لا شيء أكبر من الوطن، هذا المكان الذي يحتضن أهله ويحنو عليهم، فهو الذي يلجأ إليه الفرد في النائبات، هو الملجأ والسكن والدفء، ومن أجله يضحي الناس، منه جاء مصطلح الوطنية، هذا المفهوم الذي يعبر عن الإحساس بالارتباط والالتزام لأمّة معيّنة، أو دولة ما، فهو مرادف للولاء والحب والإخلاص والفداء، وأيضاً وهذا «مربط الفرس» الرغبة في التضحية من أجله وتلبية ندائه في كل وقت.
هذا هو ما تعكسه قصيدة صاحب السمو الشيخ محمد بن راشد آل مكتوم، نائب رئيس الدولة، رئيس مجلس الوزراء، حاكم دبي، «رعاه الله»، الجديدة «الصقور المخلصين»، فسموه تربى في مدرسة المغفور له بإذن الله الشيخ زايد بن سلطان آل نهيان، طيب الله ثراه، وهو القائد الإماراتي العروبي الفذ، الذي يحب وطنه وشعبه، فيبادله الشعب حبّاً بحب، والجنود هم أبناء الشعب وذخيرته وعدته.
في قصيدته الجديدة يؤكد صاحب السمو الشيخ محمد بن راشد آل مكتوم هذا المعنى، وهذه الثوابت التي تجسد مفهوم الوطن والوطنية، ولا شك أن مناسبة قصيدة سموه، تمثل اعتزازه بعودة الجنود الإماراتيين إلى أرض الوطن مكللين بالفخار والعزة، فهو يوجه لهم أخلص التحية، هؤلاء من أدّوا واجبهم على أكمل وجه فصافحهم الوطن باليمين، ومن يصافحه الوطن كما جاء في قصيدة الشاعر، سليط، فقد حاز على وسام كبير من الفخر والاعتزاز والمجد والسؤدد.
يبدأ سموه قصيدته بقوله:
التحيِّهْ للصقورْ المخلصينْ
أدَّوا الواجبْ وردَّوْا للديارْ
الوطَنْ إلهُمْ يصافِحْ باليمينْ
ومنْ يصافِحهْ الوطَنْ نالْ إفتخارْ
شرِّفونا ولفعايلهُمْ نعينْ
ونحنْ نخدِمهِ الوطَنْ ليلْ ونهارْ
بمثل هذه العودة الميمونة، وبمثل هذا التشريف الذي لقيه الجنود العائدون إلى وطنهم، يكتب سموه قصيدة مفعمة بالصدق والشفافية، وأيضاً بالإكبار والاعتزاز، هكذا يقدر صاحب السمو الشيخ محمد بن راشد آل مكتوم جنوده، وسموه يحمد الله على هذه العودة المظفرة، فهؤلاء يجسدون معاني الوطنية، ويرفعون راية الإمارات عالياً، هم من نسل زايد، ومدرسة زايد.. وهذا هو ديدن الإماراتي الذي يغار على داره وموطنه فيفديه بالغالي والنفيس.
نحمِدْ اللهْ يومْ ردَّوْا سالمينْ
بالغنايِمْ والعلا والإنتصارْ
دومْ للرايِهْ بعزِّهْ رافعينْ
والإماراتي علىَ دارَهْ يغارْ
وعوداً على بدء، فلا بد من التذكير هنا، بمفهوم الوطن عند صاحب السمو الشيخ محمد بن راشد آل مكتوم، وهو الذي قال يوماً: «إن الوطن ليس الحجارة والأسمنت، الوطن هو أبي وأمي وجدي وجدتي.. هو أخي وأختي وابني وابنتي.. الوطن هم البشر، هم أهلي.. هم شعبي.. من أراد أن يخدم الوطن فليخدم الشعب.. من يقول إنه يحب الوطن فليحبهم ويحب الخير لهم ويضحي من أجلهم.. لأنهم هم الوطن وما سواهم فمجرد تراب فوقه تراب».
