تحل اليوم الموافق الرابع والعشرون من شهر نوفمبر/تشرين الثاني لعام 2017 الذكرى السنوية الأولى لوفاة المغفور له خميس مطر المزينة، رحمه الله، وأسكنه فسيح جناته.
والمزينة مسيرة عطاء وإخلاص في مجال العمل الشرطي امتدت لأكثر من 33 عاماً، وهو واحد من رجال الشرطة المشهود لهم بالكفاءة والتميز والاحترافية في دولة الإمارات عامة، وشرطة دبي بشكل خاص، بل إن كفاءته العملية كان لها صيت عالمي من خلال الإنجازات التي تحققت خلال فترة عمله، سواء عندما كان ضابطاً ومديراً في مجال البحث الجنائي، أو عندما تقلد منصب القائد العام لشرطة دبي.
اليوم، عندما نتذكر المزينة الذي لم ينسه أحد في ذكرى رحيله الأولى، نتذكر معه الكثير من النجاحات والإنجازات والجوائز التي حصدتها شرطة دبي، بفكر وإدارة وتميز، بمعاونة زملائه ومساعديه، وفرق العمل المختلفة التي خلق لديها حماساً كبيراً من اجل الوصول لأفضل أداء محلياً وعالمياً.
سيرة ذاتية
خدم المزينة في مجال العمل الشرطي أكثر من ثلاثة عقود، حيث التحق بالعمل في شرطة دبي عام 1983، وتحديداً في شهر يونيو/حزيران، وتدرج خلالها في العمل الأمني، من ضابط في قسم المخدرات بالإدارة العامة للتحريات والمباحث الجنائية عام 1993، إلى أن صار قائداً عاماً لشرطة دبي في العام 2013 برتبة لواء، ثم تقلد رتبة الفريق فيما بعد، وهي تعد أعلى رتبة عسكرية في مجال العمل الشرطي.
عرف عنه الإخلاص والتفاني وبذل الجهود الكبيرة في العمل الشرطي بشكل لافت على مدار الساعة، فكان، رحمه الله، لا ينام إلا قليلاً، وفقاً لما عرف عنه المقربون، وكان يمتلك طموحاً كبيراً دائماً بالوصول للأفضل في تقديم الخدمة للجمهور، بل حثه الدائم لفرق العمل على فرض السيطرة الأمنية في ربوع الإمارة كل في مجال تخصصه حتى باتت سمعة دبي في مقدمة مدن العالم الأكثر أمناً وأماناً.
في العام 1997 تقلد منصب مديراً لإدارة المباحث الجنائية، ليصل بعد ذلك لأرقى المناصب من خلال التفوق العملي في الكشف عن العديد من الجرائم الغامضة، وفي العام 2004 عين مديراً للإدارة العامة للتحريات والمباحث الجنائية، وفي العام 2008 عين نائباً للقائد العام لشرطة دبي، ثم قائدا عاما في 2013، ما يؤكد مقولة إن «لكل مجتهد نصيباً»، والمزينة لم يكن مجتهداً فقط، بل كان متفوقاً كضابط، ومن ثم كقائد لشرطة دبي، ميدانياً وإدارياً، حتى استطاع أن يصل بتوجيهات صاحب السمو الشيخ محمد بن راشد آل مكتوم، نائب رئيس الدولة، رئيس مجلس الوزراء، حاكم دبي، رعاه الله، ومتابعة وتوجيه من الفريق ضاحي خلفان تميم نائب رئيس الشرطة والأمن العام في دبي، بشرطة دبي إلى مصاف أجهزة الشرطة العالمية في التميز والرقي، بل التفوق عليها في مجالات عدة، ونالت بناء على ذلك سمعة طيبة محلياً وإقليمياً وعالمياً.
حب وتقدير
حظي المزينة بحب وتقدير كبيرين من جانب العاملين والمتعاملين مع شرطة دبي، ونفذ بحرفية رؤية وتوجهات صاحب السمو الشيخ محمد بن راشد آل مكتوم، في ما يتعلق بأمن وأمان الإمارة، وتطوير العمل في الجهاز الشرطي، والانتقال إلى الحكومة الذكية، ومن ثم استشراف المستقبل من خلال تطبيق برامج وتقنيات هي الأحدث عالمياً.
