سيؤول تسعة ملايين نسمة، عاصمة كوريا الجنوبية، بلاد بعيدة للغاية يقطنها شعب يحب الغريب استضاف حدثاً كبيراً جداً هو دورة الألعاب الأولمبية الرابعة والعشرين . وكوريا الجنوبية كانت وقتها بلداً مضطرباً في آسيا، ومحور الاهتمام العالمي، بلد الترقب والمتناقضات، سكانها أناس في إمكانهم أن يسحروا المرء أو أن يرعبوه . بلد لايزال يبحث عن هوية، وعاصمة قفزت مباشرة من القرون الوسطى إلى عام 2000 .
وسيؤول هي خليط من روتنبورغ وشيكاغو، ويعتبر الكوري من حيث طباعه، إيرلندي آسيا، ومن التناقضات كان يلاحظ مرور فلاح يجر عربة محملة بالخضر من أمام ناطحات السحاب في العاصمة المزدحمة، وتشييد معامل الكمبيوتر إلى جانب حقول الأرز . ويقف الكوريون مندهشين أمام تاريخهم تماماً مثل الغرباء القادمين من مملكة الحلم أو تشوزون كما سمى الصينيون القدامى كوريا عام 2333 قبل الميلاد المملكة الحلم لنضارة الصباح .
عندما وافقت اللجنة الأولمبية الدولية على منح سيؤول حق تنظيم الألعاب الأولمبية ب 52 صوتاً في مؤتمرها المنعقد يوم 30-09-1981 في مدينة بادن في ألمانيا الغربية، برزت كوريا الجنوبية بين عشية وضحاها في الواجهة السياسية لعالم الرياضة . وفجأة تبين أن الناس يعرفون القليل عنها باستثناء تذكرهم للحرب الكورية التي اندلعت ما بين 1950 و1953 .
وعدا ذلك، كانت كوريا تعرف بأنها مملكة من القرن الرابع، تحدها بلاد المغول من الشمال، والصين من الغرب، واليابان من الشمال . وأصبح البلد الهادىء مستعمرة يابانية خلال الفترة ما بين 1910 و1945 .
ومع انفراط التحالف الأمريكي السوفييتي عام ،1945 عرفت كوريا الاضطرابات، وقسمت الدول العظمى كوريا إلى كوريتين، وكان هذا التقسيم أقسى من تقسيم ألمانيا وأشد رهبة . فهناك منطقة منزوعة السلاح على خط العرض ،38 وليس فيها اتصالات بريدية، ولا هاتف ولا خط مواصلات وتماماً مثل معجزة الصعود الألماني بعد الحرب العالمية الثانية، فإن الكوريين نهضوا بقوة، وعلى رغم قلقهم من الاضطرابات السياسية التي تعكر نموهم الاقتصادي وحلفهم الوثيق مع الولايات المتحدة، فإن الكوريين الجنوبيين يعتمدون على أنفسهم في أمور كثيرة .
والرياضة في كوريا حاجة أساسية، وهدف تسعى إليه الأجيال، ينمو ويتطور مع التقدم الاقتصادي والاجتماعي الذي تعيشه البلاد .
وهذه الناحية ليست جديدة على المجتمع الكوري، أرض التايكواندو، إحدى الرياضات القتالية القديمة التي مورست منذ أكثر من ألفي عام إلى جانب السيسروم، أحد أنواع المصارعة الكورية القديمة .
وفي القرن العشرين، كان الفائز الأول في سباق الماراثون في دورة برلين الأولمبية عام ،1936 كوري يدعى سون كيتي (سون كي شونغ) شارك تحت اسم اليابان بسبب احتلال الأخيرة للأرض الكورية .
