البرازيل.. «انقلاب أبيض»

03:14 صباحا
قراءة دقيقتين
يبدو أن البرازيل مثلها مثل كل دول أمريكا اللاتينية التي تمردت على الولايات المتحدة، وتحدّت نفوذها وسطوتها، واختطت لنفسها نهجاً مستقلاً من خلال الديمقراطية الشعبية، وصندوق الانتخاب، بدأت تواجه هجوماً منسقاً للقضاء على تجربتها واستعادتها إلى الحضن الأمريكي من خلال قوى المعارضة الداخلية المرتبطة وجودياً ومصلحياً بالتوحش الرأسمالي، وهيمنة الشركات الاقتصادية والإعلامية الكبرى.
فالحملة الضارية التي تتعرض لها رئيسة البرازيل، ديلما روسيف، من جانب أحزاب المعارضة منذ أشهر لإطاحتها من خلال التظاهرات التي يتم تنظيمها في المدن تحت ستار محاربة الفساد، وصولاً إلى فرط عقد حكومتها بانسحاب أحزاب أساسية منها، ومن ثم سعي البرلمان لإطاحتها بالتصويت على تجريدها من السلطة، تمهيداً لإحالة الأمر إلى مجلس الشيوخ لاتخاذ قرار بذلك، باعتباره السلطة المخولة بعزلها قبل انتهاء مدة ولايتها.. كل ذلك يبدو مرتباً ومنظماً في إطار «انقلاب أبيض» عبر المؤسسات، أي انقلاب ديمقراطي على نظام ديمقراطي جاء بإرادة شعبية من دون عنف أو دماء، وتحاشياً لانقلاب عسكري مماثل للذي وقع العام 1964 وأطاح الرئيس المنتخب جواو غولار، وهو الانقلاب الذي كان مدعوماً من الولايات المتحدة، وأغرق البرازيل على مدى 21 عاماً وفي ظل الدكتاتورية العسكرية بالدم وانتهاك حقوق الإنسان والديون والأزمات الاقتصادية.
يبدو أن الولايات المتحدة تخلت عن أسلوب الانقلابات العسكرية التي كانت تدبرها الـ«سي آي إيه»، كما حصل في تشيلي والبرازيل، والأرجنتين، وفنزويلا، وغواتيمالا، والإكوادور، وغيرها من دول أمريكا اللاتينية، وأصبحت تلجأ إلى الأساليب الناعمة التي لا تشوّه سمعتها، وهي أساليب خفية تستعمل فيها الاقتصاد والمساعدات، والشركات الكبرى، والعولمة، ووسائل التواصل، ومراكز الأبحاث، والأحزاب اليمينية الداخلية، ورجال الأعمال في إطار متكامل بهدف تشويه سمعة الأنظمة المقصودة، ومن ثم التحريض عليها وتشكيل غطاء شعبي مموّل تقوده الأحزاب اليمينية، يتم تحريكه كأداة ضغط مباشرة للإيحاء بعدم شرعية الأنظمة المستهدفة، وهو الأسلوب الذي يستخدم الآن في البرازيل، وفنزويلا، وبوليفيا، وتشيلي، واستخدم من قبل في الأرجنتين ضد الرئيسة السابقة كريستينا فرنانديز.
يتم استخدام تهم الفساد وتصيد الأخطاء التي ارتكبت في السنوات الأخيرة، وأدت إلى أزمات اقتصادية فعلية، مثل ارتفاع معدلات التضخم وتقلص الاقتصاد لزعزعة الاستقرار وتغيير نظام الحكم.
لقد أثارت البرازيل خلال حكم الرئيس دا سيلفا لولا حفيظة الولايات المتحدة، إذ إن سياساته الاقتصادية الناجحة، وإخراجه البرازيل من حالة الانهيار وارتباطاته مع قوى كبرى أخرى، مثل الصين وروسيا وجنوب إفريقيا والهند، وإقامته مجموعة دول البريكس، ومن ثم تحول بلاده إلى محرك للنمو في أمريكا اللاتينية.. كل ذلك جعله هدفاً مباشراً لأنه يهدد سلطة المنظمات المالية العالمية التي تخضع للولايات المتحدة، بل إنه يتحداها في القارة التي كانت يوماً ما حديقة خلفية لها.
وبعد انتهاء ولايته بشكل طبيعي وفشل محاولات إسقاطه، تحولت الدفة باتجاه خليفته الرئيسة روسيف التي تنتمي إلى حزبه (العمال) ووصلت إلى السلطة بدعم منه.
قيَم هذا المقال
0

لاستلام اشعارات وعروض من صحيفة "الخليج"

https://tinyurl.com/yyjr56es