القاهرة: «الخليج»

قبل أن يترجم كتابه «أصوات مراكش» إلى العربية لم يكن «إلياس كانيتي» (25 يوليو/تموز 1905 - 14 أغسطس/آب 1994) معروفاً في اللغة العربية، رغم أنه حاز جائزة نوبل عام 1981 «لكتاباته التي جسدت نظرته الفسيحة وثراء أفكاره وقوته الفنية»، وكانت «أصوات مراكش»، قد ترجمت مرتين على يدي حسونة المصباحي وكامل يوسف حسين، وكان من الممكن أن ينصرف جهد الترجمة، إلى كتاب آخر، حتى لا نفاجأ بأننا لم نترجم له بعد هذه السنوات الطويلة، سوى «الشذرات» و«محاكمة كافكا الأخرى» و «الجماهير والسلطة».
أسهم «كانيتي» ذاته في هذه الحالة، فقد جاءته الشهرة متأخرة، حين أصدر «قصة شباب» و«قصة حياة» بين عامي 1977 و1985 كما أنه قبل أن يموت اختار مقبرته بنفسه، بالقرب من مقبرة جيمس جويس، وكان يقول إنه اختار أن يكون طوال حياته صامتا كمقبرة، رافضا خلال مشواره الأدبي، إجراء أي مقابلة صحفية، مستعيدًا جملة فوكنر: «لن أقول الحقيقة للصحفيين أبدًا».
في سنة 1991 كان «كانيتي» يقيم في زيوريخ، عاكفًا على كتابة مذكراته خلال السنوات التي قضاها في لندن لاجئا، هاربا من ألمانيا النازية، لكن الموت يحضره بعد ثلاث سنوات، دون أن يكمل هذه المذكرات، لكنه ترك لنا كتابة أقرب إلى البورتريهات الشخصية، والذكريات مع كتاب ومفكرين وسياسيين عرفهم. يكشف الكتاب أنه خلال سنوات الحرب العالمية الثانية كانت لديه تأملات، حول الظواهر الطبقية الجماعية، ساعة الصراع بين الاستبداد والديمقراطية، كان مفتونا آنذاك بانتشار الأفكار البريطانية.
كان الشاعر بسام حجار قد ترجم مقالا عن إلياس «كانيتي» وصف فيه بأنه «المولود في بلغاريا، جواب الآفاق، رمز الفكر الأوروبي المتحرر من اليقينيات»، وتوقف المقال عند ثورة الطلاب في فرنسا (مايو/‏أيار 1968) أمام رجل في الثالثة والستين من عمره، أشعث الشعر، ثاقب النظرات، أشيب الشاربين، متأنق بربطة عنقه، وسط الشوارع والأرصفة، التي انتزعت حجارتها، يسير الهوينى سالكا طريق الحي اللاتيني، رجل يعرف باريس جيدا، فطالما قادته إليها حياته، التي قضاها في الترحال.
كان هذا الرجل هو «إلياس كانيتي»، الذي سينال جائزة نوبل للآداب سنة 1981 وعندئذ سوف يعمد إلى قطع خط تليفونه، فاراً إلى الأبد من وجه الصحافة، معتزلا العالم من حوله، لكنه في تلك اللحظة (أي مايو 1968) كان يسير باتجاه مبنى السوربون، حيث يخطب رجل في مثل سنه، كان قد رفض جائزة نوبل بعد أن مُنحت له، لكنه يجيب على الاتصالات الهاتفية، ويستقبل الصحافة، رجل يُدعى جان بول سارتر.
ظل «كانيتي» مسكونا باللون الأحمر طوال عمره، منذ أن رأى راية حمراء مرفوعة على تمثال فيكتور هوجو، في ثورة الطلبة سنة 1968، وكانت «إعدام بالحرق» هي روايته الوحيدة، التي كتبها وهو في السادسة والعشرين من عمره، وفي ختامها فصل بعنوان: «الديك الأحمر»، كذلك الأمر بالنسبة لكتابه «اللسان الناجي»، وهو الجزء الأول من سيرته الذاتية، المسكون باللون الأحمر، فأعماله تزخر بهذا اللون، منذ أن شاهد الحشود، وهي تضرم النار في قصر العدل في فيينا سنة 1927.
سيكتب كانيتي عن ذلك اليوم: «إنه النهار الأكثر تأثيرا في حياتي منذ موت والدي، حريق قصر العدل، تسعون قتيلاً من بين المتظاهرين، الذين رفضوا الخضوع أمام مسؤولي الحزب الاشتراكي الديمقراطي، وأصروا على المطالبة بالثأر للعمال الموتى، حيث أخلي سبيل القتلة».
كان كانيتي كاتبا نمساويا (كما قالت لجنة نوبل) ومواطنا بريطانيا (هرب من النازية عام 1938 وعاش في لندن) مثلما أقام في زيوريخ وسويسرا منذ 1971، إلى أن غادرها في السادسة عشرة من عمره، يقول: «لم آسف أبدا، حين كنت طفلا، في أن أكون منذورا لانطباعات قوية وغنية بالتناقضات، كل مكان جديد كان يسحرني.
هل هو ألماني أم نمساوي أم سويسري أم بلغاري أم بريطاني؟ هو نفسه يكتب: «ألماني أنا بغطرستي، إسباني بكبريائي، جداه جاءا من تركيا إلى بلغاريا، وكانت الألمانية لغة الذاكرة».
في عام 1953، قام إلياس كانيتي بزيارة مراكش ليقرر في عام 1958، تأليف كتاب، يعتمد على الانطباعات، التي تركتها لديه، فجاء كتاب «أصوات مراكش» وعبر فصول صغيرة، كان يستعيد الملاحظات والعواطف والنبرات، وتأملاته الفلسفية، إن الكتاب عبارة عن لوحات، تصور الحياة اليومية في مراكش.