الشارقة:علاء الدين محمود

ارتبط اسم الشاعر العراقي الكبير محمد مهدي الجواهري بنهر دجلة حينما ناجاه في قصيدة شهيرة خلدت كواحدة من أعظم قصائد العصر، ودجلة هو ذلك النهر العراقي الذي ينبع من جبال طوروس في تركيا، ويمر بسوريا، ويستقبله العراق عند بلدة فيشخابور، ليلتقي بنهر عراقي آخر شهير وهو نهر الفرات في جنوب العراق ليكوّنا معاً شط العرب الذي يصب في الخليج العربي, على شط دجلة تقع العاصمة بغداد، وعلى ضفتي دجلة قامت حضارات، ورويت أخبار، وسير، وقصص، شكلت تاريخ العراق المجيد، فمعظم حضارات ما قبل التاريخ أقيمت على ضفاف الأنهار، وعلى تلك الضفاف نشأت القصص والأساطير، فحديث نهر دجلة يختزن ذاكرة حضارات كبيرة، مثل الآشورية، والكثير من الحضارات القديمة في تلك المنطقة، ودجلة بالنسبة للعراقين أكثر من نهر، هو ذاكرة وقصة حضارة، ولا يزال العراقيون في الداخل، وفي عواصم العالم الذي انتشروا فيها مشردين بفعل الحروب، معلقة قلوبهم بذكرى دجلة الذي هو رمز لكل العراق.
تعتبر قصيدة «دجلة الخير» من أعظم قصائد الجواهري، حيث إن الجواهري بث في هذه القصيدة إلى جانب لواعج الشوق، كل آلامه وأحزانه ومعاناته وهو في العاصمة التشيكية براغ عام 1962، حيث كان يعيش حالة نفسية سيئة صورها في هذه القصيدة، التي لقيت صدى كبيراً في وسط مثقفي العراق والعالم العربي.
يعتبر الشاعر الكبير محمد مهدي الجواهري من أهم الشعراء العراقيين المعاصرين، وأبرزهم، وقد تأثر كثيرا بأبي الطيب المتنبي، وفي كتابات الجواهري وأشعاره نلمس إحساس الإنسان الذي يعاني، ذلك المعذب المهموم، والذي يبث آلامه وأحلامه في قصائده فتأتي محملة بالصور الشعرية، وهذا ليس بغريب فقد عاش الجواهري معظم حياته في المنفى خارج وطنه لأسباب سياسية، فعاش في مصر فترة ثم عاش في براغ لمدة سبع سنوات، وكذلك انتقل إلى العيش في سوريا التي مكث فيها حتى وفاته في عام 1997، وقد انصرف الجواهري في شعره إلى التغني بحلم الإنسان الغريب المشرد المتطلع إلى السلام والحرية والعدالة، والعودة مرة أخرى لحضن الوطن، ولذلك كثير ما جاءت قصائده محملة بذلك الشوق العظيم للعراق، فهو يذكره مدناً وقرى وحضارات على نحو ما فعل في رائعته «دجلة الخير» التي اعتبرها كثير من شعراء العراق ونقاده واحدة من معلقات العرب العظيمة، حيث تعطرت بالتراث والتاريخ العربي المجيد.
تمتع الجواهري بأسلوبية خاصة، فقد اعتمد على الطريقة العربية القديمة في نظم العبارة واللفظ، لكنه كان معاصراً في مواضيعه وصوره الشعرية، وقد مزج بحرفية عالية بين القديم والجديد، فرغم تقلب المشهد الشعري في العراق كثيراً، إلا أن الجواهري تمسك بالقصيدة العمودية، ورغم أن عصره قد سادت فيه قصيدة التفعيلة والنثر، غير أن الجواهري كان الصوت الذي وجد إجماع المحدثين والقدامى على شاعريته، وتميز الجواهري بعذوبة في الإلقاء، وجودة التعبير في قراءته لشعره، حيث تميز بصوت شجي جميل، ولعل قصيدة «دجلة الخير» واحدة من القصائد التي يحلو للجواهري ترديدها، وقد حفظها الناس على طريقته، حيث كان يسكب فيها روحه، فينغمها بطلاقة وعذوبة، فتتمايل معه القلوب وتتلفت إلى تلك الأماكن التي جمعتهم ذات يوم في عراق الخير والحب، ف«دجلة الخير» جاءت حين مولدها كحدث، لكنه لم يكن حدثاً عادياً، بل كأنها شيء قد سال من روح العراقيين فعبرت عنهم وعن شوقهم العظيم للأوطان حتى أصبحت «دجلة الخير» أيقونة شعرية، وأضحى بها الجواهري من أعلام العراق تماماً، كأنهارهم، ومدنهم، وحيواتهم، وذاكرتهم، ونخيلهم، وربما ما يثير الدهشة أن يظل الجواهري، رغم تجدد نهر شعر العراق بالحداثة، ملهماً ورمزاً كبيراً له مكانته المحفوظة والثابتة، فما زالت قصائده تلقى الرواج وتختال وسط دوحة الشعر العراقي والعربي.
ولكم تغنى العراقيون ب«دجلة الخير»، وما زالوا، كأنها قصيدة تأبى أن تتأثر بعوامل القدم، يقول الجواهري:

حيّيْتُ سفحكِ من بُعد فحييني
                                  يا دجلة الخير يا أمّ البساتين
حيّيْتُ سفحكِ ظمآناً ألوذُ به
                                  لوْذَ الحمائم بين الماءِ والطينِ
يا دجلةَ الخير يا نبْعاً أفارقُهُ
                                  على الكراهةِ بين الحين والحينِ
إنّي وردْتُ عيون الماءِ صافيةً
                                  نبْعاً فنبْعاً، فما كانت لترويني
وأنت يا قارباً تلْوي الرياحُ بهِ
                                  ليَّ النسائمِ أطرافَ الأفانينِ
وددْتُ ذاك الشراع الرّخصَ لو كفني
                                  يُحاكُ منه، غداة البيْنِ، يطويني
يا دجلة الخير: قد هانت مطامحُنا
                                  حتى لأَدنى طِماحٍ غيرُ مضمونِ
أتضمنين مقيلاً لي سواسيةً
                                  بين الحشائشْ أو بين الرياحينِ
خِلْواً من الهمِّ إلا همَّ خافقةٍ
                                  بين الجوانح أعنيها وتعْنيني
تهزّني فأجاريها فتدفعُني
                                  كالريح تُعْجلُ في دفع الطواحينِ
يا دجلة الخير: يا أطياف ساحرةٍ
                                  يا خمر خابيةٍ في ظلّ عُرجونِ
يا سكْتَةَ الموتِ، يا أطيافَ ساحرةٍ
                                  يا خنْجَر الغدر، يا أغصان زيتونِ
يا أمّ بغدادَ، من ظَرْفٍ ومن غَنجٍ
                                  متى التبغْددُ حتى في الدهاقينِ
يا أمّ تلك التي من (ألف ليلتها)
                                  للآنَ يعبقُ عطرٌ في التلاحينِ
يا مُسْتجمَّ (النواسيّ) الذي لبستْ
                                  به الحضارة ثوباً وشْيَ (هارون)
الغاسلِ الهمّ في ثغرٍ وفي حَببٍ
                                  والمُلْبسِ العقْلَ أزياءَ المجانينِ
والسّاحبِ الزقّ يأباهُ ويُكرِههُ
                                  والمُنْفقِ اليوْمَ يُفْدَى بالثلاثينِ