إعداد: محمد فتحي
في الفضاء حيث لا شيء سوى النيازك، وخطر الاصطدام بالحطام المتناثر، أو الضياع في الكون الفسيح، لا يملك رائد الفضاء سوى بزته التي تحمي جسده وتوفر له الضغط المناسب، والهواء الكافي للتنفس. وللبقاء آمناً هناك، حيث لا يمكن أن تهرع له سيارات الإسعاف، أو الحماية المدنية. ينبغي لرائد الفضاء الاعتماد على نفسه وفريقه لحل المشكلات، والتعامل مع الأزمات، وهو ما يتطلب سمات فريدة، وتدريباً عالياً يستمر شهوراً طويلة، تنفق خلالها أموال طائلة لإعداد رائد فضاء متسلح بالمهارات ومختلف العلوم، ومجتاز للعديد من الاختبارات النفسية، وتعرّض لكم هائل من الضغوط المقصودة للاعتماد على نفسه في الفضاء حيث العدم.
هي ليست عملية سهلة، ولا مهنة مثل أي مهنة أخرى، إذ لا توجد مدرسة «لرواد الفضاء»، ولا جامعة يتخرج فيها الإنسان ليصبح رائد فضاء. كما لا توجد مناهج محددة واضحة لإتقان هذه المهنة الغريبة. على المتقدم أن يتعلم آلاف الأشياء بنفسه، وأن يملك مؤهلات بدنية ونفسية لذلك. مهنة الطيار تبدو بدائية إزاء مهنة رائد الفضاء. في العادة تبحث وكالات الفضاء عن أفضل الناس لترشحهم للتدريب أولاً، وتدريب رائد الفضاء هو الاستثمار المضمون الوحيد لأي وكالة فضاء تريد أن تطلق مشروعاً، لكن هذا التدريب طويل جداً، ومكلف للغاية، ويلزمه دعم مستمر قبل الرحلة، وبعدها، والأخطر أن البرنامج قد ينهار لأقل عارض صحي قد يصيب رائد الفضاء ويجبره على ترك المهمة.
موقع وكالة الفضاء الأوروبية الإلكتروني سلط الضوء على كواليس المهنة الصعبة، حيث يبدأ الأمر بالإعلان عن الحاجة لرواد فضاء. ويلزم رواد الفضاء استحضار كل معارفهم ومهاراتهم لإنجاز المهمة التي دربوا لخوضها، وعليهم أن يتحملوا مسؤوليات عملاقة وهم في الفضاء داخل المدار المطلوب، أو في الطريق إليه، أو رجوعاً منه.
يتطلب من رواد الفضاء أن تكون لديهم ثقافة علمية، وإتقان للضوابط التقنية مقروناً بخلفية متميزة في مجال البحوث، والفروع.
من أبرز المسؤوليات أن رائد الفضاء يشارك في جميع جوانب عمليات التجميع، والدوران في محطة الفضائية الدولية، ويشمل ذلك كل الأنشطة الإضافية (EVA)، وعمليات الروبوتات باستخدام نظام التحكم عن بعد، وعمليات التجارب، ومهام الصيانة على متن المحطة. ويتطلب من رواد الفضاء أن يكون لديهم معرفة تفصيلية بأنظمة المحطة، إضافة إلى معرفة تفصيلية بالخصائص التشغيلية، ومتطلبات وأهداف المهمة، وأنظمة الدعم، والمعدات لكل تجربة في المهام المسندة إليهم. ويتمثل الحد الأدنى من المتطلبات في درجة البكالوريوس من مؤسسة معتمدة في الهندسة، أو العلوم البيولوجية، أو العلوم الفيزيائية، أو علوم الكمبيوتر، أو الرياضيات.
