الشارقة: محمدو لحبيب
المطالع لحكم ابن عطاء الله السكندري، يدخل للوهلة الأولى عالماً آسراً، مدهشاً، صادقاً، ومتماساً مع الحقيقة التي تختزل علاقة الإنسان بربه في أزهى تجلياتها.
ربما تعود شهرة الحكم العطائية وقبولها وانتشارها إلى أن صاحبها جمع باقتدار وتمكن بين العلوم الفقهية والتفسير، وبين عمق النظرة الصوفية.
ولد أحمد بن محمد بن عبد الكريم بن عبد الرحمن بن عيسى بن عطاء الله السكندري، والشهير بابن عطاء الله السكندري سنة 658ه في مصر، وقد وصل أجداده المَنسوبون إلى قَبيلةِ جذَام إلى مصر بعد الْفتح الإسلامي واستوطنوا الإسكندرية، حيث نشأ كجدهِ لوَالده الشيخ أبي مُحمد عبد الكريم بن عطَاء الله، فَقيهاً يَشتغلُ بالعُلومِ الشرعية، وتلقى منذ صباه العلوم الدينية والشرعية واللغوية، وصحب شيخه أبا العباس المرسي بالإسكندرية فأعجب به إعجاباً شديداً، وأخذ عنه طريق الصوفية وأصبح من أوَائل مُريديه، وتَدرج ابن عطَاء في منَازلِ العلم والمعرفة حتى تَنبأ له الشيخ أبو العبَاس يوماً فقَال له: (الزم، فو الله لئن لزمت لتكونن مُفتياً في المذهبين). أخذ عن ابن عطاء الله بعد ذلك الكثيرون من بينهم: ابن المبلق السكندري، وتَقي الدين السبكي شيخ الشَافعية، وكان أحد الفقهاء الصوفيين، ولقب بعديد الألقاب من قبيل «قطب العارفين» و«ترجمان الواصلين» و«مرشد السالكين»، توفي ابن عطاء الله رحمه الله سنة 709 ه في القاهرة تاركاً العديد من الكتب والحكم بلغ عددها 264 حكمة، وقد ترجم العديد منها إلى اللغة الإنجليزية والإسبانية، ولم تقتصر حكمة ابن عطاء الله على النثر بل شملت قصائد كثيرة تميزت بذلك الفيض من الحب الإلهي الذي كللها بتاج نوراني مشرق.
ومن بين تلك القصائد قصيدته المشهورة «ظهرت لكل الكون» التي يناجي فيها ربه، ويجسد فيها إحدى حكمه المعروفة وهي: «لا مسافة بينك وبينه حتى تطويها رحلتك، ولا قطيعة بينك وبينه حتى تمحوها وصلتك».
يبتدئ السكندري قصيدته منشداً:
ظهرت لكل الكون فالكون مظهر
وفيه له أيضا كما جاءت الصحف
فأي فؤاد عن ودادك ينثني
وأية عين بعد قربك لن تغفو

يصف السكندري في البيتين السابقين معنى شهود المؤمن لله في كونه، حين تراه البصائر لا الأبصار، في قدرته وبديع صنعه في الكون الفسيح، ما يجعل أي فؤاد سليم الطوية لا يفتر ولا ينثني عن وداد المحبوب الأعظم، ولا تستطيع أية عين بعد تحقق ذلك الشهود أن تغفو، فتشعر النفس بالحاجة الدائمة إلى ربها، وبمزيد من التعلق والأنس به، وتبصر نعمه الكثيرة التي لا تعد ولا تحصى فتحس بالتقصير:
وكلي محتاج وأنت لك الغنى
ومثلي من يخطي ومثلك من يعفو
هناك وأمام الإحساس بالتقصير في شكر النعم، يتولد في نفس المحب لله العارف به كابن عطاء الله مزيد من الشعور بالذنب، ومزيد من الاغتراب عن الحياة التي لا يكون محورها الله وذكر الله والتعبد لله بشكره، فيعبر عن ذلك قائلاً:
وأنت الذي أبدى الوداد تكرماً
ومثلك من يرعى ومثلي من يجفو
وما طاب عيش لم تكن فيه واصلا
ولم يصف لا والله أنى له يصفو
وكتخلص من تلك الغربة يعتزم المحب لربه العاشق لحضور ذكره أن يفارق الكون بأكمله فراقاً روحياً يقفو من خلاله سبيل ذلك الحب المتفرد الخاص:
عزمت على أن أترك الكون كله
وأقفو سبيل الحب والمجتبى يقفو
ثم يطفق السكندري بعد ذلك في قصيدته يعدد ميزات تلك البصيرة التي شاهدت عظمة الخالق في كونه، وكذلك ميزة التحقق من ذلك، والإحساس به والاستغراق فيه فيقول:
شهود كمو يجلو الحجاب لأنه
إذا حقق التحقيق صار هو الكشف
وما أحسن الأحباب في كل حالة
فلله ما يبدوا ولله ما يخفوا
أما الذين لم يشهدوا بقلوبهم وبصائرهم ذلك المشهد العظيم، فهم محجوبون وراء أستار قلوبهم الغلف، كما يقرر ابن عطاء الله حين يضيف قائلاً في نفس القصيدة:
وإن الأولى لم يشهدوك بمشهد
قلوبهم عن نيل سر الهوى غلف
ولعل ابن عطاء يستغرب مع مزيج من الدهشة والاستنكار كيف لا يبصر أولئك عظمة الله الماثلة في كونه والدالة عليه حين يقول:
وأنت الذي أظهرت ثم ظهرت في
جميع المبادي مثلما شهد العرف
ظهرت لكل الكون فالكون مظهر
وفيه له أيضا كما جاءت الصحف.
والمحصلة التي ينبغي أن تغدو نتيجة حتمية عند ابن عطاء الله السكندري في أواخر قصيدته الفياضة بالحب، هي الحب نفسه، لكنه حب لا يترك مجالاً لعاطفة أخرى سواه، ولا يمكن لأي نفس تتحقق من عظمة وجود الله إلا أن تغدو متعلقة بذلك الحب وسائرة في طريقه اللانهائي، ويعبر ابن عطاء الله عن ذلك قائلاً:
وأية نفس لم يملها هواكمو
على حبكم طرا نفوس الورى وقف.
والقصيدة بمجملها تسجل حالة حب صوفي تمتزج فيه حكمة ابن عطاء الله المعروفة، بفقهه وتبحره في معرفة معاني عظمة الله والاستدلال عليه من خلال الخلق في الكون.