استطلاع: جيهان شعيب - محمد بركات

طالبت فعاليات مجتمعية بسن تشريع يتيح منح إجازة للأبناء العاملين في جهات حكومية، لرعاية الآباء والأمهات المسنين، الذين يعانون أمراضاً صحية، ونفسية مختلفة، شريطة تقديم تقرير طبي يتضمن وضع الحالة الصحية بشكل واف، وطبيعة الأمراض، ومدى الحاجة لوجود مرافق دائم للرعاية، والمتابعة، والإشراف الأمين، بدلاً من ترك مسؤولية الآباء إلى الخدم الذين قد يسيئون معاملتهم، ويعتدون عليهم بالضرب، والإيذاء، وخلافه من صور الإساءة والتعنيف التي قد يتعرضون لها من بعض أفراد هذه العمالة.
وأكدت أن التشريع سيكون بمنزلة تقدير من الدولة لفئات المجتمع، لاسيما كبار السن الذين قدموا الكثير للجميع، من النواحي المختلفة، وأصبح من حقهم رعايتهم من قبل أبنائهم، في ضوء وضعهم الصحي والنفسي، ورد الجميل لهم، فضلاً عن دور التشريع -إن تم إقراره- في تعزيز مبدأ البر بالوالدين، وتكريس التماسك المجتمعي، والحفاظ على أمن الأسرة، ومكانتها.
حول ذلك تؤكد ميساء راشد غدير العضوة السابقة في المجلس الوطني الاتحادي، أن الدولة شرعت قوانين كفلت بها حقوق المرأة والطفل وأصحاب الهمم والموظفين، وغيرهم من فئات المجتمع، ولا تنقص جهات الاختصاص فيها القدرات لتضع تشريعاً، ومواد قانونية تجيز للموظف الحصول على إجازة لرعاية الوالدين إذا كان أي منهما بحاجة لتفرغ أحد الأبناء.
وتقول: عندما نتحدث عن رعاية، فنحن نتحدث عن وضع صحي صعب يعانيه الوالدان، أو أحدهما، ويتعذر فيه ترك الوالدين بمفردهما، أو مع ممرضين ومساعدي رعاية يُستعان بهم لتقديم الرعاية الطبية والنفسية والاجتماعية لهما، خاصة مع تعرض بعض الآباء للعنف من قبل الخدم ومساعدي الرعاية غير المؤهلين، أو الذين لا تتم متابعتهم من قبل الأبناء.
وهناك حالات مرضية ترفض المستشفيات إقامتها فيها لفترات طويلة، وبقاءها كحالات مرضية بمفردها في المنزل يعتبر وضعاً صعباً، لاسيما إن كان الأبناء لا يقيمون مع الآباء في مقر إقامتهم، أو يقيمون معهم ولكن تمنعهم الوظيفة من البقاء معهم للمراقبة والملاحظة والرعاية.

إطار قانوني

والتصور الذي نجد أنه قد يكون مفيداً في مطالبتنا بإجازة رعاية للوالدين، لابد أن يحكمه إطار قانوني يشمل التقرير الطبي للوالدين وحالتهما الصحية، وما يحتاجان إليه، ووضع الأبناء المهني وإمكاناتهم المادية، في ضوء أن الموظف الذي يقضي ما لا يقل عن ثماني ساعات يومياً في العمل، إلى جانب المهام الأسرية الأخرى التي يتحمل مسؤوليتها، قد ينشغل عن رعايتهما، أو حتى زيارتهما، فضلاً عن وجوب بحث الملف الأسري للوالدين ليتم منح الإجازة لأحد الأبناء ليكون متفرغاً لرعاية الآباء والقيام بواجباتهم، من دون أن يكون لذلك تأثير في مهامه كموظف من جهة، ومهامه كرب أسرة إن كان متزوجاً ولديه أسرة وأبناء، من جهة أخرى.
وقد تتخذ الإجازة عدة صور في ساعات محددة يومياً، كساعات الرضاعة المسموح بها للأم، أو في صورة أيام، أو حتى أشهر، حسب ما تستدعيه الحالة. وتشريع هذا النوع من الإجازات لا يقل في أهميته عن تشريع إجازة الوضع والأمومة، فالأب والأم عندما يتقدم بهما العمر، وبسبب معاناتهما من الأمراض المزمنة لاسيما الزهايمر، والأمراض الجسدية يصبحان في حاجة لرعاية بالغة لا تقل عن رعاية الأطفال من قبل الأمهات والآباء.
ومن أهم الإيجابيات المتوقعة إذا تم وضع هذا التشريع، تعزيز التماسك الأسري، والحفاظ على القيم التي تدعو للإحسان إلى الوالدين بدلاً من إيكال هذه المسؤولية لأغراب لن يكونوا أكثر رفقاً بالوالدين من أبنائهم وذويهم، وسترتقي بتشريعات تضعها الدولة تهدف من خلالها تقديم كل سبل الدعم للوالدين، لاستكمال منظومة تشريعاتها الإنسانية والاجتماعية.