وكان له إنجاز طرح أول تطبيق ذكي لدائرة حكومية يوفر مختلف الخدمات الأمنية بضغطة زر، وتزامن ذلك مع حزمة من التقنيات المتطورة في مجالي الوقاية من الجريمة ومكافحتها، إضافة إلى جهوده في الحد من الحوادث المرورية القاتلة، كما أنه قاد فرق العمل في أهم القضايا التي شهدتها الإمارة، ولم يتوقف عن العمل الميداني رغم أعباء منصبه الإدارية، وكان مهموماً طوال يومه بالعمل حتى آخر لحظات حياته.
إنجازات
عندما نحاول أن نتذكر إنجازات للمرحوم المزينة، نجد أن هناك العديد من الإنجازات التي يصعب علينا سردها جميعاً، ولكن يكفي أن نتذكر له في المجال الجنائي عندما كان مديراً للإدارة العامة للتحريات والمباحث الجنائية كشفه غموض العديد من الجرائم التي وقعت في الإمارة، من خلال تواجده الميداني مع فرق العمل في الإدارة، ونذكر في هذا الصدد نجاحه في كشف لغز مقتل الفنانة اللبنانية سوزان تميم عام 2008، وكذلك كشف لغز جريمة سرقة محل مجوهرات «غراف» في وافي سنتر التي كانت من أغرب الجرائم التي وقعت على أرض دبي، بل إصراره على استمرارية المتابعة للجناة وملاحقتهم دولياً حتى تم الإيقاع بهم في دول مختلفة من العالم، وكان لشرطة دبي الفضل في كشف عصابة «النمر الوردي» وهي العصابة التي لم تستطع أية دولة أخرى في أوروبا الإيقاع بأفرادها، رغم جرائمها المتعددة، بل انه نجح في جلب بعض المتهمين للمحاكمة أمام محاكم دبي لينالوا عقابهم.
أيضاً نجح المزينة مع فرق البحث الجنائي ميدانياً، وتحت متابعة وإشراف الفريق ضاحي خلفان تميم في كشف المتورطين في مقتل القيادي بحماس محمود المبحوح في أحد فنادق دبي.
نجاحات لا تنسى
ونجح المزينة أيضاً من خلال الخطط التي رسمت لفرق العمل في إسقاط العديد من العصابات الإجرامية في مجال المخدرات من خلال قيادته لفرق العمل، أو ثقته الكبيرة بأنها ستكون على قدر المسؤولية وتوقع بالمجرمين.
ولم ينس كل من عمل مع المزينة مشهده يوم حريق أحد المستودعات في منطقة القوز الذي توفي فيه 9 أشخاص، وكان المستودع خاصاً بلعب الأطفال التي أحدثت دويّاً كبيراً عند انفجارها، حيث كان يقود بنفسه عمليات الإنقاذ للمصابين، والمشاركة في عمليات الإطفاء، حتى أعياه الدخان المتصاعد، ولطخت بدلته العسكرية برماد الحريق، وكان مشهداً صعباً للغاية، حيث ظل في موقع الحادث أكثر من 20 ساعة متواصلة.
مفاوض احترافي
يذكر للمرحوم خميس المزينة، انتقاله شخصياً للتفاوض مع «سيدة الحزام الناسف» التي دخلت مبنى النيابة العامة في دبي، وهددت بنسفه ما لم تتم الاستجابة لمطالبها، وسواء كان الحزام ناسفاً أم لا، فقد واجه المزينة الخطر بنفسه، وكان على رأس الفريق الأمني، في مؤشر يؤكد حرصه على أن يكون رجل شرطة ميدانياً، ووقتها كان يشغل منصب نائب القائد العام لشرطة دبي، وظل يفاوض المرأة أكثر من 12 ساعة، ومعه كل الفرق المتخصصة حتى انتهى الأمر كلياّ عند الثانية فجراً من ذلك اليوم.