فما أجمله من توصيف، هو مفهوم يختزل كل معاني الحب، ومن أحب وطنه، فقد هام به، وبرع في خدمته، وتفانى في الدفاع عنه، فهو كناية عن شرف الإنسان، ومجد الإنسان، وذاكرته.. هكذا يكون الوطن، رمزاً للتوحد، وبداية كل ازدهار ورفعة وسمو، وهكذا هو في عرف سموه الذي يذكر هنا، أخاه صاحب السمو الشيخ محمد بن زايد آل نهيان، ولي عهد أبوظبي، نائب القائد الأعلى للقوات المسلحة، وهو سليل تلك المدرسة التي أسسها، بل رسخها المغفور له الشيخ زايد بن سلطان آل نهيان، طيب الله ثراه، هو «بوخالد» (الشهم الأمين)، الذي يسير على نهج الكبار، ولذلك فكلنا نمشي على درب «بوخالد»، فيمثل بذلك امتداداً لتلك المدرسة التي تعلم الفخار والشهامة والعزة بكافة معانيها وتجلياتها.
ليس ذلك فحسب، بل هي المدرسة، التي وعاها الجنود البواسل، كما يعيها الشعب الإماراتي، الذين ما فتئوا يرخصون أموالهم ودماءهم ويضحون بالغالي والنفيس، وهم يشعرون بأنهم إنما يلبون نداء الواجب، فهؤلاء هم الشعب، من تعلموا من الكبار والقادة، «ماهية الوطن»، وبمثل هذه الأفكار والدلالات العميقة يكتب صاحب السمو الشيخ محمد بن راشد قصيدته، ويمهرها بأغلى وأنفس وأعظم العبارات والدلالات.. كيف لا؟ وهو الشاعر ابن التجربة الإماراتية التي ترفل عزاً وشموخاً وكبرياء وكرامة، وبمثل هذه الأفكار العظيمة، يسطر سموه هذه القصيدة الباذخة المهداة لهؤلاء الجنود البواسل، فهم يستحقون مثل هذا التقدير من سموه، فهم أهل الملمات والمكرمات، وهم من يمثلون الوطن، ويرفعون رايته ويعبرون عن أسمى معانيه برؤوس مرفوعة وهامات تعلو نحو عنان السماء، فيجسدون أروع البطولات وأجلها.
يختتم صاحب السمو الشيخ محمد بن راشد آل مكتوم قصيدته بأبيات تعبر عن تلك المعاني التي أشرنا إليها، وسموه إذ يكرم جنوده بتلك الكلمات النابعة من القلب، وتلك العبارات المخلصة والشفيفة، فإنما هو تقدير كبير لأولئك الجنود الذين يستحقون ما هو أكثر، فهم «العنوان» الأبرز في مسيرة الوطن «وطن زايد» معلم الأجيال، وصانع مجد الدولة، ومعجزة الكبرياء والفخر والوطنية.
مجدْ دولتنا وأهلنا السَّالفينْ
بالتِّوحِّدْ منهْ شفنا الإزدهارْ
وخلفْ بوخالدْ هوْ الشَّهمْ الأمينْ
كلِّنا نمضي علىَ نهجْ الكبارْ
عودة مظفرة
المحرر الثقافي
«الصقور المخلصين»، هم أبناء الإمارات وجنودها البواسل في قواتها المسلحة، وهو الوسم الذي أطلقه المغردون على «تويتر»، لحظة استقبال الدولة لجنودها العائدين من اليمن، أولئك الأبطال الذين سطروا أروع ملاحم المجد والعز، وضربوا أمثلة الفداء والكرامة، فكانوا الدروع الحصينة، وكانوا البلسم الذي يضمد الجراح، واليد التي تغيث الملهوف والمحتاج.
و«الصقور المخلصين»، هي القصيدة التي تتهادى تيهاً بجنود الوطن، تلك التي سطر كلماتها بمداد الفخر صاحب السمو الشيخ محمد بن راشد آل مكتوم، نائب رئيس الدولة رئيس مجلس الوزراء حاكم دبي، رعاه الله، وجاءت بمثابة التحية العامرة بالجمال والمحبة للذين عملوا ليل نهار من أجل رفعة الوطن وعلو شأنه، فكانت كلمات الشاعر الذي وقع قصيدته باسم «سليط»، مقابلة الوفاء بالوفاء. تحمل القصيدة معاني سامية عبر كلمات سامقة، تليق بما قدمه البواسل الذين عرفتهم ساحات اليمن الشقيق، كأصحاب دور إنساني، ورسالة تكشف عن معاني الإخوة، فكانت كل كلمة في القصيدة تشير إلى عظم الدور الذي لعبه جنودنا هناك، ولئن عادوا اليوم إلى الوطن بأجسادهم، فإن أفعالهم باقية هناك، تحدث الأجيال جيلاً بعد جيل عن الملاحم التي سطروها.