شروط واجبة

ومن الشروط المهمة لتطبيق التشريع حين الموافقة عليه، وجود تقرير طبي يثبت حالة الوالدين الصحية، وحاجتهما للرعاية، وتقرير طبي يحدد حجم ومستوى الرعاية المطلوبة للوالدين، ويقدر الفترة الكافية للرعاية إن كانت ساعات يومية، أو أياماً أو أشهراً، وإعداد تقرير عن الأبناء، ووظائفهم والتنسيق بينهم للحصول على الإجازة بشكل متتابع، مع التعهد بالقيام بالرعاية من دون استغلال الإجازة لأغراض شخصية، وتحديد أيام الإجازة وفقاً للتقرير الطبي، وتقسيمها على الأبناء، وتنظيم زيارات طبية حكومية للمستفيدين من إجازة الرعاية، للتأكد من قيامهم بواجباتهم وفق الإجازة الممنوحة لهم.

تشريعات متطورة

وتضيف مريم الأحمدي ناشطة اجتماعية وحقوقية: من دون شك، هناك تطورات مصاحبة تمر بها المجتمعات حالياً، ومن بينها طبيعة الأمراض والتحديات التي تواجه فئاته المختلفة، لذا فرجال القانون يحاولون مصاحبة هذه التطورات بتطوير مماثل للتشريعات، وأصبح لزامًا على المشرع القانوني أن يواكب هذا الأمر بإصدار تشريعات قانونية متطورة، فالقانون وضع في الأساس بهدف تنظيم حياة البشر، ومن المؤسف أن يواجه الإنسان في نهاية حياته الوحدة، أو المرض، أو ضغوطًا نفسية تجعله يعاني أمراضاً خطيرة، من دون أن يكون المجتمع وأبناؤه إلى جواره يحاولون رد الجميل له، فقد كان هذا الإنسان في حياته أحد عناصر تشييد مستقبل مجتمعه، وبالتالي لابد للمجتمع أن يرد هذا الجميل من خلال تشريعات أكثر مرونة واتساعًا تتناسب مع التطورات الحديثة التي تمر بها فئاته المختلفة.
وهناك العديد من الحكايات التي حدثت وتشير إلى صعوبة حصول الابن أو الابنة على إجازة رعاية الأم والأب، وهما في مرحلة الشيخوخة المتقدمة، ويعانيان أمراضاً نفسية وجسدية خطيرة، بسبب قوانين لم تتطور، أو في حاجة إلى إعادة نظر، ومن ذلك ابنة وحيدة كانت تحاول قدر استطاعتها قضاء الأيام والساعات مع الوالدة المسنة، ونتيجة لأنها في الأصل أم لعائلة ومعيلة لها، لم تستطع التخلي عن العمل، ما جعلها في صراع نفسي مستمر، خاصة بعدما استنفدت جميع الإجازات المتاحة لها، وبعدما مرت الأعوام وعقب رحيل الأم، أصبحت تعاني صراعاً نفسياً مستمراً لشعورها بأنها تخلت عنها في مرحلة هامة في حياتها، وقتما كانت في حاجة ماسة إلى كل قلب محب يكون إلى جوارها، ولا يجعلها تعيش الوحدة، أو مصاعب الشيخوخة، وآلامها، رغم أنها حاولت قدر استطاعتها التواجد معها، إلا أن القوانين واللوائح كانت حائلاً أمام تحقيق هذا الأمر بشكل كامل.
ومن أولى إيجابيات تشريع القانون، تحقيق الرعاية الحقيقية والكاملة للوالدين تكريساً لمبادئ حقوق الإنسان، سواء في ما يتعلق بالرعاية الصحية أو النفسية أو المجتمعية، فيما السعادة في مفهومها الأوسع ليس في رعاية حقوق الإنسان في الاحتياجات المادية فقط، وإنما بتوفير الرعاية النفسية في الوقت ذاته، وشروط تطبيق القانون تتطلب التنظيم، بمعنى أن يكون هناك نظام متكامل، يتسم بالمرونة يجعل الإنسان قادرًا على رعاية والديه.

حق واجب

ويشدد خالد الغيلي عضو لجنة الأسرة في المجلس الاستشاري لإمارة الشارقة، على أهمية سن التشريع الذي، كما يقول، يطمئن القلوب على من افنوا أنفسهم في رعاية الأبناء، وبذلوا الغالي والنفيس من اجل تربيتهم، والنهوض بهم، وإيصالهم إلى بر الأمان في الحياة، فيما يصبح من حقهم الواجب على الجميع العناية بهم، ورعايتهم، والاهتمام بهم، والبقاء إلى جوارهم للإشراف على متابعتهم.
ويرى أن التشريع أن تم إقراره سيكمل المنظومة الإنسانية للدولة في الاهتمام بالمسنين، والعمل على توفير كل ما من شأنه إراحتهم، وتحقيق الاستقرار، والسعادة لهم.

