أبوظبي: نجاة الفارس

تشهد الساحة الثقافية العربية والعالمية، في الآونة الأخيرة، تكريساً لظاهرة التمازج والتلاقح بين الأجناس الأدبية المختلفة، واختفاءً نسبياً للحدود الفاصلة بينها، وتجاوزاً للأشكال والقواعد التي كانت تحكم كل جنس من الناحية التقنية، فبتنا نشهد على سبيل المثال نصوصاً روائية زاخرة باللغة الشعرية، كما أصبح الكتاب يستعيرون من أكثر من جنس أدبي في إنتاج عملهم الإبداعي.
«الخليج» استطلعت آراء مجموعة من الكتاب والباحثين حول ماهية هذا التمازج، وهل يحقق الكاتب فيه شروط الإبداع؟ أم أنه تعدى على قواعد أدبية ميزت كل جنس عبر فترات طويلة ومنحته خصائصه الأساسية؟. حيث أكدوا أن الإبداع لوحة ثرية تحتضن الألوان كلّها، ولن يبقى إبداعاً إن استمر على المنوال نفسه وظل على وتيرة واحدة، فالمبدع الحقيقي هو الذي يستثمر الفنون كلها ويخبز منها نصًا روائيًا متيناً تفوح منه رائحة الشعر، أو يكتب ديواناً شعريًا يتعطر بالموسيقى والألوان، وأن استجابة الإبداع للتطور شرط ضروري للتأثير والبقاء.
وأضافوا أن الأجناس الأدبية ديدنها التطور والتجديد والتراكم والتواتر والمشابهة ولا ضير من وجود تلاقح ثقافي يجمع بين الأجناس الأدبية بما يخدم العملية الإبداعية، شريطة ألا يكون هذا التداخل عبثياً هدفه فقط التميز والخروج عن المألوف، مما يولد نماذج أدبية مشوهة لا قيمة لها ولا عنوان.
قال الروائي ناصر عراق: «تثبت مظاهر الحياة كلها أن التطور سمة رئيسية لا يمكن تجاوزها أو الفكاك منها، والإبداع بمجالاته المتنوعة جزء أصيل من هذه المظاهر، الأمر الذي يؤكد أن الحضور المؤثر للإبداع مرهون بقدرته على الاستجابة لقوانين التطور، ومن ثم يصبح من الجائز، بل من الضروري أن يستفيد أي جنس أدبي من الأجناس الأخرى ليطور نفسه، ويعزز وجوده وفعاليته».
وإذا كان الهاتف المحمول، على سبيل المثال، قد تطور ليحتوي كاميرا وجهاز تسجيل إلى آخره، فإن معظم الأجناس الأدبية أيضاً، استطاعت في العقود الأخيرة أن تتخفف من التعريفات والقوالب الجامدة، لتنهل من بعضها بعضاً، فالرواية استوعبت بين شاطئيها فنون الشعر والسينما والمسرح والموسيقى والتشكيل، كذلك الشعر، أصبح لا يتحرج من استلهام ما يفيده من تلك الفنون، فيستعير منها الكثير ليطعّم بها أبياته وقصائده.
وأضاف: «لكن السؤال الصعب، كيف يمكن للروائي أو الشاعر أو القاص أن يطور إبداعه، ويستفيد من البستان الكبير الذي توفره المجالات الأدبية الأخرى؟ في ظني أن الإجابة تتلخص في أمرين: أولهما، الثقافة العامة العريضة للكاتب، بحيث يتحتم عليه أن يكون مطّلعاً على أبرز الإنتاج الأدبي والفني في بقية المجالات، حتى يسهل عليه الاستفادة مما يقدمه هذا الإنتاج من أفكار ورؤى وتقنيات، وثانيهما، اتكاء الكاتب على موهبة متدفقة تعاونه على كيفية الاستفادة الذكية مما يقرأ ويشاهد، فيعمل على استعارة ما يلزم وتضفيره بحصافة ضمن النص الذي يكتبه، مع ذلك يصح القول إن لكل جنس أدبي قوانينه الخاصة التي تدل عليه، فالشعر، عمودياً كان أو تفعيلة، لا يكون شعراً إلاّ إذا التزم الأوزان والعروض والقافية والرويّ وخلافه، والرواية لا تصبح رواية إلاّ إذا نهضت على حبكة متينة، وهكذا، أي أن انفتاح النثر على الشعر، أو الشعر على الرواية، أو كليهما على فنون المسرح والسينما والموسيقى لا يعني أبداً طمس المعالم الرئيسية لكل فن على حدة، باختصار: الشعر شعر، والنثر نثر، والفيلم فيلم، ولكن المبدع الحقيقي هو الذي يستثمر هذه الفنون كلها، من أجل استجابة الإبداع للتطور شرط ضروري للتأثير والبقاء».
