كتب: راشد النعيمي

تشير وثيقة الأخوة الإنسانية في بندها الثامن إلى أن مفهوم المواطنة يقوم على المساواة في الواجبات والحقوق التي ينعم في ظلالها الجميع بالعدل، لذا يجب العمل على ترسيخ مفهوم المواطنة الكاملة في مجتمعاتنا، والتخلي عن الاستخدام الإقصائي لمصطلح «الأقليات» الذي يحمل في طياته الإحساس بالعزلة والدونية، ويمهد لبذر الفتن والشقاق، ويصادر استحقاقات وحقوق بعض المواطنين الدينية والمدنية، ويؤدي إلى ممارسة التمييز ضدهم.
واستطاعت دولة الإمارات العربية المتحدة أن تبلور تجربتها الخاصة في خلق المواطنة وتفعيلها في ضمير المقيمين على أرضها ليس للمواطنين فحسب بل وحتى للوافدين إليها على سواء، عبر أساليب امتازت بالشفافية والعلمية والعملية وبالطريق التي تتواءم مع متطلبات التنمية الوطنية التي تنهض بها الدولة لتصبح المواطنة في الإمارات تجربة ترسيخ الانتماء للأرض وهي تجربة باتت تعكس نفسها على جميع القاطنين في الدولة من الوافدين على اختلاف مشاربهم حتى صار الجميع متفقا على أن المواطنة في الإمارات كنز من القيم الإنسانية في بلد حديث التكوين يجب الحفاظ عليه ويجب التعلم منه.
الدولة بقيادتها الرشيدة منذ مرحلة التأسيس التي بدأها الشيخ زايد بن سلطان آل نهيان، طيب الله ثراه، وفي مرحلة التمكين التي يقودها صاحب السمو الشيخ خليفة بن زايد آل نهيان رئيس الدولة، حفظه الله، تعد مثالا يحتذى في تأصيل قيم المواطنة الصالحة وترسيخها بين أبنائها، وتعميق الشعور بالانتماء لديهم، من أجل أن يكونوا مؤهلين ومقبلين على بذل المزيد من الجهد في بناء وطنهم وتطويره، من خلال المبادرات التي تزرع فيهم التسامح والتلاحم والتوحد خلف القيادة الحريصة على وطنها.

نسق متحد

ونجحت الإمارات في إيجاد نسق متحد لمجتمعها اعتماداً على مفهومي الوعي المجتمعي والمواطنة الإيجابية، وهو ما ساهم في توجيه الطاقات نحو البناء والتنمية وأدركت الدولة أهمية تعزيز المواطنة الإيجابية ودورها في تخطي التحديات التي تواجه حكومات المستقبل نظرا لطبيعة تلك التحديات المتغيرة باستمرار لارتباطها بمستجدات العلوم وأنساق المعرفة الإنسانية والتطور البشري، إضافة إلى البعد الأمني الذي فرضته الأحداث الأخيرة في المنطقة.
ولاقى النموذج الإماراتي في تعزيز الوعي المجتمعي والمواطنة الإيجابية تقديراً إقليمياً ودولياً واسعاً، فيما اتجه عدد من الدول إلى استنساخ التجربة الإماراتية وإسقاطها على مجتمعاتها المحلية وحرصت الإمارات على توسيع دائرة الاستفادة من المواطنة الإيجابية والوعي التي يتحلى بها مجتمعها المحلي وتسخيره في خدمة قضايا إنسانية مثل نشر قيم التسامح والوسطية ومواجهة دعوات التطرف والتشدد والغلو كما أن الوعي المجتمعي في دولة الإمارات يشكل صمام الأمان لمواجهة التحديات الراهنة والمستقبلية، وأداة رئيسية لإحداث التغيير وتنفيذ الخطط والبرامج التنموية على الوجه الأمثل.

برنامج وطني

وتعنى مؤسسة وطني الإمارات بالتعزيز والحفاظ على الهوية الوطنية الإماراتية وترسيخ دعائم الرؤية الموحدة لها بين شرائح المجتمع المختلفة ونشر المفاهيم والأسس الداعمة لممارسات الانتماء والولاء الوطني، وقيم المواطنة الصالحة. كما تعنى بتعزيز القيم والمسؤولية المجتمعية والتكاتف الاجتماعي ودعم الكفاءات الوطنية وتكوين قاعدة معرفية وعلمية للكيان الاجتماعي الإماراتي.
وتتمحور التوجهات الرئيسية للمؤسسة في كونها مبادرة اتحادية تسعى لتحقيق التنمية المجتمعية، وتؤكد مؤسسة وطني الإمارات في مجمل توجهاتها على مجموعة مرتكزات رئيسية من أهمها، الامتثال لممارسات المواطنة الصالحة ونشر ثقافة الولاء الوطني وتشجيع حس الانتماء والمسؤولية والتعريف بالمبادئ الرئيسية التي قام عليها الاتحاد كدستور أساسي لرفعة وازدهار الوطن. كما تهدف المؤسسة إلى تفعيل الشراكة المجتمعية وتشجيع أفراد المجتمع على المشاركة الفاعلة في الأنشطة التي يطرحها، والتي تهدف في مجملها إلى تعزيز روح المسؤولية الفردية والالتزام بالواجبات الوطنية.

