خيري منصور

إذا كان مصطلح الأمركة قد تحدد قبل أكثر من قرن من خلال خطاب شهير للرئيس روزفلت، فإن مصطلح العولمة أصبح بعد أقل من عقدين من تداوله عبر الميديا بحاجة إلى إعادة تعريف، ذلك لأن جملة المواقف التي اتخذها الرئيس ترامب بتعاقب مثير، يمكن اعتبارها من مضادات العولمة، ومنها الانسحاب من ملتقى مجابهة تحولات المناخ، ومنع مواطني عدة دول من دخول الولايات المتحدة لفترة محددة.
وقد لا يكون الانسحاب من منظمة اليونيسكو الأخير في هذا المسلسل «الترامبوي».
فالعولمة كما تم تسويقها والترويج لها حذف للحدود، وتبشير بثالوث حرية التنقل بدءاً من الإنسان حتى المال والمعلومة! ومن تفاءلوا وقالوا إن هذا الكوكب أصبح قريتنا جميعاً من مختلف الثقافات والأجناس، خيب الواقع بما انتهى إليه ظنونهم وتوقعاتهم.
ويبدو أن الدوائر الأمريكية استخدمت مصطلح العولمة كمرادف وبديل للأمركة من أجل تمريره، تماماً، كما أن المعجم الجديد والمستحدث أمريكياً حاول إيهام التابع بأنه شريك أو حليف، رغم أن المصداقية الأمريكية قدر تعلقها بالتحالف أصبحت موضع ريبة حتى لدى حلفاء الولايات المتحدة!
والأمركة كما حددها روزفلت قبل أكثر من قرن، هي فرض النموذج الأمريكي على العالم، لأنها تعني بالنسبة إليه دمقرطة دول هذا العالم وتمدينها، لكن الرئيس الفائز بجائزة نوبل للسلام، سرعان ما جعل الحروب من أولوياته. ومن المعروف أنه أرسل السفن الحربية إلى كل الموانئ، وأطلق على الجنرالات اسم رسل السلام!
وما كتب عن العولمة بمختلف اللغات قد يتعذر إحصاؤه لكثرته، وإن كان معظم ما كتب ينطلق من رؤى يدافع أصحابها من خلالها عن ثقافاتهم وهوياتهم وخصوصيات بيئاتهم الحضارية.
فهل رسبت العولمة في الاختبار وهي لم تبلغ الثلاثين من عمرها؟ أم أن الولايات المتحدة أرادت منذ انتهاء الحرب الباردة إعطاء اسم آخر لسيطرة القطب الواحد؟
والأرجح أن الأطروحات المضادة لجدلية التاريخ لا تعيش طويلاً لأنها تحمل أسباب موتها وتأكل نفسها!