الناقد والمترجم الدكتور الفارس علي قال: «تعد مشكلة الأجناس من أقدم القضايا الأدبية، ولا يزال النقاش دائراً حول تعريف الأجناس، وعلاقاتها بعضها ببعض، والحدود الفاصلة فيما بينها، في هذا السياق يمكن رصد عدد من النظريات في معالجة الأجناس، مثل النظرية التاريخية التي تتناول الأجناس في تطورها التاريخي وتحولاتها الزمنية، حيث تظهر أجناس في فترة ثم تختفي في فترة أخرى، وهناك النظرية الجمالية المعنية بالمعطيات الفنية والجمالية، حيث يصبح الجنس الأدبي بقواعده سراً من أسرار الخطاب الإبداعي، أما النظرية الأسلوبية فمعنية برصد الأجناس الأدبية على مستوى الصياغة والأسلوب، ثم النظرية الكلاسيكية التي تعد تطويراً للنظريات الأدبية اليونانية القديمة، وتشدد هذه النظرية على ضرورة احترام قواعد الأجناس الأدبية احتراماً كبيراً، وعدم الخلط بين الشعر والملاحم والدراما، وعلى العكس من هذا، هناك النظرية الرومانسية التي تعتقد في انصهار الأجناس الأدبية بعضها في بعض، حيث تؤمن بالوحدة الفنية فيما بينها».
وأضاف: «كان الإخلال بالنوع أو الجنس الأدبي في بعض الثقافات يعد تقصيراً وعيباً في العمل الأدبي، على نحو ما كان يفعله كاتب كبير كالعقاد في موقفه المتشدد من الشعر الحر، إذ كان يعده خرقاً لعمود الشعر كما مارسه العرب قديماً، وكان آنذاك رئيساً للجنة الشعر في المجلس الأعلى للثقافة، فكان كلما عرضت عليه قصيدة من هذا النوع أحالها إلى لجنة النثر، لكن هناك من يعد الإخلال بالقواعد، والانحراف عنها ضرباً من ضروب الإبداع والتحديث والتجديد، فلم يخلُ التراث العربي من محاولات للخروج عن عمود الشعر على مدار تاريخه، فأخرج لنا الموشحات الأندلسية التي تلقاها النقاد بكثير من الحفاوة، وظلت فترة جنباً إلى جنب منافسة للقصيدة العمودية، وحديثاً ثمة الكثير من الكتابات الإبداعية تعمد إلى تحطيم الحواجز الموضوعة بين الأجناس، فأصبح لدينا نوع تقبّله المتلقي بقبول هو القصيدة الدرامية، والمسرحية الشعرية التي ينصهر فيها الشعر والحوار المسرحي، وكتب فيه كبار في عالم الأدباء كأحمد شوقي، وعبد الرحمن الشرقاوي، وصلاح عبد الصبور».
وأشار علي إلى موقف النقاد من قصيدة النثر، فلا يزال يراوح بين القبول والرفض، وقال: «بالنسبة لي، فإني أكثر ميلاً إلى اعتبار هذا الضرب جنساً أدبياً ثالثاً، يجمع بين فضيلتي الشعر صوراً وأخيلة وروحاً وموسيقى داخلية، والنثر تركيباً وصياغة وشكلاً».
الدكتور أحمد عقيلي أستاذ النقد الأدبي الحديث، قال: «لا شك أن الثقافة تقوم على التمازج والتلاقح، والتأثر والتأثير، ومن الطبيعي أن تتقارب الأغراض بين الأجناس الأدبية وأحياناً الأساليب، ولكن الحقيقة الواضحة والتي لا لبس فيها هي تلك المسافة الممتدة والفجوة الكبيرة - لو صح التعبير - بين الشعر والنثر، وتتمثل هذه المسافة في عنصرين مهمين، وهما الشكل والمضمون، حيث يختص كل فن أدبي سواء كان قصة أو رواية أو شعر بخصائص تميزه عن غيره، ولكننا لا ننفي أن هناك كثيراً من المحاولات التي ظهرت منذ عقود مضت، وازدادت حركتها في العصر الراهن، للمزاوجة بين الأجناس الأدبية، وإبداع تداخل فني فيما بينها، وهو ما نجده على سبيل المثال في إطلاق تسمية: قصيدة النثر، حيث جمعت بين شعرية النص، وبين الكلام المنثور، وسواء قبلنا هذه التسمية أم لا، فهي بطبيعة الحال انعكاس طبيعي وواقعي للظرف الحداثي الراهن، ولعل هذا التوجه من السعي للمزاوجة بين الأجناس الأدبية، يعود إلى رفض الأطر الجاهزة والقوالب المسبقة، بأن يكون لكل جنس أدبي قالب خاص يمثله، بل ويشكل قانوناً خاصاً له، فقد يتداخل النص النثري مع النص الشعري من حيث شاعرية المضمون، مع الاختلاف في البناء الشكلي والنسقي والإيقاعي، وبالتالي فإن وضع قوالب جاهزة لكل جنس أدبي يمكن أن يقيّد المتلقي، ويفرض عليه رؤية جاهزة ومسبقة للنص المقروء، وهو ما يحدّ من حريته في معالجة النص وإطلاق العنان للخيال».