وعندما سئل وقتها من الصحفيين، ما كل هذا الصبر على تلك المرأة؟ كان رده رحمه الله «كان من الممكن إنهاء الأمر في دقائق بمداهمتها، أو إطلاق رصاصة عليها، إلا أن ذلك لم نتعلمه في دولتنا الإمارات، كان لابد من التفاوض معها حتى النهاية حفاظاً عليها، وعلى طفلها في المقدمة، وحفاظاً على أرواح كل الموجودين، رغم الخطورة الكامنة في أن تكون مرتدية فعلاً حزاماً ناسفاً، ولذلك كان الصبر سلاحنا في إنهاء الأمر من دون أي خسائر، بل كان يتم إمدادها أيضاً خلال ذلك الوقت بالطعام لها، ولطفلها.
سابقة عالمية
وفي تقليد غير معتاد، فوجئ العالم أجمع ذات يوم بتدشين المزينة لدوريات الشرطة الفارهة التي لفتت انتباه العالم اجمع، بل أصبح مادة أساسية لتقارير إخبارية في كل وسائل الإعلام في العالم، وزادت من انتشار سمعة شرطة دبي، بل أصبحت مزاراً سياحياً للقادمين للإمارة والهيئات الدبلوماسية، حيث بدأ الأمر بسيارتين، وأصبحت شرطة دبي قبل وفاته تمتلك أسطولاً من تلك الدوريات يصل إلى اكثر من 15 دورية.
وجاءت الانطلاقة الأخرى بدوريات ودراجات مميزة مزودة بتقنيات نادرة تتميز بالعديد من الخواص الأمنية الدقيقة لفرض السيطرة الأمنية على الطريق، وفي أنحاء دبي كافة.
المختبر العصري
أيضاً ظل المزينة طوال عامين يتابع عمليات إنشاء، وتأسيس، وتجهيز أول مختبر جنائي عصري فاق المختبرات العالمية من حيث التصميم والتقنيات والتجهيزات التي يحتويها، إلى جانب المؤهلات العلمية التي تم إلحاقها بالعمل فيه من أبناء الوطن والإدارات المستحدثة في مجالات لم تكن موجودة من قبل.
وتواصلت جهوده التطويرية في جهاز شرطة دبي تتوالي أيضاً في الجانب المروري، وفي مجال التعامل الإلكتروني الذكي، من منطلق استشراف المستقبل، ووصل أن تكون شرطة دبي في مقدمة الدوائر المحلية التي أنجزت التحول الإلكتروني الذكي قبل المدة المقررة التي كانت ممنوحة لدوائر حكومة دبي.
جوائز
وتمكنت شرطة دبي خلال 17 عاماً من حصد المراكز الأولى في كل فئات الجوائز المحلية والخليجية والعربية والعالمية، وأصبحت دوائر حكومية عدة على مستوى الدولة تستعين بخبراء شرطة دبي في الجودة والتميز في تحسين أدائها، وهو ما أكده المزينة في إحدى تصريحاته الصحفية،
وقال إن شرطة دبي تعمل وفق منهجية للابتكار تعكس مدى تميزنا واستغلالنا الأمثل لمواردنا البشرية، وفق أفضل معايير الجودة والتميز، ما أهّلنا لحصد الجوائز المحلية والإقليمية العالمية، وتعزيز مسيرتنا في الارتقاء بأدائنا المتميز في مختلف مجالات العمل الشرطي، محققين الأمن الأمان وشعور الناس بالسعادة، سواء مواطنين، أو مقيمين، أو زائرين للدولة، مشيراً إلى أن هذا الزمن هو زمن دولة الإمارات من خلال التركيز على الخطط الاستراتيجية للابتكار وتحقيق الرفاهية للمجتمع وفق معايير تعكس الصورة المتميزة لحكومة دولة الإمارات
يذكر أن شرطة دبي فازت ب54 جائزة خلال العام 2015 في ظل قوة التنافس مع عدد من الجهات العالمية الرائدة.
