قُتِلَ قاسم سليماني قائد «فيلق القدس»، التابع للحرس الثوري الإيراني، وأبو مهدي المهندس نائب رئيس «الحشد الشعبي» العراقي، فجر الجمعة، في هجوم صاروخي أمريكي، استهدف سيارتهما قرب مطار بغداد الدولي، ما أثار ردود فعل عالمية واسعة، ومخاوف من نزاع مفتوح بين واشنطن وطهران، وفيما توعدت طهران بـ«الانتقام»، ودعت قوات «الحشد» عناصرها المسلحة «للجهوزية»؛ للردّ على الضربة الأمريكية الجوية التي تسببت أيضاً بمقتل سبعة أشخاص آخرين، طالب المرجع الديني العراقي الكبير علي السيستاني، جميع الأطراف بضبط النفس.
وأعلنت وزارة الدفاع الأمريكية؛ (البنتاجون)، أنّ الرئيس الأمريكي دونالد ترامب أعطى الأمر باغتيال سليماني، وقال: «بأمر من الرئيس، اتخذ الجيش الأمريكي إجراءات دفاعية حاسمة؛ لحماية الموظفين الأمريكيين في الخارج؛ وذلك عبر قتل قاسم سليماني»، وقالت الوزارة في بيان: «هذه الضربة تهدف إلى ردع أي خطط إيرانية لشن هجمات في المستقبل».
تفاصيل العملية
ومن جهتها، كشفت صحيفة «نيويورك تايمز» تفاصيل عملية اغتيال سليماني، وأبو مهدي المهندس نائب رئيس «الحشد الشعبي» في قصف صاروخي استهدف سيارتهما على الطريق قرب مطار بغداد الدولي.
وذكرت الصحيفة أن موكباً كان فيه «سليماني والمهندس» تعرض لقصف صاروخي بواسطة طائرة من دون طيار، نفذته «قيادة العمليات الخاصة المشتركة» الأمريكية، وأضافت: إن الضربة الأمريكية استهدفت سيارتين كانتا تقلان سليماني وعدداً من القيادات العراقية الموالية، بينما كانوا يغادرون مطار بغداد الدولي.
وكانت مصادر من «الحشد» قد أفادت ـ في وقت سابق ـ بمقتل خمسة من أعضائه إلى جانب اثنين من الزائرين كانوا في سيارتين استهدفهما قصف على مطار بغداد الدولي، وقال مسؤولون أمريكيون: «إن السيارتين تعرضتا للعديد من الضربات الصاروخية أطلقتها الطائرة المُسيّـرة، ما أدى إلى «مقتل خمسة أشخاص» من بينهم سليماني والمهندس ومسؤول التشريفات في الحشد الشعبي رضا الجابري».
وصرّح جنرال في قيادة العمليات المشتركة في بغداد، رفض الإفصاح عن هويته، إن طائرة قادمة من سوريا كانت تقل الجابري وسليماني حطت في مطار بغداد، وأن سيارتين وقفتا أسفل الطائرة التي حطت في المطار وأقلت إحداهما سليماني، مشيرة إلى أن المهندس كان في واحدة منهما، ولدى مغادرة السيارتين المطار، تعرضتا للقصف الصاروخي.
ولفتت الصحيفة إلى أن المطار كان قد تعرض لقصف سابق قبل ساعات من هذا القصف، شمل إطلاق ثلاثة صواريخ؛ لكنه لم يؤد إلى وقوع إصابات، وأفادت مصادر بأن من بين القتلى في الهجوم الصاروخي الثاني صهر قاسم سليماني، وصهر عماد مغنية القائد في «حزب الله» اللبناني الذي قُتِلَ في سوريا وفقاً لقناة الحرة.
وذكرت وكالة «إيرنا» للأنباء أن سليماني كان قادماً من بيروت، وليس سوريا عند مقتله، بينما كانت خلية الإعلام الأمني في العراق قد قالت في بيان: إن ثلاثة صواريخ كاتيوشا سقطت على مطار بغداد الدولي قرب صالة الشحن الجوي، مما أدى إلى «احتراق عجلتين اثنتين، وإصابة عدد من المواطنين».
