تعتبر مسألة حرية الاعتقاد من القضايا المحسومة في الإسلام بصورة صريحة، فقد كفل الدين الحنيف هذا المبدأ للجميع مسلمين وغير مسلمين، انطلاقاً من حقيقة التعددية الدينية التي أقرها الإسلام، واعترف بها، وعمل على حمايتها في أول وثيقة متعلقة بهذه المسألة، وهي صحيفة المدينة المنورة عقب هجرة الرسول صلى الله عليه وسلم إليها، وكذلك في كتابه لأهل اليمن يأمر المسلمين «ومن كان على يهوديته أو نصرانيته فإنه لا يُفتن عنها»، وكل ذلك انطلاقاً من قوله تعالى: «لا إكراه في الدين»، وقوله تعالى:
«لكم دينكم ولي دين»، وقد صار هذا الأمر منهاجاً اقتدى به الخلفاء الراشدون الذين عملوا على سيادة هذا المبدأ في الفتوحات على نحو ما فعل عمر بن الخطاب عند فتحه للقدس، حيث ضمن للنصارى من سكان المدينة، الأمان على حياتهم وكنائسهم وصلبانهم، لا يُضرّ أحد منهم.
كل ذلك يؤكد أن مسألة حرية الاعتقاد، أمر ثابت في تعاليم الإسلام، وسابقة للمواثيق الحديثة الناتجة عن الفلسفات التي تتحدث عن حرية الاعتقاد كمبدأ يجب أن يسود، وإذا كان قد ساد خطاب زائف، ردحاً من الزمن بفعل التشدد، فإنه لا يعبر عن حقيقة الإسلام وجوهره؛ وقد آن الأوان للعودة إلى تلك المنابع الصافية في التراث الإسلامي.
نصت وثيقة «الأخوّة الإنسانية من أجل السلام العالمي والعيش المشترك»، التي وقّع عليها الإمام الأكبر الدكتور أحمد الطيب شيخ الجامع الأزهر والبابا فرنسيس بابا الكنيسة الكاثوليكية، فيما يتعلق بحرية المعتقد على: «أن الحرية حق لكل إنسان: اعتقاداً وفكراً وتعبيراً وممارسة، وأن التعددية والاختلاف في الدين واللون والجنس والعرق واللغة حكمة لمشيئة إلهية، قد خلق الله البشر عليها، وجعلها أصلاً ثابتاً تتفرع عنه حقوق حرية الاعتقاد، وحرية الاختلاف، وتجريم إكراه الناس على دين بعينه أو ثقافة محددة، أو فرض أسلوب حضاري لا يقبله الآخر». وهي بذلك قد جاءت شاملة وواضحة، بحيث أنها احتوت على كل ما قالت به الأديان السماوية والفلسفات والمشاريع الفكرية الكبرى، فالفهم الإنساني تجاه هذه القضية يجمع على تلك القيم والمبادئ، ولعل ما جعل هذه المفاهيم التي وردت في الوثيقة بهذا الإحكام والسبك، كونها عبّرت عن لقاء فريد بين الإسلام والمسيحية، حيث إن الغالبية من شعوب العالم تعتنق هذين الدينين، كما أنهما قد احتويا على مبادئ حرية الاعتقاد، بالتالي فإن المفهوم يتعزز في هذا اللقاء.
إن ما يجعل حرية المعتقد ضرورة موضوعية في هذا العصر الذي نعيش فيه، هو وجود صراعات عنيفة غطت على المشهد العالمي، وقبّحت وجه الإنسانية، حيث ساد خطاب الكراهية والعنف واحتقار الثقافات وصراع الأديان، بالتالي فإن سيادة السلام العالمي تقتضي أن يصبح مبدأ حرية الاعتقاد حقيقة يعمل بها في كل الدول، وأن تطبق المواثيق العالمية الخاصة بهذا المفهوم على أرض الواقع.
