لا يستطيع العيش وحيداً

00:47 صباحا
قراءة دقيقتين
شيماء المرزوقي

حاجة الإنسان للتواصل فطرية، وهو لتحقيقها اخترع عدة وسائل، منذ أن كان يعيش في داخل الكهوف؛ حفر على الجدران نقوشاً وعلامات ورسوماً بدائية، حتى أنه رسم على الرمال ورص الحجارة، واخترع أداة مسننة من عظام الحيوانات ليتمكن من نحت الحجارة، ووضع علاماته عليها، وترك أثراً على الأشجار وأغصانها.

في سبيل التواصل، قلد أصوات الحيوانات: الأسود والنمور و الكلاب والخيول والدجاج والحمام، حتى العصافير. كل شيء فعله وسيفعله من أجل التواصل، اخترع اللغة، ثم رسم الحروف وجمعها لتشكل الكلمات، ثم أدرك أن الموضوع أعظم وأكبر من مسألة التواصل، لأنه شعر بقوة المعرفة والتعبير عنها، فطوّر الفكرة ليصل نحو الكتابة، واختراع الورق، مرحلة تلو مرحلة، لم يتوقف تجاوز الحاجة للتواصل، ظهرت الآلات الطابعة البدائية ذات الصوت المرتفع، وطورها ليصل للطابعة الكهربائية، فيما بعد حدثت نقله مدوية أخرى، عندما بدأ ظهور الكمبيوتر على استحياء، لكنه خطف الألباب، ومعه جاء جهاز آخر يُسمى الطابعة، والتي كانت حروفها وحبرها أجمل، مر زمن قليل، وسيطرت، بل ألغت الآلة الكاتبة. حدث تطور آخر بظهور برامج الكتابة والرسوم والصور على الحواسيب، فحلق العالم نحو التواصل المعرفي، وظهرت شبكة الإنترنت، وكانت فتحاً عظيماً للبشرية، واليوم نعيش حقبة الهواتف الذكية وتطبيقاتها العظيمة التي تدفع للتواصل مع الكون بأسره، بضغطة بسيطة من زر هاتفك متناهي الصغر.

سبب كل هذا رغبة الإنسان بأن يشعر بأنه ليس وحيداً، بأن هناك من يشاركه الحياة، سبب كل هذا حب الإنسان لأن يشعر بأنه يسكن بقرب شقيقه الإنسان، سبب كل هذا حاجة الإنسان لأن ينمي هذا الشعور ويغذيه بالتواصل، وأن يحس بأن الآخرين قريبون منه.
الإنسان يحتاج للتواصل، وسيخترع أي وسيلة مهما كانت، لتحقيق هذه الغاية، وفي سبيلها سيتغلب على كل شيء، حتى بالتصفير، نعم، فهو لغة شعب يسمى لاغوميرا. ليس هذا وحسب، بل إنه في عام 1999 بدأ تدريس هذه اللغة في مدارس جزر الكناري، التي تقع جنوب غرب إسبانيا، وكانت هذه اللغة تؤدي وظيفة مهمة؛ وهي التواصل خلال تواجد أي من أفراد هذا الشعب في الجبال الشاهقة أو الغابات الكثيفة، ففي تلك الأرجاء يكثر الصدى. وهذه الميزة استغلها السكان منذ القدم في إطلاق أصوات التصفير، إمّا للتحذير من الأخطار، أو لأعمال محددة تحتاج للانتهاء منها، أو غيرها من الرسائل المحددة التي يتم التعبير عنها بنغمات، وطرق التصفير.
مرت قرون على هذه اللغة ولم تنقرض، بل تدرس، كما ذكرت، للأجيال القادمة. وكما قلت أيضاً، سيفعل الإنسان كل شيء من أجل التواصل مع أخيه الإنسان، لأنه لا يستطيع العيش وحيداً.

عن الكاتب

كاتبة وناقدة إماراتية ومؤلفة لقصص الأطفال وروائية. حصلت على بكالوريوس تربية في الطفولة المبكرة ومرحلة ما قبل المدرسة والمرحلة الابتدائية، في عام 2011 من جامعة زايد بدبي. قدمت لمكتبة الطفل أكثر من 37 قصة، ومتخصصة في أدب اليافعين

لاستلام اشعارات وعروض من صحيفة "الخليج"