وكانت مصادر أمنية عراقية قالت: إن مطار بغداد الدولي أغلق بعد سماع دوي انفجارات بقربه في ساعة متأخرة من ليل الخميس، مضيفة: إن مروحيات عسكرية حلقت في المنطقة.
وأعلن المتحدث باسم الحرس الثوري الإيراني، أمس الجمعة، مقتل قائد «فيلق القدس» في الحرس الجنرال قاسم سليماني في قصف أمريكي استهدف سيارته في مطار بغداد الدولي.
وجاءت الضربة الأمريكية بعد ثلاثة أيام على هجوم غير مسبوق شنّه مناصرون لإيران ولـ«الحشد الشعبي» على السفارة الأمريكية في العاصمة العراقية بغداد ما أعاد إلى الأذهان أزمة السفارة الأمريكية، واحتجاز الرهائن في طهران في 1979.
وهناك عقوبات أمريكية معلنة في حق سليماني والمهندس، نائب رئيس هيئة قوات «الحشد الشعبي» التي تضم فصائل عديدة موالية لإيران، وتعد جزءاً من القوات العراقية الرسمية.
وقال بيان «البنتاجون»، الجمعة، «كان الجنرال سليماني يعمل على وضع خطط؛ لمهاجمة دبلوماسيين أمريكيين وجنود في العراق وفي جميع أنحاء المنطقة. الجنرال سليماني و«فيلق القدس» التابع له مسؤولان عن مقتل المئات من العسكريين الأمريكيين وعسكريي التحالف وجرح الآلاف غيرهم».
وتصاعدت ـ في الشهرين الأخيرين ـ الهجمات على قواعد عراقية تضم عسكريين أمريكيين؛ حيث أسفرت عن جرح ومقتل عدد من العسكريين العراقيين، وصولاً إلى استهداف قاعدة عسكرية في كركوك شمالي بغداد بثلاثين صاروخاً في 28 ديسمبر/كانون الأول، ما تسبب بمقتل مدني أمريكي.
وقد ردّت الولايات المتحدة في اليوم التالي بقصف منشآت قيادة وتحكم تابعة لكتائب «حزب الله»؛ أحد أبرز الفصائل الموالية لإيران في «الحشد الشعبي»، ما تسبب بمقتل 25 مقاتلاً.
وأثارت هذه الضربات غضباً بين أنصار «الحشد» وإيران؛ حيث هاجم الآلاف منهم السفارة الأمريكية الثلاثاء.
واكتفى الرئيس الأمريكي دونالد ترامب بعد انتشار نبأ مقتل سليماني، بنشر صورة للعلم الأمريكي على حسابه على موقع «تويتر» من دون أي تعليق.
وأثار مقتل الجنرال الإيراني قاسم سليماني، الشخصية المحورية في نفوذ الجمهورية الإسلامية في الشرق الأوسط، بضربة أمريكية فجر الجمعة في بغداد، قلقاً في مختلف أنحاء العالم؛ حيث دعت أغلبية العواصم إلى الهدوء؛ لتجنب التصعيد، فيما توعدت إيران بـ«رد قاسٍ».
وتوعد المرشد الإيراني علي خامنئي «بانتقام قاسٍ» لمقتل سليماني، وأعلن الحداد الوطني لثلاثة أيام، فيما أكد الرئيس الإيراني حسن روحاني، «أن إيران والدول الحرة في المنطقة ستنتقم لمقتل سليماني».
وقال وزير الخارجية الإيراني محمد جواد ظريف: «إن عمل الإرهاب الدولي الذي قامت به الولايات المتحدة؛ باستهداف واغتيال الجنرال سليماني هو تصعيد خطر للغاية وطائش».
وفي العراق، حذر رئيس الوزراء العراقي عادل عبد المهدي من أن الضربة الجوية الأمريكية التي أدت إلى مقتل الجنرال سليماني ونائب رئيس هيئة «الحشد الشعبي» أبو مهدي المهندس؛ تشكل تصعيداً خطراً يُشعل فتيل حرب مدمرة في العراق.
