تدل حياة وشعر الحطيئة مدى الفاعلية التي كانت للشعر قديماً، وكيف كان يستطيع أن يرفع أقواماً ويضع آخرين، فقد أثر الحطيئة بشعره في قبائل ورجال كثيرين، منهم بنو أنف الناقة، والمحلق، الذين رفعهم جميعاً بشعره.
والحطيئة لقب، واسمه جرول بن أوس العبسي، وهو مخضرم بين الجاهلية والإسلام، ولم يكن رفيع النسب في قومه، لكنه أظهر نجابة في رواية الشعر وقرضه، وقد ارتبطت صورة الحطيئة في خلد كثير من قراء الأدب بأنه شاعر هجّاء، رغم أن الهجاء ليس هو أكثر شعره، ورغم روائع الشعر التي تركها في مجال المدح، والإشادة بمكارم الأخلاق، وربما جنت عليه في ذلك الحكاية المشهورة عن سجن عمر بن الخطاب رضي الله عنه له، بسبب تعريضه بالزبرقان بن بدر وقومه في شعره، وكان الزبرقان سيد بني تميم، وكان جواداً كريماً مضيافاً من أهل البصرة، وقد نزل الحطيئة بداره وهو غائب، فلم يحسن أهله ضيافته، وكان للزبرقان أبناء عمومة يناصبونه العداء، وينازعونه في الزعامة، هم «آل لأي بن شماس»، فانتهزوا الفرصة، وأغروا الحطيئة حتى تحول إليهم، فبالغوا في إكرامه، وحين رجع الزبرقان نشب بينه وبينهم أبناء عمومته نزاع جعل الحطيئة ينشد قصيدته «السينية» الشهيرة التي يمدح فيها آل لأي بن شماس، ويعرض بالزبرقان وقومه، وهي التي سجنه عمر رضي الله عنه بسببها، ولم يكن بها هجاء لاذع، ولا فحش في القول، لكنها على كل حال نالت من مكانة الزبرقان الرفيعة، ورفعت شأن أبناء عمومته، ومن جيد شعر الحطيئة في آل لأي بن شماس، داليته المشهورة التي يقول فيها:
وإن التي نكّبتها عن معاشر
علي غضاب أن صددت كما صدوا
أتت آل شمّاس بن لأي وإنما
أتاهم بها الأحلام والحسب العِدّ
فإن الشقي من تعادي صدورهم
وذو الجَد من لانوا إليه ومن ودوا
يسوسون أحلاما بعيدا أناتها
وإن غضبوا جاء الحفيظة والجد
أقلوا عليهم لا أبا لأبيكم
من اللوم أو سدوا المكان الذي سدوا
أولئك قوم إن بنوا أحسنوا البُنى
وإن عاهدوا أوفوا وإن عقدوا شدوا
وإن كانت النعماء فيهم جَزَوْا بها
وإن أنعموا، لا كدروها ولا كدوا