان التي طرزت بها الدشداشة التي يرتديها وغالباً ما تكون تلك الألوان زاهية وفاتحة تعكس حيوية العماني وإقباله على الحياة .
المِصَرّ العماني
أما المِصَرّ فيحرص العماني على ارتدائه في أوقات العمل وفي المناسبات الخاصة والعامة، ولن تجد إلا نادراً موظفاً حكومياً لا يرتدي المصر أثناء العمل، ويصنع المِصَر العماني من الصوف أيضاً ويزخرف بألوان بهية زاهية ومتنوعة، وتبدأ أسعاره من خمسة وعشرين ريالاً عمانياً وترتفع لتصل في بعض المصرات الخاصة إلى أكثر من ألفي ريال عماني، أي ثروة صغيرة يضعها العماني الميسور على رأسه في دلالة على الغنى والثراء، وتصنع تلك المصرات الخاصة من الكشمير الصوفي النادر ولا يقتنيها إلا أصحاب المراكز الخاصة ورجال الأعمال الكبار، أما المِصَر التقليدي العادي فيصنع أيضاً في دول شرق آسيا والصين التي تسيطر على أكثر من 90 في المئة من السوق .
أما ارتداء المِصَر فهو حكاية أخرى، حيث يعلم الأب أولاده في سن المراهقة كيفية ارتداء المِصَر بأنفسهم وهي ليست بالعملية السهلة تماماً، حيث إن إحكام ربط المصر يحتاج إلى حرفية ودقة، كما أن إبراز النقوش والرسوم على المصر تحتاج إلى معرفة بكيفية تصميم العقدة، ويختلف العمانيون في طريقة عقد المصر حسب مناطقهم، فهناك الطريقة المسقطية والظفارية والصحارية والصورية والبدوية وغيرها حسب المدن العمانية المختلفة، حيث يعرف العماني أخاه العماني من طريقة وضعه للمِصَر ويحدد مكان مقدمه منها، ويشتهر المِصَر الصوري نسبة إلى مدينة صور على الساحل الشرقي للسلطنة، حيث يتميز بعقده المختلف تماماً عن بقية مدن السلطنة، كما يتميز البدوي بإضافة بعض العقد المنفلتة في نهاياته وتتدلى على الكتفين بعد إحكام ربطه على الرأس .
عموماً يتميز الرجل العماني عن أخيه الخليجي بغطاء الرأس الخاص الذي يتألف من الكمة والمصر، كما يتميز باختلاف ألوانه ونقوشه المتعددة على عكس غطاء الرأس الخليجي الذي يسيطر عليه اللون الواحد مثل الأبيض والأحمر وغيره .