حينما تمكنك موهبتك وإصرارك من كسر الحواجز وتحقيق التواصل على الرغم من كل الصعوبات، حينما تُخرجك الموسيقى من صمتك الطويل ويجعلك الإيقاع والأداء الحركي تتحدث بكل لغات العالم، وتنقل مشاعرك وأفكارك لكل من حولك، من دون أن تتكبد عناء ترتيب الكلمات أو حتى التلفظ بها. في هذه الحالة تعتبر موهبتك منجاة، خاصة إذا كنت من ذوي الهمم، ولا تعرف سوى لغة الإشارة للتفاعل مع العالم الخارجي، هذا ما حدث مع فريق التمثيل الإيمائي للصم بمركز الفن للجميع بالشارقة «شارقة مايم»، عند اشتراكه في تقديم عرض جماعي راقص لأول مرة في أوبرا دبي، بالتعاون مع الفريق العالمي للصم «ديف مان»، الذي قدم عروضه على مسرحها مؤخراً، وذلك ضمن فعاليات عام التعاون الإبداعي بين دولة الإمارات والمملكة المتحدة، وتحت رعاية المجلس الثقافي البريطاني.
للتعرف أكثر إلى تجربة فريق «الشارقة مايم»، ومدى استفادته من ورش العمل المصاحبة للعرض، يحدثنا محمد بكر مدير مركز الفن للجميع: «هذا المركز أنشأته مدينة الشارقة للخدمات الإنسانية العام الماضي، ولدينا كل فئات الإعاقة، وهناك أنشطة فنية مختلفة ما بين التمثيل والرسم والموسيقى، يشارك فيها أصحاب الهمم من كل الفئات.
ومن أهم هذه الفرق فريق «الشارقة مايم»، الذي يركز على الأداء الحركي الفني، وكل أعضائه من ذوي الإعاقة السمعية، وتتراوح أعمارهم بين 15 و35 سنة، وهم يشاركون في تقديم عروض البانتومايم منذ 4 سنوات، وسبق لهم السفر إلى المغرب وتونس للمشاركة في فعاليات فنية هناك.
ولكن تجربتنا في دار الأوبرا كانت مختلفة ومميزة، حيث كان الجميع سعداء بتقديم العرض في هذا المعلم الثقافي والفني الكبير داخل الإمارات، وقد أضافت هذه المشاركة للفريق خبرة مختلفة ومهمة، حيث تم التعاون مع فنانين عالميين محترفين، يعانون نفس الإعاقة وهو الأمر الذي قدم احتكاكاً جيداً، وثقافة مختلفة تعمل في نفس المجال».
ويضيف بكر: «هذا التعاون بين المركز والمجلس الثقافي البريطاني، من خلال ورشة العمل التي شاركنا فيها مع فريق ديف مان، أفادت أعضاء فريقنا كثيراً؛ لأن الفريق البريطاني مكون من أشخاص يعانون إعاقة سمعية أيضاً، ويقدمون شكلاً مقارباً لما نقدمه من فنون الأداء الحركي، ولكنهم يركزون على تقديم فن الرقص الجماعي الحديث. وقد نجحنا في ورش العمل في تحقيق الدمج بين مهارات التمثيل الإيمائي (البانتومايم) والرقص، وهو ما ظهر في العرض المشترك الذي قدمناه بالاشتراك مع فريق ديف مان، ونال استحسان رواد الأوبرا».
ويتحدث عبد السلام محمد (27 عاماً؛ أحد الممثلين الإيمائيين) بلغة الإشارة عن هذه التجربة. ويقول: «استفدت كثيراً من تعلم البانتومايم.. فأنا أحب التمثيل وأعمل كمساعد مخرج بالفريق، وأمضيت أكثر من خمس سنوات في هذا المجال الفني. وأعتقد أن هذا المجال منحني قدرة كبيرة على التعبير عن نفسي، وأشعر بسعادة كبيرة عندما أواجه الجمهور، كما أشعر بالقدرة على التواصل معه، وأن الحضور يحب متابعتي ومشاهدة ما أقدمه، وتجربتي بالأوبرا كانت مميزة؛ لأنها جعلتني أصقل مهارات مختلفة، وأتعلم أساليب جديدة وأحتك بفنانين عالميين، قدموا لي ولزملائي الكثير من الدعم والتشجيع».