الانفتاح والتعايش

وتستهدف المؤسسة تعزيز الانتماء الوطني وممارسات المواطنة الصالحة لدى كافة شرائح المجتمع ونشر المفاهيم والأسس الداعمة للهوية الوطنية وتعزيز سياسة الانفتاح والتعايش الأمثل بين مختلف الجنسيات والأعراق وتشجيع الحوار المشترك بين مختلف فئات المجتمع (مواطنين ومقيمين) وتفعيل المشاركة المجتمعية وغرس القيم والسلوكيات والعادات الإيجابية في نفوس الأجيال الصاعدة إضافة إلى التعريف بالعادات والتقاليد الخاصة بالمجتمع الإماراتي والتشجيع على التمسك بها والمحافظة على التراث.
كما تسعى إلى تشجيع ثقافة الانفتاح على الحضارات الأخرى والتسامح الديني والاندماج الاجتماعي وضمان مشاركة فاعلة لكل الفئات الاجتماعية في بصمة وطني والمساهمة في تعزيز مشاركة فاعلة وحقيقية للمرأة الإماراتية وتعزيز مشاركة الشباب وتفعيل طاقاتهم واستثمارها في التنمية الوطنية وتثمين ومكافأة وتقدير جهود وإنجازات المخلصين من المواطنين والمقيمين المساهمين في تعزيز وترسيخ الدور الوطني والاجتماعي ونشر ثقافة التطوع وحث الأفراد على الالتحاق بالعمل التطوعي.

تعزيز حقوق الإنسان

ويشير المستشار الدكتور حمد سيف الشامسي النائب العام للدولة إلى أن دولة الإمارات - وبحق - رائدة في مجال حماية وتعزيز حقوق الإنسان، سواء على المستوى الداخلي من حيث التزام الدولة بالحفاظ على تلك الحقوق وتمكين الناس من عيشها في حياتهم اليومية عبر ما تسنه من تشريعات ونظم لضبط إيقاع ممارسة الحقوق والمسؤوليات، وزرع القيم العليا التي تجسدها هذه الحقوق في نفوس الناس لتصبح سمة من سمات الشعب الإماراتي، يكتسبها كذلك كل من يقيم على أرضها أيما كان منبته ومشربه، على نحو يخدم مسيرة التنمية والتقدم بما يعود على الناس بعيش آمن وحياة كريمة، أو على المستوى الخارجي إقليميا ودوليا بمساهمة الدولة مع محيطها ودول العالم بدعم الدولة عمليا جهود إحياء حقوق الإنسان وحمايتها في شتى بقاع الأرض. ويضيف: إن أهم ما يعكس ريادة دولة الإمارات في مجالات حقوق الإنسان وتعاملها مع مواطنيها والمقيمين على أرضها، جهود الدولة وفق ضوابط أساسية حددها دستورها ونظمتها قوانينها في انسجام بين الممنوع والمسموح، فقد تضمن دستور الدولة منذ قيام الاتحاد المبادئ المتعلقة بكفالة حقوق الإنسان وحماية حرياته الأساسية، انطلاقاً من إيمان قيادتها الرشيدة وقناعتها بأن الإنسان هو محور التنمية وهدفها، فكفل الدستور المساواة والعدالة الاجتماعية والحريات المدنية والدينية.
كما سبقت الدولة بمنظومة التشريعات الفاعلة الكفيلة بجعل حقوق الإنسان أسلوب حياة ونهجاً ثابتا ًمستداماً، وعلى نحو يواكب ما تفرزه تطورات العصر المتسارعة من أنماط السلوك البشري، والطفرة العلمية الهائلة التي قد تحمل مع فوائدها وإيجابياتها من السلبيات ما يمس حقوق الإنسان، فكانت قوانين مكافحة الجرائم الإرهابية حفاظاً على حق الإنسان في حفظ حياته وملكيته وكفالة الحق في الأمن، ومكافحة جرائم الاتجار بالبشر تكريساً للحق في الحرية وفطرتها التي وضعها الخالق الأعظم وأوجبتها تعاليم ديننا الإسلامي الحنيف، والأعراف والقيم الإماراتية الأصيلة.

العدل والمساواة

تؤمن دولة الإمارات ببناء الإنسان والإنسانية، وتنص تشريعاتها وقوانينها الوطنية على أن جميع أفراد المجتمع متساوون في الحقوق والواجبات ولا تمييز بينهم حيث تنطلق قيادةً وحكومةً وشعباً من ثوابت راسخة في تحقيق المواطنة، وتكريس المساواة بين جميع شرائح المجتمع دون النظر إلى الأصل أو الجنس أو العرق أو اللون أو الدين أو الطائفة أو المذهب أو الملة أو المركز الاجتماعي، كما تحرص الدولة على صون الحريات واحترام حقوق الإنسان واستدامة قيم التسامح والإخاء بين كل الشعوب والأديان.
وتستلهم الإمارات ذلك من سماحة الدين الإسلامي الحنيف الذي ينص على التكافل الاجتماعي بين الأفراد على اختلافهم، وإقامة العدل بينهم، ومعرفة واجباتهم وحفظ حقوقهم كحقوق الحياة والملكية والأمن والمسكن والتنقل واحترام العقيدة وعدم الإكراه في الدين، بل شدد الإسلام على المواطنة والمساواة، وكرّس مبدأ استدامة الحوار مع مختلف الأديان والثقافات.