ووصف المرجع الديني الأعلى في العراق علي السيستاني الضربة الجوية الأمريكية بـ«الاعتداء الغاشم»، وأصدر الزعيم الشيعي مقتدى الصدر أمراً باستئناف نشاطات «جيش المهدي»؛ أبرز قوة مسلحة شيعية قاتلت القوات الأمريكية في العراق.
كما دعا القيادي البارز في قوات «الحشد الشعبي» العراقية قيس الخزعلي كل المقاتلين، في إشارة إلى عناصر «الحشد»، إلى الجهوزية؛ للرد على الضربة الأمريكية.
ترحيب أمريكي
وفي الولايات المتحدة، رحب السيناتور الجمهوري النافذ ليندسي غراهام المقرب من الرئيس الأمريكي دونالد ترامب بـ«العمل الشجاع الذي قام به الرئيس ضد العدوان الإيراني».
وقال السيناتور الجمهوري توم كوتون: «إن الجنرال سليماني نال ما يستحقه»؛ لكن رئيسة مجلس النواب الديموقراطية نانسي بيلوسي، قالت: «إن الضربة ضد سليماني تشكل تصعيداً خطراً للعنف».
ردود الفعل
وفي لبنان، دعا الأمين العام لتنظيم «حزب الله»، الجمعة، إلى «القصاص من قتلة» الجنرال الإيراني قاسم سليماني في الضربة الأمريكية في العراق.
كما دانت السلطات السورية ما سمته «العدوان الأمريكي الجبان» الذي أدى إلى مقتل سليماني، معتبرة أنه «تصعيد خطر للأوضاع في المنطقة».
وفي روسيا، حذّرت موسكو من أن مقتل سليماني بضربة أمريكية في العراق من شأنه تصعيد التوتر في الشرق الأوسط.
ونقلت وكالتا «ريا نوفوستي» و«تاس» عن وزارة الخارجية الروسية، أن مقتل سليماني «خطوة مغامرة؛ ستفاقم التوتر في أنحاء المنطقة». وأضافت الوزارة: «سليماني خدم قضية حماية مصالح إيران القومية بإخلاص. تعازينا الصادقة للشعب الإيراني».
ودعت الصين إلى ضبط النفس من جميع الأطراف، وخصوصاً الولايات المتحدة؛ بعد مقتل الجنرال قاسم سليماني.
وقال المتحدث باسم وزارة الخارجية غينغ شوانغ، لصحفيين، «نحض الأطراف ذات الصلة، وخصوصاً الولايات المتحدة، على المحافظة على الهدوء، وممارسة ضبط النفس؛ لتجنب المزيد من تصعيد التوتر»، كما دعت فرنسا إلى «إحلال الاستقرار» في الشرق الأوسط؛ تعليقاً على مقتل الجنرال الإيراني قاسم سليماني، معتبرة بلسان وزيرة الشؤون الأوروبية في حكومتها أميلي دو مونشالان أن «التصعيد العسكري خطر دائماً».
ويأتي هذا التطور بعد أكثر من ثلاثة أشهر على حركة احتجاجية شعبية في العراق ضد السلطات العراقية، والنفوذ الإيراني الواسع في البلاد.
وتجمّع العشرات من العراقيين الذين يشاركون في التظاهرات، صباح الجمعة، في ساحة التحرير في وسط بغداد، وهم يغنون ويرقصون؛ بعد انتشار خبر مقتل سليماني.
ورأى الخبير الأمريكي في المجموعات الشيعية المسلحة فيليب سميث، أن الضربة هي أكبر عملية عند رأس الهرم تقوم بها الولايات المتحدة، إلى جانب العمليتين اللتين قتلتا أبا بكر البغدادي وأسامة بن لادن، زعيمي تنظيمي «داعش» و«القاعدة».
وتجد بغداد نفسها منذ سنوات عالقة في موقع حرج بين حليفيها الكبيرين؛ (الولايات المتحدة وإيران)، فيما يتصاعد التوتر بينهما، لا سيما حول الملف النووي الإيراني.