الوفاة
كان نبأ وفاة المزينة في 24 من نوفمبر 2016 بأزمة قلبية انتابته أثناء عودته لمنزله من أحد الاحتفالات مباشرة، بمثابة الصدمة على للمجتمع، حيث كان قبلها بدقائق يشارك المسؤولين في فاعلية كبرى لاستشراف المستقبل، بحضور صاحب السمو الشيخ محمد بن راشد، ومديري الدوائر ووسائل الإعلام المختلفة، وقام يومها بتوقيع عدد من الاتفاقيات مع بعض الجهات لمشاريع جديدة.
ومن شهد تشييع جنازة المزينة وسرادقات العزاء التي أقيمت، وعدد الشخصيات وأفراد الجمهور الذين ترددوا عليها، من القريب والبعيد، إلى جانب كم التغريدات التي نشرت عبر وسائل التواصل الاجتماعي، يجد كم الحب والاحترام الذي كان يحظى به هذا الرجل من جموع الجماهير، سواء من أبناء الوطن أو المقيمين على ارض الدولة.
طاقة وعزيمة
أكد الفريق ضاحي خلفان تميم، نائب رئيس الشرطة والأمن العام في دبي، أن فقد رجل بحجم خميس مطر المزينة، أمر محزن للجميع، ولمن يعرفه جيداً، مؤكداً أن الفقيد سهر على الأمن، وأعطى كل ما عنده من طاقة وعزيمة حتى آخر لحظة في حياته، حيث كان شخصاً عزيزاً جداً على قلبي وبرحيله القلب يحزن.
وقال: من الصعب أن نجد قيادات بحجم الفريق خميس المزينة، رحمه الله، لأن الإتيان بمثله يحتاج لكثير من التأني والبحث والاختيار، لافتاً إلى أن شهادته فيه مجروحة، حيث عمل نائباً له سنوات عدة.
عام على رحيل قائدي
في مثل هذا اليوم نعى سيدي صاحب السمو الشيخ محمد بن راشد آل مكتوم نائب رئيس الدولة رئيس مجلس الوزراء حاكم دبي، رعاه الله، الفريق خميس مطر المزينة، رحمه الله، وقال سموه: «تعازيَّ الشخصية لأسرة خميس مطر المزينة وأصحابه ولأهل دبي ولشعب دولة الإمارات.. ومن ترك إرثاً للوطن كإرث خميس مطر فما رحل، بل سطر نفسه في سجل مجد الدولة».
ها هو عام يمضي يا قائدي على رحيلك، ففي مثل هذا اليوم 24 نوفمبر رحلت عنا وكان يوم الخميس وبعد مرور عام يصادف يوم الجمعة.. وتتجدد ذكراك التي لم تنس أبداً ونستعيد معاً محبة قيادتنا لك وتقديرهم لإخلاصك وعطائك، فقد قال سمو الشيخ حمدان بن محمد بن راشد آل مكتوم، ولي عهد دبي، «رحم الله خميس مطر المزينة.. عرفته عن قرب فوجدت فيه رجل الإخلاص في خدمة وطنه وشعبه.. ورجل النجاح لمؤسسة قويّة».
نعم كنت رجل النجاح في مؤسسة تفتخر بك وبمشوار تفانيك معها وبها.. لقد افتقدناك وافتقدت دولة الإمارات أحد أبنائها الأوفياء والمخلصين،.. قامة وطنية، أحبّ وطنه بكل ما يملك من مشاعر، وطاقة، وعقل، ووجدان، مترجماً هذا الحب بالعمل والعطاء والتفاني، بمنتهى الإخلاص لوطنه الغالي الإمارات، وهذا ما ذكره الفريق سمو الشيخ سيف بن زايد آل نهيان، نائب رئيس مجلس الوزراء وزير الداخلية، حين قال «رحم الله المزينة ما خبرته إلا متفانياً في عمله، مخلصاً لوطنه، اللهم ارحمه.. واغفر لابن الإمارات البار وأسكنه فسيح جناتك وامنح أهله الصبر والأجر».
