القاهرة:«الخليج»

يحتل «بار لاغركفيست» (23 مايو/‏‏ أيار 1891 21 يوليو/‏‏ تموز 1974 ) مكانة مهمة لدى أبناء وطنه في السويد وبلاد اسكندنافيا، رغم أن كثيرين حول العالم لا يعرفون إنتاج هذا الرجل الذي فاز بجائزة نوبل عام 1951، فيما عدا بضع قصص قصيرة ورواية «القزم» لا يعرف جمهور القراء شيئاً عن الكاتب، ومع ذلك فإن الناقد لوسيان موري يشير إلى عدة خصائص في كتابات الرجل، منها «نبل في النبرة، والأسلوب، إخلاص متفانٍ لاستقلال التفكير، وحرفية لا تضاهى، ضمنت له طوال نصف قرن السمعة التي يستحقها».

لقد مر إنتاج «لاغركفيست» بعدة مراحل قادته إلى نتائج جريئة بدت واضحة في سردياته ومسرحياته مثل: «الرجل الذي عاش مرة ثانية القزم الرجل عديم الروح الجلاد انتصار في الظلام حجر الفلاسفة، وهنا يرى لوسيان مروي أن هذه الأعمال علامات في رحلة «لاغركفيست» ومثلت انتصارات حققها في معارك النضال الدائب بغية الوصول إلى تلك الممالك، ممالك الفكر، حيث تجد الروح تحققها، لو كتب بار لاغركفيست بلغة يسهل على القراء الغربيين أمرها لبلغ بدون شك منزلة أحد قادة عصرنا، هو رجل نادر من تلك القلة الضرورية التي ترفع المشعل لتقود خطانا خلال عتمة عالمنا المطبقة».
لقد عاش لاغركفيست طفولة متأملة مسكونة في وقت مبكر بهواجس غريبة وبتطلع ما بعد الموت، حيث كتب مبكراً تلك المقالات والقصائد المتواترة، المفعمة بحرقة ميتافيزيقية، لقد كانت صيحته عالية من الألم إلى السكينة، إلى ذلك الفرح الداخلي المنتصر على كل يأس، من التمرد إلى القبول الذي لم يكن رضوخاً، مع أنه لم يكن في الغالب خارج نوبة من الشغف، من الحس بالعقل إلى إيمان بوجود مبدأ كامن في منبع كل مصير بشري.
«باراباس» عمل لاغركفيست الأساسي يبرهن على أنه ظل متصلاً بمأساة فكرنا المعاصر، وعلى أنه بالرغم من فلسفته عارف الرعب الفادح لمشكلاتنا، فقد واجه في هذه الرواية اللغز المستعصي لمحنة الإنسان، مع رعب العمى الذي قدر لنا أن نواجه به مشكلة الكون وأنفسنا، في «باراباس» استجابة أكيدة لتحرك الذهن البشري.
في هذا الكتاب الأخير من أعمال لاغركفيست ترى التطور النهائي لفن بلغ غاية الإيجاز والتقشف، فهو المرحلة الأخيرة في عملية فكرية، مضت أبعد من الأدب المحض، المرحلة الأخيرة حسبما يرى لوسيان موري لفن يجسد برصانته المحببة، المناخ العاطفي لزماننا.
الترجمة التي أصدرتها دار المدى للنشر لرواية «باراباس» تتصدرها رسالة موجهة إلى لوسيان موري، كتبها أندريه جيد، وفيها يؤكد أن «باراباس» بار لاغركفيست كتاب مرموق، وقال في رسالته: «حين جئتني بترجمة باراباس تحدثت عنه بطريقة جعلتني أشعر برغبة محببة في قراءته، لكن لم تكن لدي آنذاك أي فكرة عن المدى الذي سأستمتع فيه بالكتاب، لقد كنت بالمصادفة (وأكاد أقول بالمقدر) مهيأ لمتابعة المضي فيه، ذلك لأنني كنت الشهر الماضي غارقاً في دراسة «تاريخ أصول المسيحية» لقد استطاع رينان بأستاذيته أن يجعلني أدرك بأي دقة ذكية، أبرز بار لاغركفيست المنابع الغامضة لوعي وليد، معذب سراً بمشكلة المسيح».
مقياس نجاح لاغركفيست حسبما يرى جيد أنه تمكن بمهارة من أن يحافظ على توازنه، فوق حبل دقيق يمتد عبر الهاوية المظلمة الواقعة بين عالم الواقع وعالم الإيمان، تظل الجملة الختامية للكتاب «عمداً بدون شك» ملتبسة: «حين شعر بالموت يقترب، الموت الذي ظل يخافه دائماً، هتف بالظلام، كأنه يخاطبه: «إليك أسلم روحي»
يقول أندريه جيد: «إن هذا الالتباس وارد أيضاً في النص الأصلي، إن اللغة السويدية أعطتنا، ولا تزال تعطينا، أعمالاً فائقة القيمة، حتى إن معرفة هذه اللغة ستشكل سريعاً، بعضاً من عدة من يدعو نفسه جيد الثقافة».
«باراباس» هو الشخص الذي جرت مبادلة الحياة بينه وبين السيد المسيح، وفق العقيدة المسيحية، ورغم أنه نجا من الموت إلا أنه طوال صفحات الرواية يشعر بالضياع، وأن الحياة لا معنى لها، لقد قال صراحة إنه لا يستطيع الإيمان، ورغم ذلك يصلي قائلاً: «أريد أن أؤمن» هذه الرواية التي منحت كاتبها جائزة نوبل تناقش قضية الدين والإيمان.