استضافت دار دبي أوبرا بداية من أمس الأربعاء ولمدة أربعة أيام تحفة فنية أوبرالية توقف عندها التاريخ كثيراً ورصدتها أقلام النقاد بالإشادة لعقود، وتابعتها عيون محبي الفنون الراقية وجمهور الأوبرا حول العالم بكل إعجاب وتقدير، فقد اكتسبت «أوبرا عايدة» خصوصية ومذاقاً خاصاً لقدرتها على جمع ثقافة وحضارة الشرق والغرب في عمل فني بارع يبهر العين ويشبع العقل والروح معا. فريق عمل «عايدة» الذي تستضيفه دبي من بولندا وهو الفرقة الوطنية البولندية، أما الغناء والعرض باللغة الإيطالية والترجمة للجمهور بالإنجليزية والقصة الأولى كتبها عالم آثار فرنسي ولحنها فنان إيطالي وتدور أحداثها في وادي النيل بطلتها أميرة إثيوبية وقائد مصري، وقد حط الجميع رحالهم في دبي لتقديم هذا العرض الأسطوري والأيقوني للأوبرا العالمية أمام جمهور دبي، وهو الأكثر تنوعا حول العالم.
قيمة «أوبرا عايدة» الفنية والإنسانية أنها عمل فني عابر للحدود والأزمنة وألوان البشر.. فهي التي ارتبط تأليفها بالتقاء الشرق والغرب عبر قناة السويس، حيث تصافح البحران الأحمر والمتوسط وامتزجت مياه الدنيا بين ضفتي سيناء والسويس..فهي التي تروي التاريخ مرتين، مرة من خلال أحداثها ومرة من خلال قصة تأليفها، وفي الحالتين تشتبك الحقيقة بالأسطورة، عندما جرى تأليفها كانت أغلى أوبرا عرفها البشر حيث رصد لها حاكم مصر الطموح في القرن التاسع عشر الخديوي إسماعيل ميزانية مفتوحة من أجل أن تليق بالاحتفالات الأسطورية التي أقامها عند افتتاح قناة السويس عام 1869 فحصل الموسيقار الإيطالي العبقري فيردي على 150 ألف فرنك ذهبي حينها لتأليف الموسيقى فيما تكلفت الملابس والاكسسوارات والديكورات التي جرى إعدادها في باريس 250 ألف فرنك ذهبي.. لقد أرادها الخديوي إسماعيل حدثا فنيا عالميا، يحيي التاريخ القديم بطريقة مهيبة، فكانت البذرة الأولى لهذا العمل الأوبرالي الضخم مستوحاة من بردية فرعونية قديمة ترجمها الأثري الفرنسي ميرييت باشا في أربع صفحات ودفع بها إلى جوسيبيه فيردي ليقوم بعمل الألحان المناسبة لها، فكانت «عايدة» الأوبرا الأشهر والأكثر عرضا وتمثيلا حول العالم على مدى ما يقارب 150 عاما.
مسرح مفتوح
تدور أحداث الأوبرا التي تقع في أربعة فصول حول الصراع القديم بين مملكتي مصر والحبشة في عصر الفراعنة القدماء ولكن هذه الأحداث القديمة وضعت في إطار إنساني متجدد.. فمن السهل تلخيص القصة التي كتبها ميرييت باشا في أربع صفحات ولكن المشاعر الإنسانية المتدفقة كنهر النيل تبدو عصية على الحكي والترويض، ففي عايدة هناك الصراع بين الحب والواجب، بين المنصب والسلطة والعاطفة والخيانة والمؤامرة، والإطار العام الذي تدور فيه الأحداث هو جو أسطوري بامتياز منح المخرج فرصة ذهبية لاستعراض كل إمكانات المسرح الاستعراضي وآلياته، وفي مشاهد الحروب واستعراضات النصر تتحرك الجيوش والجموع بتحكم كامل في خطواتهم وتنسيق متناهي الدقة في تحركاتهم دون التسبب في أي إزعاج لعين المشاهد لتضرب «عايدة» رقما قياسيا في عدد «المجاميع» الذين يمكن أن يشاركوا فيها وبالطبع نجح مسرح دبي أوبرا الذي شهد له الكثير من الفنانين العالميين الذين زاروه باتساع مساحته وتكامل إمكانياته في استيعاب الأعداد الكبيرة من المجاميع وقطع الديكور الضخمة وتحريكها بسلاسة على المسرح، ورغم أن وجود أعداد كبيرة من المجاميع بأي عمل مسرحي يعتبر تحديا للمخرج والمنتج ويشكل عبئا ومسؤولية في إدارتها، إلا أن هذا التحدي دائما كان ملازما لكل عروض أوبرا عايدة على مختلف مسارح العالم، ففي بعض العروض التي أقيمت لهذه الأوبرا في مصر كانت على مسرح مفتوح بني خصيصا لتقديمها في أهم وأشهر الأماكن الأثرية في الهواء الطلق، وقد كان هناك مئات المشاركين في مشاهد الاستعراضات الحربية كما حدث تحت سفح الهرم الأكبر في مطلع الألفية الثالثة وفي مدينة الأقصر عند معبد الملكة حتشبسوت بالبر الغربي، ولذلك من المثير أن نشاهد مقدرة واستعدادات «دبي أوبرا» بإمكاناتها التقنية المذهلة ومسرحها الرائع في استضافة هذه الأوبرا الكلاسيكية الضخمة التي لا تتوقف مسارح العالم عن تقديمها يوما بعد يوم وعاما بعد عام، وقرنا بعد قرن لما تحمله من مزيج شيق وساحر لقصة حب في أجواء تاريخية مغلفة مناخ الحرب والأسر وما تتميز به البطلة من شجاعة ونبل وإخلاص.