كنت تفتخر دائماً بالقيادة الرشيدة وبمعلّميك الأوائل وكنت، رحمك الله، محط تقدير وإعجاب من قبلهم بشخصيتك الأمنية والاجتماعية والإنسانية، وهذا ما أكده الفريق ضاحي خلفان تميم، نائب رئيس الشرطة والأمن العام بدبي بقوله إن شخصية خميس المزينة التي اتسمت بالجدية والحزم والصرامة لم تخف إنسانيته وحرصه على عمل الخير، وكانت علاقته طيبة مع كافة زملائه، كان قائدا حقيقيا اجتمعت فيه كل معاني الالتزام، يعطي من يجد فيه الاستحقاق للمساعدة.
ستبقى إنجازاتك يا قائدي تحكي عن مسيرة عطائك وتميّزك، ونحن ماضون على خطاك فقد كنت القائد الملهم والمثابر الساهر على أمن الوطن والمواطن، وكنت القوة الكامنة لنجاح فرق العمل بحدسك وحسك إنسانياً وأمنياً، سنظل نتذكر المناقب الحميدة لفقيد الوطن، وما غرسه في نفوس أبنائه من قيم نبيلة وتضحية بكل غالٍ ونفيس من أجل المواطنة الصالحة والمحافظة على مكتسبات الدولة ونشر الطمأنينة في المجتمع.
لقد كنت القائد والمعلم.
ولا يسعنا في هذه الذكرى إلا أن نتقدم باسمي وباسم القيادة العامة لشرطة دبي بخالص المواساة لأسرة المرحوم الكريمة وأبنائه الذين سيواصلون مسيرته ويجددون ذكراه مع أبناء الوطن..
ونجدد دعاءنا لله عز وجل أن يسكنه فسيح جناته.. وستظل ذكراه خالدة في قلوبنا جميعا.
خميس.. الأب القائد
لقد ترددت كثيراً قبل أن أقرر كتابة هذه الكلمات.. هل سأستطيع الكتابة؟ وهل سأتغلب على الألم الذي يسكنني لأقوى على ذلك؟ وهل إن كتبت سأوفيه حقه؟ وماذا سأكتب وسيرته تحتاج إلى صفحات وصفحات وليس مجرد عدة سطور؟ أسئلة كثيرة كانت تثار في داخلي، إلاّ أن ذكرى مرور عام على رحيله أجبرتني على الكتابة فلم أدرِ إلاّ والقلم بين أصابعي يخط كلمات قليلة، ربما تفصح عن جانب من شخصية أبي الذي لا يعرفه الكثيرون.
من المتعارف عن والدي المرحوم، هيبته وشخصيته العسكرية الملتزمة بفرض واحترام القانون وإرساء وتوفير أُسس الأمن والأمان في ربوع بلدنا الحبيبة، فلم يكن يتساهل فيما يمس أمنها وسعادتها، مما جعله يعرف عند عامة الناس بالقوة والشدة والحزم، وجعلهم يتساءلون ويتفكرون عن شخصية القائد خميس بن مزينة في بيته ومع أهله؟ لقد سُئلت هذا السؤال عدة مرات... لكونهم لا يستطيعون تخيل أن هذه الشخصية ذات الهيبة والقوة ممكن أن تكون ذلك الأب الحنون المحب والعطوف على أبنائه. كنت أجيبهم أنه مختلف تماماً عما يعرف عنه في مجال عمله وعما يظنه الناس، كنت أخبرهم بأنه أب يعرف أن يوازن بين الجد والمزح، وبين الشدة واللين،
لا أتذكر أنه مر علينا يوم، لم يمازحنا مباشرةً من دخوله المنزل بعد يوم عمل شاق وبصوته العالي وضحكته المعهودة يمازحنا وينادينا بألقابنا التي سمانا بها منذ أن كنا أطفالاً صغاراً حتى وفاته، ورغم علامات التعب والإرهاق التي تبدو واضحة على محياه إلاّ أنه يبدأ بسؤالنا عن شؤوننا ودراستنا ويتابع باهتمام أخبارنا. لم يعلموا أنه أب محب حنون وعطوف مثل بقية الآباء؛ بل من أفضلهم. لقد اجتمعت صفات مختلفة في أبي كشدة الحزم والقيادة العسكرية البحتة التي جعلت منه قائداً عاماً لشرطة دبي (والذي كان يدير قرابة 25000 عسكري)، مع الأبوة الحانية والعطف والمرح الذي جعله أحن وأعظم أب في نفوسنا.