الحرية الدينية أو حرية المعتقد والتعبد، تعني في الأساس حرية الفرد والجماعة في اعتناق دين معين، من دون أن يجدوا مضايقات من مجموعات أخرى لا تشاركهم ذات المعتقد، ومن حق هذه الجماعة أن تمارس شعائرها وطقوسها الدينية، واحتفالاتها العقائدية، أوالدعوة لما يعتقدون، دون أن يمثل ذلك تهديداً لأي جماعة أخرى تعتنق ديانة أو فكرة مختلفة، والأصل هو أن تعيش هذه الجماعات في تعددها الديني والمعتقدي بحرية شاملة، وهذا ما نص عليه الإعلان العالمي لحقوق الإنسان في المادة 18، والتي ترى أن لأي شخص حقاً في حرية الفكر والوجدان والدين، ويشمل هذا الحق حريته في إظهار دينه أو معتقده بالتعبّد وإقامة الشعائر والممارسة والتعليم، بمفرده أو مع جماعة، وأمام الملأ أو على حدة. وبالطبع فإن هذه الأفكار الواردة في الوثيقة هي نتاج القيم الفاضلة التي أتت بها الأديان السماوية، وكذلك الأفكار التي أسس لها الكثير من الفلاسفة، حيث إن هذه القضية ظلت هاجساً يؤرق المشتغلين بالفكر.
يعبّر مبدأ حرية الاعتقاد بشكل أساسي، عن الطبيعة والفطرة الإنسانية التي تميل إلى المسالمة، وهذا ما استوعبته الأديان السماوية، فقد كانت هذه الفضائل سائدة في المجتمعات البشرية حتى ما قبل الأديان، ولكن مع نشوء الأفكار المتعصبة والمنغلقة على ذاتها، ظهرت الحاجة بشكل فعلي لسيادة حرية الاعتقاد بقوة الوثائق الملزمة للبشر في العالم كافة، ومن الضروري أن تصبح جميع دول العالم ملزمة بذلك وتقرّه في دساتيرها، وتعمل به، وترعى التعددية داخل مجتمعاتها، وتكفل حرية المعتقد وممارسة الشعائر الدينية، وتمنع دعوات التكفير والتحريض على الكراهية والعنف وتتصدي لها، فحرية المعتقد يجب أن تكون مكفولة لكل المواطنين، من حيث إنها حق شخصي، لا إكراه فيه، وحتى لا تصبح حرية الاعتقاد مطلقة بحيث يقع الناس في الالتباس، فإن هذه الحرية لا تقيد إلاّ بما يفرضه القانون، بحيث تصبح ضرورية لحماية الفرد والمجتمع والنظام العام.
وحتى تسود ثقافة حرية الاعتقاد في العالم أجمع، لابد أن تبرز مثل هذه اللقاءات بين رجال الدين، من أجل إزالة الحواجز، وحتى يصبح التحاور والتقارب بين الأديان واقعاً موضوعياً معيشاً، ينتج أفكاراً ووثائق تحض على حرية الاعتقاد، ولاشك أن مثل هذه اللقاءات قد أصبحت ضرورة تقتضيها مسألة التقارب بين العالم أجمع بفعل العولمة والتقدم في وسائل الاتصال، فلئن كانت الخصوصيات الدينية والثقافية مسألة تجد الأهمية في كثير من الدول، فلابد كذلك من إيلاء الاهتمام لقضية التعايش المشترك بين كافة الأديان والمعتقدات، فالدول بقدر ما هي تتقارب بفضل العولمة، فهي في ذات الوقت تحتفظ بخصوصياتها الدينية، بالتالي فإن مبدأ حرية الاعتقاد كفيل بحفظ هذه الخصوصيات، وأن يصبح في الآن نفسه، منصة للحوار بين الأديان.
التعددية والاختلاف في اللون والجنس والعرق سنة الله في خلقه
جوهر الفهم الصحيح للأديان السماوية كفله الدين الحنيف
8 فبراير 2019 04:07 صباحًا
|
آخر تحديث:
8 فبراير 04:07 2019
شارك
الشارقة: الخليج