لكن وبدءاً من عام ،1948 بدأت كوريا الجنوبية تخوض المشاركات الأولمبية، وتنافس أبطالها في ظل علم بلادهم بعد نيلها الاستقلال . وبرز رياضيوها في الملاكمة، المصارعة، رفع الأثقال، الجودو، كرة السلة، كرة القدم، كرة الطاولة، الرماية بالقوس والسهم والكرة الطائرة . وفي 17 سبتمبر 1988 تناست كوريا الجنوبية همومها ومشكلاتها على مدى 16 يوما، وكانت سيؤول قبلة العالم قاطبة وعاصمته، حيث أقيمت أضخم دورة أولمبية حتى تاريخه، وكسبت الرهان بتقديم ألعاب باهرة .
وفي كوريا الجنوبية أرض الصباح الهادئ كانت الغالبية العظمى من المواطنين مصممة على إظهار أفضل وجه لبلادها أمام العالم، وفي حفل الافتتاح تجلى تاريخ البشرية كله في الاستعراض الذي أقيم في الاستاد، وخلاله تسلم كل متفرج جهاز استقبال صغيراً تمكن بواسطته من وقائع الاحتفال بثماني لغات .
وللمرة الأولى في تاريخ الألعاب، بدأت مراسم المهرجان من خارج الملعب وتحديداً من مياه نهر هان المجاور حيث كانت سفينة كبيرة تتقدم أسطولاً من خمسة آلاف زورق وتقوم باستعراضات رائعة .
وحمل الشعلة إلى الملعب الكبير بطل ماراثون دورة برلين وسلمها إلى العداءة لي شام هاي، الفائزة بثلاث ذهبيات في الدورة الآسيوية ،1986 التي أوقدت شعلات ثلاثة أشخاص يمثلون الأكاديميين والفنانين والرياضيين، فأوقدوا بدورهم الشعلة العملاقة وفق طريقة مبتكرة . وخاض المنافسات 8465 رياضياً بينهم 2184 امرأة من 159 بلداً وهو رقم قياسي، وغابت تضامناً مع كوريا الشمالية كوبا وإثيوبيا ونيكاراغوا .
وسجلت عودة التنس للمرة الأولى منذ 64 عاما، ودخول اللعبة الدبلوماسية كرة الطاولة . وفي ثاني مدينة آسيوية تستضيف الألعاب بعد طوكيو عام ،1964 وتحسباً لأي ردات فعل بعد التظاهرات الطلابية التي قمعتها السلطات قبل الدورة، خصصت تدابير أمنية غير عادية .
وشهد أسبوعا المنافسات حصد الاتحاد السوفييتي 132 ميدالية بينها 55 ذهبية، وحلت ألمانيا الشرقية ثانية ب 102 (37)، والولايات المتحدة ثالثة ب 64 (36) . وكانت المفاجأة الأبرز حلول كوريا الجنوبية رابعة ب 33 ميدالية (1_) .
وبذلك كرر الاتحاد السوفييتي إنجاز الصدارة للمرة السادسة في فترة ما بعد الحرب العالمية الثانية . أما المحصلة العربية الإجمالية، فقد بلغت ست ميداليات هي: ذهبية المغربي إبراهيم بو الطيب في سباق 10 آلاف م، وبرونزيات المغربي سعيد عويطة في سباق 800 م، الذي اعتبر من كبار الخاسرين في الدورة، ومواطنه الملاكم عبد الحق عشيق في وزن 57 كلغ، والجيبوتي أحمد صلاح أحمد في الماراثون . وسجلت الدورة عودة علنية للمحترفين، ففازت الألمانية الغربية شيتفي غراف بذهبية التنس، ووصلت المنافسة بين الأمريكي كارل لويس والكندي بن جونسون في سباق 100م إلى القمة، فأطلق عليه سباق القرن .
وفاز جونسون مع رقم عالمي جديد مقداره 73 .9 ث في 24 سبتمبر/ أيلول، ثم انفجرت أشهر فضيحة في التاريخ الأولمبي بعد ثلاثة أيام حيث تبين أن العداء الكندي تناول منشطات فقدمت الذهبية إلى غريمه وشطب الرقم .
