دبي: «الخليج»

«عسل».. قصيدة جديدة لصاحب السمو الشيخ محمد بن راشد آل مكتوم نائب رئيس الدولة، رئيس مجلس الوزراء حاكم دبي، رعاه الله، تضاف إلى تجربته الشعرية في موضوع «الغزل»، هذا الغرض الشعري الذي انشغل به كبار الشعراء، كونه يتعلق بالمشاعر المرهفة والجياشة، التي تفصح عما في القلوب من ود وصدق يترجم مكنونات النفس، فيصيبها بالرقة والحلاوة، حيث يطيب أعذب الكلام، وتنبثق أرق الصور والأفكار، التي تزيد الناس حسناً وجمالاً وقوة مضاعفة على التشبت بهذه الحياة، بما فيها من أوجاع ومكابدات كثيرة.
في هذا الإطار تأتي قصيدة سموه، التي تتألف من سبعة أبيات لتصور هذا الوجد الإنساني المرهف الذي يسمو بالكلمات ويطوف بالمعاني، وتضيف إلى تجربة سموه واحدة من القصائد التي يمكن إدراجها في مصاف الشعر، وتضيف إلى رصيد الشعر العربي وبالذات «النبطي» قبساً من فيض الجمال والرقة اللفظية والتعبيرية العالية.
يبدأ صاحب السمو الشيخ محمد بن راشد آل مكتوم القصيدة بمطلع لافت، يقول:

غلاكْ عندي عَنْ جميعْ المخاليقْ
                         ما حدْ غيركْ ساكنٍ في خفوقي

الحب هنا، قرين القلب، وحين يكون كذلك، فهو يتجسد حالة غارقة في الشفافية، يعبر عنها الشاعر بما امتلك من قوة الإيحاء والوصف كشاعر معروف على مستوى الوطن العربي، تغنى بأشعاره كبار المطربين العرب، لما لمسوه في هذه القصائد من فرادة في المعنى وقوة في التصوير والبلاغة، والشاعر المتمكن كما هو حال سموه يدرك أهمية الإقناع، ويدرك أكثر كيف يمكن أن يكون لوقع الاستهلال الشعري أثره في المتلقي، والحب بهذا المعنى يرتفع ويرتقي، ويتشكل في الكلام ليكون خطاباً بليغاً، لا سيما أنه يعبر عن تجربة خاصة.
في البيت الاستهلالي لهذه القصيدة، لنا أن نتأمل كيف يكون الحب متمكناً من قلب الشاعر، وكيف يرتفع عنده إلى مرتبة عالية، فيصبح غالياً كالجوهر، ونفيساً إلى الدرجة التي تستحق التماهي معها، وتصويرها كحكمة بليغة تجري مجرى المثل، كما تجري مجرى القول إذ يرتشف عمق الفكرة، فتخرج من تلقاء نفسها، فكرة مهيبة تتزين بأحلى الكلام وأرشق المفردات والعبارات وأعذبها.
في البيت الثاني يخاطب الشاعر المحبوبة بقوله «إنتي العسل»، كما يصف نورها بشعاع الشمس وقت الشروق، وفي هذا التوصيف ما يذكرنا بمرامي شعر الغزل الرفيع البعيد عن التشبيه الحسي، فغالبا ما تغنى الشعراء ومنهم سموه، بمحبوباتهم بلغة بعيدة عن التكلف والتصنع، وكانت مفردات الشمس، والعسل، والكواكب، والنجوم، والبدر، والماء، والجداول والأنهار، وهي أوصاف مستلهمة من الطبيعة تتسم بالرقة، وغالبا ما تؤدي المعنى المطلوب منها بأسلوب سلس وسهل فضلا عن كونه أسلوباً بليغاً ورقيقاً ومرناً، يقول سموه:

إنتي العسَلْ لي يشربونهْ علىَ الرِّيقْ
                         نِوركْ شعاعْ الشَّمسْ وقتْ الشِّروقي

هو حب يصدر عن مشاعر رهيفة وجياشة، فيستولي على المحب، الذي يصبح رهين تقلبات هذا الحب، الذي يطوف بمزاج الشاعر وذوقه، ويوجهه إلى حيث تتنفس الفكرة من رحيق الغيم، وتندى الكلمة بهمسة الصباح، ورذاذ المطر، وخفقة المعنى الذي ينسل من النبض والعروق كما هو حال الماء الذي يزين اليابسة بعذب المطر وخرير السواقي وغناء البلابل:

سكرانْ مِنْ حِبِّكْ مضيِّعْ ولا آفيقْ
                         علىَ مزاجي وكلْ ما فيكْ ذوقي
قابضْ غرامكْ عَ النِّفَسْ والمخانيقْ
                         آحسْ معْ دمِّي جرىَ في عروقي

الشاعر المحب، لا يكشف سره لأي مخلوق، فهو حريص على هذا الحب بمقدار حرصه على محبوبته، وفي الشعر العربي القديم، أمثلة عديدة على هذا الحرص بما ينطوي عليه من رقة وصدق مشاعر، لتكون صورة المحبوبة كما البلور الذي لا ينكسر، وفي منأى عن أي خدش أو مكروه.
لذا، فصاحب السمو الشيخ محمد بن راشد آل مكتوم في قصيدته «عسل»، كما هو واضح في الأبيات، لا يبوح بحبه، وهو حريص على كتمانه، برغم ما يسببه ذلك من ألم، فيقول:

كتَمتْ أسمِكْ في الصِّدورْ المغاليقْ
                       لوُ ك انْ كتمانهْ مِنْ أسبابْ عوقي

وهذه واحدة من صفات الشاعر النبيل، وواحدة من أسباب تميز الشعر، وتميز الحب كذلك بوصفه قوة كونية، هنا، يصبح الشاعر نجماً في فلك الحب، يدور فيه، ويسير وفق نظامه، الحب بهذا المعنى قوة خارقة تستولي على روح الشاعر، ولنتأمل قول سموه:

وعطيتْ لكْ صادقْ غلاضْ المواثيقْ
                            ما آبوحْ بهْ وأنا المودْ الصِّدوقي
يالينْ آخرْ يومْ لكْ في المعاليقْ
                         وآخرْ نفَسْ وإنتي غرامي وشوقي

يبدع صاحب السمو الشيخ محمد بن راشد آل مكتوم قصيدة تؤكد على جماليات اللغة وصدق المعاني، كما يؤكد على شفافية تليق بقصائد الغزل، التي تسمو بعاطفة الحب، وترتفع بأرق المفردات.