القاهرة: «الخليج»

الفيلم السينمائي كشكل للتعبير يماثل الوسائط الفنية الأخرى، لأن الخواص الأساسية لهذه الوسائط الأخرى منسوجة في صميم قماشته، فالفيلم يوظف العناصر التكوينية للفنون البصرية: الخط والشكل والكتلة والحجم والتركيب، وعلى غرار الرسم الزيتي والتصوير الفوتوغرافي يستغل الفيلم التفاعل الدقيق الحاذق بين الظل والنور، وعلى غرار النحت يتناول الفيلم ببراعة المكان بأبعاده الثلاثة، لكنه شأن التمثيل الإيمائي (البانتومايم) يركز على الصور المتحركة، وهذه الصور المتحركة شأن الرقص، لها إيقاع موزون، وتشبه الإيقاعات المركبة في الفيلم تلك الكائنة في الموسيقى والشعر، كما أن الفيلم، شأن الشعر على وجه الخصوص، يعبر من خلال التصور الذهني والاستعارة المجازية والرمز، وعلى غرار الدراما، يعبر الفيلم بصرياً ولفظياً، بصرياً من خلال الفعل والإشارة، لفظياً من خلال الحوار، وأخير على غرار القصة، يبسط الفيلم أو يضغط الزمان والمكان، بالارتحال إلى الأمام وإلى الوراء بحرية في نطاق حدودهما الرحيبة.
يشير جوزيف. م. بوجز في كتابه «فن الفرجة على الأفلام» إلى أن الفيلم يتميز عن كافة الوسائط الأخرى بخاصية الحركة الطليقة الدائمة فيه، ويتيح التفاعل المستمر بين المنظر والصوت والحركة للفيلم أن يتجاوز الأوضاع الساكنة للرسم الزيتي والنحت، بتعقيد جاذبيته الحسية مع إمكانية التعبير على مستويات متعددة في آن واحد أيضا، بل يتفوق الفيلم على الدراما في قابليته الفريدة لاستيعاب مختلف وجهات النظر والحدث ومعالجة الزمان والإحساس غير المحدود بالمكان، وعلى نقيض الرواية والمسرحية يستطيع الفيلم أن يهيئ تدفقاً موصولاً غير منقطع، يطمس مراحل الانتقال ويخفضها إلى أدنى حد ممكن دون تهديد لوحدة الحكاية، وعلى نقيض القصة والقصيدة يعتبر الفيلم تعبيراً مباشراً - من خلال أصوات وصور مادية محسوسة - لا من خلال رموز تجريدية، مثل الألفاظ التي تتطلب من العقل أن يترجمها، وأكثر من هذا أن الفيلم يستطيع أن يعالج صفاً طويلاً لا ينتهي من الموضوعات.
لقد تقدم الفيلم السينمائي خطوة خطوة من الرسوم إلى الصور الفوتوغرافية، إلى الصور المطروحة إلى شاشة الأبعاد الثلاثية، بل لا تزال التجارب العلمية جارية لإضافة حاسة الشم للتجربة الفيلمية بإطلاق عطور أثناءها.