وعبقرية الاستهلال في القصيدة تفصح عن نفسها، وهي تردد التحايا لجنود الوطن وفخر قواته المسلحة، الذين قاموا بالواجب الذي ألقاه الوطن على عاتقهم، فكان لزاماً أن يكون استقبالهم كيوم عيد، تصافحهم القلوب قبل الأيادي، وتمتد إليهم الأيدي اليمنى، في دلالة وإشارة إلى جليل صنيعهم، وتعبيراً عن رضا الوطن وشعبه عنهم، وعلى ما قدموه من أعمال جليلة، والذي يرضى عنه الوطن فقد حق له أن يفرح ويفخر، فذلك مقام لا يناله إلا الذين تحبهم الأوطان قيادة وشعباً.
التحيِّهْ للصقورْ المخلصينْ
أدَّوا الواجبْ وردَّوْا للديارْ
الوطَنْ إلهُمْ يصافِحْ باليمينْ
ومنْ يصافِحهْ الوطَنْ نالْ إفتخارْ
تمضي القصيدة وهي تحدثنا عن عظيم ما فعله جنود الإمارات وحماتها وجنودها، فقد شرفوا أوطانهم ورفعوا رايتها عالية خفاقة، فخدمة الأوطان هي الغاية السامية، وهذا هو ديدن قادة الدولة وحكامها الساهرون لأجل أمنها ومجدها وسؤددها، حيث لا يبخلون بشيء في سبيلها، فها هم يستقبلون أبناءهم من الجنود وهم راضون عنهم تمام الرضا وفخورون بما قدموا من قيم إنسانية على أرض اليمن، فقد سطرت إرادة الجندي الإماراتي معاني البطولات والإنجازات التي سيخلدها سجل التاريخ، فبعودتهم نورت البلاد وازدانت، فقد جاءت مشاركة قواتنا المسلحة هناك لإغاثة بلد جار، فكانت تلك المشاركة بمثابة يد بيضاء لدولة الإمارات امتدت نحو اليمن ورسالة محبة لشعوب العالم، فكان احتفاء الوطن بصقوره المخلصين، بمثابة تكريم مستحق وتقدير غالٍ.
شرِّفونا ولفعايلهُمْ نعينْ
ونحنْ نخدِمهِ الوطَنْ ليلْ ونهارْ
نحمِدْ اللهْ يومْ ردَّوْا سالمينْ
بالغنايِمْ والعلا والإنتصارْ
دومْ للرايِهْ بعزِّهْ رافعينْ
والإماراتي علىَ دارَهْ يغارْ
ومثلما كان الاستهلال بديعاً يحمل المعاني والدلالات العظيمة، كذلك جاء الختام مسكاً يضوع بطيب الكلمات والدلائل والمعاني، وينثر رائحة عبقة تؤكد في معانيها العميقة أن المجد الإماراتي يضرب بجذوره في التاريخ وفي تراث الأمة العربية، وهو مجد تجلت معانيه العظيمة في الوحدة التي صنعت دولة تقف بعز وشموخ في مصاف الدول والأوطان العظيمة، صاحبة ماض عريق ومستقبل زاهر، دولة تسير في طريق التطور والازدهار، تحمل لشعبها الرفاه والأمن بفضل جنودها البواسل.
يتحدث سموه عن أخيه صاحب السمو الشيخ محمد بن زايد آل نهيان ولي عهد أبوظبي نائب القائد الأعلى للقوات المسلحة، «بو خالد»، بوصفه ذلك الشهم الأمين، والذي كان خير خلف لخير سلف، فقيادة الدولة الرشيدة تسير على خطى كبارها الذين حكموا بالعدل والإحسان، فكان أن خلدهم التاريخ بمداد من نور يحفظ كلماتهم ومقامهم وأفعالهم العظيمة، يقول صاحب السمو الشيخ محمد بن راشد:
مجدْ دولتنا وأهلنا السَّالفينْ
بالتِّوحِّدْ منهْ شفنا الإزدهارْ
وخلفْ بوخالدْ هوْ الشَّهمْ الأمينْ
كلِّنا نمضي علىَ نهجْ الكبارْ