وينبغي على المتقدم اجتياز اختبارات بدنية وذهنية طويلة مع وكالة «ناسا»، تتضمن جودة النظر 20/20 لكل عين، ومن المقبول استخدام النظارات. وبما أن جميع أفراد الطاقم من المتوقع أن يطيروا على متن مركبة فضائية معينة وأن يؤدوا أنشطة خارج المركبة (السير في الفضاء)، فيجب على المتقدمين استيفاء متطلبات القياسات البشرية (الطول وأبعاد أطراف الجسم)، لكل من المركبة المحددة، ووحدة التنقل خارج المركبة (بدلة الفضاء).
تبدأ رحلة التدريب الطويلة والمرهقة بالدروس المعلوماتية حول أهداف رحلات الفضاء التي يتدرب رواد الفضاء من أجلها، فلكل مهمة تدريبات خاصة حول طبيعة المركبة الفضائية، وطول المدة الزمنية في الفضاء، والمهمة المطلوب تنفيذها. ولكن هناك تدريبات عامة ينبغي على الجميع القيام بها، تنقسم إلى قسمين، التدريبات الداخلية، والتدريبات الخارجية. ويطلق العلماء على هذا التدريب «التأقلم على بيئة الفضاء». ويتلقى رواد الفضاء تدريباً حول تشغيل دفع المركبات الفضائية، والتحكم الحراري، وأنظمة دعم الحياة. إضافة إلى تلقي التدريب في الميكانيكا المدارية، والتجارب العلمية، ومراقبة الأرض، وعلم الفلك. هذا التدريب مهم بشكل خاص للبعثات الفضائية عندما يواجه رائد فضاء أنظمة متعددة (على سبيل المثال محطة الفضاء الدولية).
أما التدريبات الخارجية فتنطوي على قدرة أكبر لرائد الفضاء على التأقلم مع البيئة الفضائية شديدة القسوة، خصوصاً أثناء مهمات السير في الفضاء خارج المركبة. وأهم تدريبات هذا النوع تبدأ بالغطس. فمحاكاة الحياة في الفضاء على سطح الأرض ليست سهلة بسبب الجاذبية، لذا يتم إجراء بعض التدريبات تحت سطح الماء. وتقوم وكالات الفضاء بإخضاع المتقدمين لاختبار عسكري تدريبي للنجاة في الماء، وتحرص على أن يتحمل المتدرب البقاء ثابتاً في الماء لمدة 10 دقائق، إضافة إلى السباحة لمساحة 75 متراً مرتدياً بزة الفضاء للتعود على وضع انعدام الجاذبية. ويتدرب رواد الفضاء على كل مهمات النشاط خارج المركبة EVA تحت الماء وباستخدام تكنولوجيا الواقع الافتراضي الحديثة.
ويتعين على كل رائد فضاء أن يصبح بارعاً في 100 تجربة، أو أكثر. وأثناء التدريب لا يكون لدى العلماء المسؤولين عن التجارب اتصال مباشر مع رواد الفضاء الذين سيقومون بها لمصلحتهم. وبدلاً من ذلك، فإن العلماء يرشدون المدربين الذين يقومون بدورهم بإعداد رواد الفضاء للقيام بالتجربة. أما التجارب البشرية، فتقوم على الرواد أنفسهم، حيث يتم إجراء بعض الاختبارات الطبية والفيزيائية والبيولوجية على الرواد لمعرفة قياسات معينة، وبعد الوصول إلى المدار من الممكن أن يخضع رواد الفضاء أنفسهم لبعض المتغيرات، وبعد هبوطهم بعد فترة معينة يتم قياس الاختلافات التي طرأت عليهم، مثل ضغط الدم، أو حالة المخ، أو نمو بعض الخلايا، وغيرها من الأمور العلمية التي لا حصر لها.
بعد الانتهاء من كل التدريبات التقليدية، تبدأ أهم عمليات التدريب المتمثلة في «التدريب على إطلاق المركبة الفضائية»، حيث يتم وضع رواد الفضاء المؤهلين للمهمة داخل كبسولة إطلاق التي تكون موجودة على رأس صاروخ الإطلاق. ويتم هذا الاختبار عادة في «مركز با يكو نور الفضائي» في كازاخستان.