ضوابط معينة

وعلى التوازي مع القول السابق، أكد أحمد الجراح عضو «استشاري» الشارقة، أن رعاية الوالدين واجبة على الأبناء تحديداً، في ضوء ضرورة البر بهما، ورد الجميل لهما، وعدم ترك رعايتهما في أيدي العمالة المساعدة، التي من الممكن أن تتعدى عليهما بالضرب، والإساءة وخلافه، دونما استطاعة أي من الآباء أو الأمهات التعبير عما تعرضوا له، لضعف إدراكهم، مع كبر أعمارهم، وفقدانهم القدرة على التمييز الصحيح لكثير من الأمور، مؤكداً وجوب أن ترافق التشريع ضوابط معينة منها تقديم تقرير طبي يؤكد حاجة الأب، أو الأم المسنين لرعاية منزلية مستمرة.

اشتراطات منظمة

وتواصل تأييد الفعاليات المجتمعية لسن التشريع، حيث قال محمد الدرمكي «عضو» استشاري الشارقة: أنا مع منح إجازة للموظف لرعاية الوالدين «الأم أو الأب»، ولكن وفق اشتراطات ومعايير تنظم ذلك، لكي لا تكون هناك ذريعة، أو استغلال من قبل الموظف للتغيب عن العمل،
خاصة أن تعاليم ديننا الحنيف تحث على بر الوالدين والاهتمام بهما، ورعايتهما عند الكبر.
وفي عام الخير سيكون الوقت الأنسب لإصدار هذا التشريع، على أن يتم توفير تقارير طبية بالحالة المرضية لأي منهما، وعلى أن تكون الإجازة لابن واحد، أو اثنين وتتم المداورة حسب ظروف عمل كل منهما، وحسب تصنيف حالة المريض، وما إذا كان طريح الفراش في البيت، أو المستشفى، أو خارج الدولة.

تعزيز مكانة الوالدين واحترامهما

أبدت عائشة بن سمنوه عضو المجلس الوطني الاتحادي، موافقتها وتشجيعها على سن تشريع يمكن الأبناء من الحصول على إجازة مرافقة للآباء والأمهات للاعتناء بهم، وخاصة إذا كان أحدهما طاعناً في السن، ويعاني أمراضاً مزمنة تمنعه من تلبية احتياجاته اليومية بمفرده دونما مساعدة، شريطة تقديم تقارير طبية تؤكد صعوبة ترك احدهما، أو كليهما بمفردهما، دونما متابعة، وعناية وإشراف مستمر، مع وجوب أن يتضمن التشريع بنداً يتيح للموظف الذي لم يحصل على أجازة مفتوحة لرعاية الوالدين، الخروج من العمل أثناء فترة الدوام لمراقبة والديه، من دون اتخاذ إجراءات إدارية تجاهه من قبل مديره، كالإنذارات، أو الخصومات من الراتب.
وأكدت أهمية سن التشريع لدوره في تعزيز مكانة الوالدين واحترامهما، وحل الكثير من المشكلات وتكريس القيم المعنوية الواجبة، من التراحم والتسامح المجتمعي.

توفير الوسائل اللازمة للرعاية

تحفظ خالد الفلاسي عضو المجلس الوطني الاتحادي، على مبدأ سن تشريع يقر منح إجازة مفتوحة، قاصراً موافقته على فكرة السماح فقط للموظف بالاستئذان عند الضرورة لرعاية ومتابعة والديه، خاصة حال مرضهما، أو انعدام مقدرتهما على القيام بحاجياتهما اليومية بمفردهما، مؤكدا أن اهتمام الأبناء بآبائهم وأمهاتهم، مسألة مهمة، يجب ألا تحكمها القوانين والإجازات، وإنما تتبع القيم والأخلاقيات الإنسانية لدى كل فرد في المجتمع، إلى جانب إيمان الابن والابنة الموظفة بضرورة الاهتمام بالوالدين، ورعايتهما، علاوة بالطبع على دور الدولة المشهود بتوفير الوسائل اللازمة لرعاية كبار السن، ومساعدة المعيلين لهم بتوفير الحياة الكريمة لهم.

فرصة للموظف لرعاية والديه

شجع الدكتور سيف الجابري سن تشريع إجازة رعاية الوالدين، لأنها حق واجب لهم فرضته النظم الشرعية، والمجتمعية التي حفظت مكانتهم وجعلت رضاهم من رضا الخالق والعناية بهم من الواجبات المتفق عليها في كل المجتمعات، من خلال العادات والتقاليد الأصيلة المستمدة من الدين الحنيف، في ظل ازدياد أعداد كبار السن، وتراكم ضغوط الحياة، بما أصبح لزاماً وجود حاجة إلى تشريع يعطي فرصة للموظف لرعاية والديه، إذا لم يكن لديهما سواه، وخاصة الآباء والأمهات كبار السن المصابين بأمراض مزمنة، الذين في حاجة إلى رعاية خاصة، شريطة نظام محدد يضمن عدم اتخاذ الموظف الإجازة ذريعة للهروب من المداومة في العمل.