وبيّن عقيلي أنه لا يمكننا أن نعزل النتاج الفني أو الأدبي من حيث مضامينه الفكرية والوجدانية والإنسانية، عن الظروف التي يكتنفها الواقع على اختلاف إرهاصاته الاجتماعية والثقافية والاقتصادية، ومن هنا كان السعي لدى كثير من المثقفين والمبدعين لإزالة الحدود الشكلية بين الأجناس الأدبية، وهذه الظاهرة ليست وليدة العصر الراهن، بل نلمس توجهاً مماثلاً منذ عصور مضت، ففي العصر العباسي مثلاً ثار كثير من الشعراء على قضية الوزن والقافية بالنسبة للشعر، ومنهم الشاعر أبو العتاهية حين قال: «أنا أكبر من العروض»، وفي هذا إشارة إلى ما سمي بعد ذلك بشعر التفعيلة أو الشعر الحر، والذي يخرجه كثيرون من دائرة الشعر لمجرد الحرية التي يتمتع بها من ناحية الوزن والقافية، ولعلي أرى أن المماثلة والقولبة الثابتة للنص الأدبي مع النص الآخر تشكل نوعاً من التقوقع والانغلاق على الذات، إذ لا ضير من التلاقح بين الأجناس الأدبية والتلاقي إن كان ذلك يحقق عنصر الإبداع والتأثير في المتلقي، وهو الهدف الأساسي للعملية الإبداعية، سواء كان العمل الإبداعي نصاً شعرياً عمودياً أو من نظام التفعيلة، أو قصيدة النثر، فالفيصل هو شعرية النص ومدى تأثيره في المتلقي، فقد نرى نصاً شعرياً عمودياً سطحياً لا ينطوي على عمق فني أو روحي، وبالمقابل نرى نصاً شعرياً من التفعيلة أو النثر، يترك أثراً عميقاً في نفس المتلقي، وبالتالي الفيصل هو شعرية النص بعيداً عن الأحكام الجاهزة التي لا تتجاوز عنصر الشكل.
وأضاف: «لا ضير من وجود تلاقح ثقافي يجمع بين الأجناس الأدبية بما يخدم العملية الإبداعية، فمن الجيد أن نجد نصاً نثرياً يحقق شعرية عالية ويلامس روح المتلقي، أو أن نجد قصة شعرية تشد المتلقي وتجذب انتباهه وتؤثر فيه، أو مسرحاً غنائياً يسمو بالمتلقي ويجعله يحلق في فضاءات الخيال والجمال، خصوصاً وأن التقارب الفني بين الأشكال الأدبية يجعل الباب مفتوحاً للتمازج والتداخل الفني فيما بينها، بحيث نجد في القصة مثلاً شعراً وغناءً، كما نجد في الشعر الحديث حكاية وأقصوصة ونثراً، ولكن شريطة ألا يكون هذا التداخل عبثياً هدفه فقط التميز والخروج عن المألوف، مما يولد نماذج أدبية مشوهة لا قيمة لها ولا عنوان».
أما الكاتبة والشاعرة أمل إسماعيل فقالت: «لا أعتقد أننا تخلصنا من الحدود الفاصلة بين الأجناس الأدبية، ربما أصبحت أكثر مرونة، لكنها
ما زالت موجودة، ففي ظل انفتاح معرفي يسهّل على المتلقي التنقل بين جنس أدبي وآخر، وأحياناً دمج نص أدبيّ من هنا بآخر من هناك، بات الأدباء يفكرون في كيفية مزج خليط الأجناس الأدبية كلها معاً لإبهار القارئ، أو كسب شريحة أوسع من المتابعين، أو حتى استعراض عضلاتهم الأدبية الشاملة».
وأضافت: «بات الكاتب يفكر في الطريقة التي تصل فيها نسائم قصيدة كتبها عرضاً - وهو ليس بشاعر- في طيات عمل قصصي، أو العكس، وباتت الأجناس الأدبية حقلاً تجريبياً للكتاب، إذ لم يعد في حاجة إلى انتظار موافقة دار نشر ما، لإصدار مجموعة شعرية مثلاً، والأمر نفسه ينطبق على القصة القصيرة، والرواية، ولكن، ما زال بإمكان الرواية مثلاً أن تضم قصيدة أو أغنية في طياتها، وهي محافظة على جنسها الأدبي الواضح ظاهرياً، أما القصة فأخذت أشكالاً أخرى كالقصة القصيرة جداً، أو قصة الكبسولة، أو الومضة، وهي الأكثر تقبلاً لعصر القراءة السريعة، وتغريدات تويتر».
وتابعت: «بالنسبة لي، أنحاز للانفتاح الأدبي نوعاً ما، فالأجناس الأدبية ديدنها التطور والتجديد والتراكم والتواتر والمشابهة، وقد كانت المقامات فيما مضى جنساً أدبياً يعتد به لكنها لم تعد كذلك الآن، وربما نشهد في الغد وما بعده بزوغ أجناس أدبية أخرى، وهي في النهاية إثراء للأدب برمته».