بطلة العرض هي «عايدة» الأميرة الحبشية الجميلة التي يغزو بلادها القائد المصري راداميس على رأس جيش جرار.. وتدور المعارك لتسقط الأميرة في الأسر هي ووالدها ملك الحبشة.. ولكنها تجد نفسها وقد وقعت في حب راداميس قائد الجيش الذي يغزو بلادها ويسقط عرش أبيها ويبادلها راداميس الحب بينما يشعر كلاهما بصراع يمزقهما بين الحب والواجب..
تتعقد الأحداث لأن راداميس تحبه ابنة الفرعون المدللة أمنيريس التي كانت تخطط للزواج منه ولكن يشتعل قلبها بالغيرة عندما تشعر بهذه العاطفة التي تربط بين راداميس وأسيرته الحبشية.
لمزيد من التعقيد والدراما طلب والد عايدة من ابنته بعد أن عرف حقيقة حبها، أن تتجسس على حبيبها لكشف خطته الحربية رغم أنّ الحبيب كان يسعى للنصر لتحرير عايدة حتى يتزوجها كهدية مقابل ما سيحقق من انتصارات.
بمؤامرة بين رئيس الكهنة وابنة الفرعون، اقتنع الفرعون أنّ قائده خائن، ويحاول الهرب مع عايدة، فأمر بإعدامه، وتجسيدا للحب القوي الذي جمع بينهما، تسبقه عايدة إلى القبر.
وسط مواكب النصر وموسيقى الفرح والحزن نجد أصداء مختلفة للحب والغيرة والرغبة في الانتقام وتبرز عبقرية موسيق «فيردي» في وضع هذه المشاعر المتناقضة في ألحان متدفقة تعتبر من اشهر ما تم تقديمه على خشبة المسرح في كل الأزمنة، فقد أهدى فيردي أوبرا عايدة مجموعة من الألحان التي خلدتها عبر عقود طويلة وجعلت موسيقاها حاضرة في كثير من المناسبات القومية والرسمية وحفلات التنصيب والمراسم حول العالم وأشهر ألحانها هو «موسيقى استعراض النصر» الذي يهز القلوب بمجرد سماعه بما يحمل من جلال وهيبة وعظمة تليق بهذه المرحلة التاريخية وحضارتها، ومن أهم عناصر الإبهار بالعرض الملابس الفرعونية الفخمة والاكسسوارات الملكية المذهبة والمرصعة بالأحجار والماسات البراقة والمرتبطة في الأذهان بأزياء الحضارة المصرية الثرية والغنية بالتطريز والفخامة إضافة لاستخدام قطع ديكور ضخمة على المسرح تمثل الآثار الفرعونية القديمة .
عادة لا تتبدل النهايات في قصص الحب الخالدة على المسرح، فالموت الذي جمع روميو وجولييت أو أنطونيو وكيلوباترا جمع عايدة وراداميس، ولكن مشاهد النهاية التي تقدمها أوبرا تمتلك القدرة دائما على منح المتفرج رؤية جديدة ومختلفة، فالحب الخالد لا يموت أبدا مهما احتضن القبر أجساد العاشقين، والصراع الذي عاشته عايدة وراداميس بين الحب والواجب حُسم أخيراً في فورة الموسيقى الخاتمة ليسدل الستار على واحد من أروع مشاهد الأوبرا في تاريخها.