واللافت في هذه الدورة تبادل الألقاب في ألعاب كانت حكراً على دولة دون غيرها، إذ دخل لقب كرة القدم في جعبة الاتحاد السوفييتي بعد مضي 32 عاما، أي منذ العام ،1956 وأسقط السوفيات الأمريكيين في السلة للمرة الثانية بعد الأولى عام 1972 . في المقابل، انتقل لقب الكرة الطائرة إلى الأمريكيين للمرة الأولى، وخرجت اليابان إمبراطورة الجودو بذهبية واحدة، وانتزع الكينيون عداؤو السافاري معظم سباقات الجري من 800 إلى 5 آلاف م بفضل بول ايرينغ وبيتر رونو وجون نغوجي وجوليوس كاريوكي، ولم يصل أي صيني إلى الدور نصف النهائي في فردي كرة الطاولة .
وعلى صعيد الأرقام القياسية، تسجل 27 رقماً عالمياً في ألعاب القوى والسباحة ورفع الأثقال والرماية، وكانت هناك ميزة خاصة هي تحطيم بعض هذه الأرقام بالجملة، لا بل من دقيقة إلى أخرى .
ونال 34 لاعبة ولاعباً ميداليتين ذهبيتين على الأقل، والأوفر ألقاباً بين الرجال هو السباح الأمريكي مات بيوندي الذي أحرز سبع ميداليات منها خمس ذهبيات في سباقات 50 و100 م حرة، والتتابع 4 مرات 100 م و4 مرات 200 م حرة و4 مرات 100 م متنوعة . وكانت الألمانية الشرقية كريستين اوتو نجمة الأحواض والأولمبياد معا، فقد انتزعت ست ذهبيات من أصل ميداليات بلادها ال،37 أي أقل من السدس بقليل .
ووحده الأمريكي غريغ لوغانيس تمكن من الاحتفاظ بلقبين وذلك بعد فوزه في مسابقتي الغطس المثيرتين . وهو كاد يفقد حياته خلال المنافسات إذ اصطدم رأسه باللوحة المخصصة للقفز وهو في الهواء في اتجاه الحوض، فسقط في الماء الذي تعكر بالدم . بيد أن السباح الأمريكي نجح في الخروج بمفرده من دون مساعدة ووضعت له أربع غرز . وبعد نصف ساعة عاد لوغانيس إلى المنصة وأعاد القفزة ذاتها وحقق أفضل نقطة في الدور التمهيدي . وإلى الميدالية الذهبية في سباق 100 م بعدما عادت إليه حقوقه، اجتاز الأمريكي كارل لويس 72 .8م في الوثب الطويل، ما ضمن له الاحتفاظ بالذهبية أيضا .
ورافق انتصار مواطنته فلورنس غريفيت جوينر ذات الصوت العريض والأظافر الطويلة الملونة في سباقي 100 م و200 م ورقميها القياسيين العالميين المثيرين للجدل 54 .10ث و34 .21ث تساؤلات عدة . وفازت مواطنتها جاكي جوينر كيرسي بذهبية الوثب الطويل والمسابقة السباعية . وأخيراً بات بطل العالم السوفييتي سيرغي بوبكا بطلاً أولمبياً في القفز بالزانة، وهو الموقع الطبيعي للقافز الفذ، وفي سيؤول اجتاز ارتفاع 90 .5م فاهتزت العارضة ولم تقع ما ضمن له الميدالية الذهبية بعد مخاض عسير أمام مواطنيه روديون غاتولين وسيرغي ايغوروف .
وتألق بطل الجمباز السوفييتي فلاديمير ارتيموف، وأضحى الرباع التركي نعيم سليمان أوغلو بطل الملايين في بلاده الجديدة والمحررين في موطنه السابق بلغاريا والذي لم يستطع أن ينافس تحت رايته في لوس أنجلوس 1984 بسبب المقاطعة الشرقية . وكانت الموهبة الفذة أو هرقل العصر دجاجة ذهب لتركيا، وهو تمكن في سيؤول من تحقيق ستة أرقام عالمية في وزن 60 ملغ، ورفع ثلاثة أضعاف وزنه .