أما وسام طاهر (23 عاماً) فيقول: «على الرغم من أني لا أتمتع بنعمة السمع، إلا أنني أجد في التمثيل الإيمائي وسيلة لتوصيل صوتي والتعبير عن ذاتي بشكل جيد. فهذا الأمر يحقق لي نوعاً من التواصل بيني وبين الآخرين، وعندما حظيت بفرصة التدريب على الرقص الجماعي الحديث، من خلال ورش العمل التي أقيمت بأوبرا دبي، اكتسبت مهارة جديدة وهي كيفية التفاعل مع زملائي بشكل جماعي في تشكيل لوحات فنية على المسرح، خاصة أن الرقص الحديث ينمي مهارة التعاون سوياً بشكل أفضل من عروض البانتوميم، التي يقوم فيها كل ممثل بتقديم الجزء الخاص به في العرض بمفرده، من دون الحاجة لتنسيق حركته وخطواته مع باقي أعضاء الفريق».
ويضيف وسام: «هوايتي وحبي للتمثيل بدأت معي من الصغر، ومع مرور الوقت تزداد ثقتي بنفسي أمام الجمهور».
أما زميله بالفريق يوسف السويدي (21 عاماً) فيقول: «حلمي أن أصبح ممثلاً مسرحياً، وأشعر أن التمثيل يوفر لي طريقة للتعبير عن مشاعر مختلفة مثل الحزن والفرح، وقد التحقت بالفريق منذ 5 سنوات، وأجد أسعد لحظاتي على المسرح. وأذكر أننا منذ عامين قدمنا عرضاً مسرحياً في مهرجان أبوظبي، تضمن تجربة مفيدة وثرية، حيث قمنا بعرض مسرحية: الغرباء لا يشربون القهوة، للكاتب محمود دياب، وحولنا النص الأدبي إلى عرض مسرحي بطريقة التمثيل الإيمائي».
وعن تجربته في ممارسة الرقص الحديث لأول مرة من خلال ورش العمل مع فريق ديف مان، يقول السويدي: «شكلت التجربة إضافة جديدة لمهاراتي، وأصبحت قادراً على الإحساس بالموسيقى من دون سماعها».
ويقول جاسبر هوب، رئيس تنفيذي أوبرا دبي: «وظيفتنا هي أن ننقل القصص بطرق مختلفة من خلال الموسيقى والرقص والترفيه، ونسعد دائماً بنجاحنا في دمج المحترفين والهواة؛ ولهذا كان هذا العرض مجانياً لتحفيز أكبر عدد من الجمهور للحضور في الباحة الخارجية».
الموسيقى حياة

يقول مارك سميث المدير الفني لفريق «ديف مان» البريطاني: لكوني أعاني الصمم لم يقف هذا عائقاً أمام تحقيق موهبتي وإتقانها، شعرت منذ طفولتي بحب الرقص، وانتظمت في دروس تعلم الباليه، واكتشفت أن هذا النوع من الفنون هو وسيلة ثرية للتعبير عن ذاتي، فأنا أحب الموسيقى، وأشعر بأنها تساعدني على البقاء حياً، وشغفي بها هو ما يبقيني على قيد الحياة.
وعن بداية تكوين فريق «ديف مان» يقول «بدأت الفكرة عندما شعرت بتأثير الرقص والموسيقى في نفسي، فدعوت بعضاً من الصم الموهوبين لتكوين فريق راقص واستمررنا لمدة أسبوع في التدريب المتواصل حتى نختبر قدرتنا على التواصل معاً بالرقص، وبعد هذا الأسبوع التجريبي تأكدنا أننا نستطيع، ومن هنا انطلقت فرقتنا، واعتمدنا في الرقص على الشعور بذبذبات الموسيقى والإيقاع تحت أقدامنا، وأحياناً كنا نضع أيدينا على مكبرات الصوت لحفظ الإيقاع والنغمات، ثم نقوم بتحضير الخطوات والحركات الملائمة، وفي حالة تقديم عرض جديد نكون في حاجة إلى أسبوعين، أو ثلاثة أسابيع للاستعداد للعرض.. ومن أكبر تحدياتنا أن نحقق التواصل بين الفريق على المسرح ونتحرك بشكل جماعي ومتناغم من دون أن نسمع الموسيقى، أو يكون بيننا أي كلام من أي نوع».