الشارقة: الخليج
مثل الشاعر المصري محمود سامي البارودي (1839 - 1904)، حالة شعرية فريدة، فقد جمع بين الشعر والعسكرية، فجاءت قصائده ونصوصه، تحمل هذا الطابع الحماسي المتفرد، وفي ذات الوقت تفيض رقة وعذوبة، وسلامة في اللغة. ولد البارودي لأسرة ثرية، ذات علاقة بشؤون الدولة والحكم، والتحق بالمدرسة الحربية، وتدرج في العسكرية حتى وصل إلى رتب عالية، غير أنه عمل على تثقيف نفسه ذاتياً، فاطلع كثيراً على التراث العربي، خاصة في مجالات الشعر، فانصرف إلى قراءة الشعر وسيرة الشعراء، فحفظ الكثير من أشعار القدامى في وقت مبكر من حياته، خاصة أشعار الفحول من أمثال أبي الطيب المتنبي، وأبي تمام والبحتري، والشريف الرضي. وكان يستهويه كثيراً شعر الحماسة العربي والفخر والإقدام.

قدم البارودي الكثير للغة العربية، وللشعر من خلال ريادته لمدرسة البعث والإحياء التي نادت بضرورة الاهتمام بالشعر العربي، والارتقاء به، وقد عمل البارودي على تجديد أساليب الشعر، في مرحلة شهدت تراجعاً كبيراً.
يعد البارودي أحد زعماء الثورة العرابية، وقد تولى وزارة الحربية، فرئاسة الوزراء، ولجمعه بين العسكرية والشعر، لقب برب السيف والقلم، وبعد فشل الثورة، نفي إلى جزيرة سرنديب، في الفترة من عام 1882 وحتى عام 1904، وكانت فترة المنفى، رغم قسوتها، ثرية معرفياً؛ حيث انصرف إلى قراءة الشعر، وجادت قريحته بالكثير من قصائد الشوق والحنين إلى البلاد، فالمنفى لم ينسه مصر، وظل قلبه يتلفت إلى تلك الأماكن، التي عاش وترعرع فيها، وكانت مرتعاً لعهد صباه، وقد قرض الكثير من الشعر الوجداني الذي يفيض حنيناً، وفي قصيدة «اشتياق»، يبث لواعج شوقه، ويشكو من حياة المنفى فيقول:
أُكَلِّفُ النَفْسَ صَبْراً وهي جَازِعَةٌ
والصبرُ في الحُبِّ أعيا كُلَّ مُشتاقِ
لافي «سرنديبَ» لِي خِلٌ ألُوذُ بِهِ
وَلَا أَنِيسٌ سِوى هَمي وإطراقِي.
أبِيتُ أرعى نجوم الليلِ مُرْتَفِقًا
في قُنَّةٍ عَزَّ مَرْقاها على الراقي
تَقَلَّدَتْ من جُمانِ الشُهبِ مِنْطَقةً
مَعقُودةً بِوِشَاحٍ غَيرِ مِقْلاقِ.
القصائد التي نظمها البارودي في الغربة كثيرة، وربما يحفظ الكثيرون قصيدته التي يقول فيها:
أَبِيتُ في غُرْبَةٍ لا النَّفْسُ رَاضِيَةٌ
بِها وَلا المُلْتَقَى مِنْ شِيعَتِي كَثَبُ
فَلا رَفِيقٌ تَسُرُّ النَّفْسَ طَلْعَتُهُ
وَلا صَدِيقٌ يَرَى ما بِي فَيَكْتَئِبُ
وَمِنْ عَجَائِبِ ما لاقَيْتُ مِنْ زَمَنِي
أَنِّي مُنِيتُ بِخَطْبٍ أَمْرُهُ عَجَبُ
لَم أَقْتَرِفْ زَلَّةً تَقْضِي عَلَيَّ بِما
أَصْبَحْتُ فيهِ فَماذَا الْوَيْلُ والْحَرَبُ
فَهَلْ دِفَاعِي عَنْ دِيني وَعَنْ وَطَنِي
ذَنْبٌ أُدَانُ بِهِ ظُلْمَاً وَأَغْتَرِبُ
ومن القصائد الجميلة التي كتبها في فترة المنفى، التي تفيض كلماته رقة وعذوبة، وتنسال شوقاً وحنياً، قصيدة «وداع وطن»، وقد سكب فيها البارودي معارفه الغزيرة في اللغة العربية، فجاء النص إبداعياً، سلساً بلا تعقيد، ويحكي فيه عن غربة الشاعر، وتوقه إلى العودة، يقول في هذه القصيدة:
محا البينُ ما أبقتْ عيون المها مني
فشِبتُ ولم أقضِ اللُّبانة من سني
عناءٌ، ويأسٌ، واشتياقٌ وغربةٌ
ألا، شدَّ ما ألقاه في الدهر من غبنِ.
فإن أكُ فارقتُ الديار فلي بها
فُؤادٌ أضلتْهُ عيون المها مِني
بعثتُ به يوم النوى إثرَ لَحْظَةٍ
فأوقعه المِقدارُ في شَرَكِ الحُسنِ.
ويشكو من ألم الوجد، لفراق المحبوبة في الوطن، ويُمني النفس باللقاء القريب.
فهل من فتى في الدهر يجمع بيننا
فليس كِلانا عن أخيه بمستغنِ
ولما وقفنا لِلوَدَاع، وأسبَلَتْ
مدامعنا فوق الترائب كالمزن
أهبتُ بصبري أن يعودَ، فعزني
وناديت حلمي أن يثوب فلم يُغنِ
ولمْ تَمْضِ إلا خَطْرَةٌ، ثم أقلعت
بنا عن شطوط الحي أجنِحةُ السُّفْنِ
فكم مُهجةٍ من زَفْرَةِ الوجدِ في لظى
وكم مُقْلَةٍ مِنْ غزرة الدمع في دَجْنِ
ويتمنى الشاعر العودة إلى حضن الأوطان، وأن يجمعه الله بمن يحب، فلا الصبر أسعفه في سلوان من يهوى؛ بل قضى أيامه في هذه الغربة في بكاء ودموع.
وما كنتُ جربتُ النوى قبل هذه
فلما دهتني كِدتُ أقضي من الحزن
ولكنني راجعتُ حِلْمِي، وردني
إلى الحَزْمِ رأيٌ لا يحومُ على أَفْنِ
ولولا بُنياتٌ وشِيبٌ عواطلٌ
لما قَرَعَتْ نفسي على فائِتٍ سِني.
ويحكي البارودي شعراً عن هذه التجربة القاسية الجديدة في حياته، فهو لم يجرب البعد من قبل، ما يزيد من آلامه وأوجاعه، وينهى نفسه ويزجرها، عن الاستسلام على هذه الحال.
فيا قلبُ صبراً إن جزِعتَ، فربما
جَرَتْ سُنُحاً طَيْرُ الحوادثِ باليُمْنِ
فقد تُورِقُ الأغصان بعد ذبولها
ويبدو ضياء البدر في ظلمةِ الوَهنِ
وأيُ حسامٍ لم تُصِبهُ كهامُةٌ
ولهْذَمُ رُمْحٍ لا يُفَلُ من الطعنِ.
وكعادة الشعراء المتأثرين بالقدامى من الشعراء العرب، تحمل نصوص البارودي الكثير من الحكمة، كما في الأبيات السابقة، فهي تمثل ترياقاً ضد العجز واليأس، وهي السلوان إلى أن يجمعه الله بالوطن ويعيده إليه.