لقد عرفه عن قرب رفقاء دربه، وأصدقاؤه، عرفوا أبا محمد الإنسان فشهدوا له حبه للخير والحق والإنصاف وشغفه بخدمة الناس، كثير من الناس كانوا يتصلون به طالبين منه خدمة ما، أو مساعدة إنسانية، أو حل مشكلة ولا أتذكر أني كنت في صحبة أبي مرة إلا وقد أتاه اتصال فأغلق الهاتف وسارع لمساعدة الناس وحتى ساعات متأخرة من الليل، أو في أيام الإجازات. عرفوه الإنسان المتواضع البسيط الذي يتمتع بروح الدعابة والمرح كما كان يمتاز بأسلوب شائق في الحديث وسعة الاطّلاع والمعرفة في شتى المواضيع. كان يحب إثارة قريحة بعض الأصدقاء الشعراء بنظم بعض الأبيات الشعرية التي لا تخلو من المرح أو مجاراتهم ببعضها.
كان أبي المعلم الملهم والقدوة الحسنة، حيث زرع فينا المبادئ والقيم العالية والأخلاق الطيبة الكريمة. ومن خلال نشأتي تعلمت منه صفات الجد والمثابرة والإخلاص في العمل، لأن لا شيء أروع وأجمل من الإخلاص للوطن.
لطالما جعلنا أبي نخوض بعض المواقف بالاعتماد على النفس وكان يكتفي بالمراقبة مبتسماً عن بعد وكنت أجهل حكمة أبي حينها ولِمَ يجب علينا أن نخوض هذه المواقف أو التجارب ونحن أبناؤه ولكن أستطيع اليوم أن أقول إنه كان محقاً مما يجعلني أتساءل، أكان يعلم أبي بقرب رحيله؟ وأنه سيأتي اليوم الذي يجب علينا أن نعتمد فيه على أنفسنا؟
لقد رحل أبي عنا فجأة.. دون سابق إنذار أو تحضير؛ فالموت لا ينتظر أحداً... رحل أبي عن هذه الدنيا ولكنه لم يرحل عن قلبي فهو الغائب عني والحاضر في وجداني وأعماقي..وهنا لابد أن أقول إننا لسنا وحدنا من فقد أبانا؛ بل فقده الوطن بأكمله.
رحل الأب القائد الفريق خميس بن مزينة، الرجل الشجاع رجل الأمن والأمان، المواطن الصالح المحب لوطنه، العسكري المخلص في عمله الوفي لقادته وحكامه وولاة أمره. لقد شهد له الناس جميعاً بذلك، فأحبوه وافتقدوه وترحموا عليه...والحمد لله على هذه النعمة فمن أحبه الله أنزل حبه في قلوب عباده.
إن هدفي من كتابة هذا المقال، هو مشاركتكم بجانب آخر مضيء من شخصية والدي المرحوم الفريق خميس مطر المزينة الذي لا يعلمه الكثيرون، ولكن الهدف الأسمى الذي أطمع فيه، هو دعوة كل من عرف أبي أو سمع عنه أو قرأ كلماتي هذه أن يدعو له بالرحمة والمغفرة وأن يجعل الله تعالى مثواه جنة الفردوس الأعلى بصحبة نبينا وحبيبنا محمد صلى الله عليه وسلم (وأن يجمعنا معه وأمواتنا وأمواتكم أجمعين يا رب العالمين)....
